#dfp #adsense

بابا نويل بالضيعة كمان؟

حجم الخط

صارت الخامسة مساء، تتلفلف الضيعة بالشال الصوف وتذهب بهدوء حنون الى الكنيسة، هي تساعية الميلاد، “ارسل الله ابنه الوحيد نورا للامم” يصدح الاهالي باصواتهم المتفاوتة صعودا نزولا لا يهم، المهم المشاركة بأجمل تراتيل الميلاد على الاطلاق. تنتهي التساعية، نخرج مدججين بفائق الحنان، صقيع في الخارج، صقيع دافىء غريب، “ميلي تيريز نشرب قهوة” وتذهب ام نديم صاغرة، “سلوى شو عندك مْرِقي”، تتمنّع ام علاء “هلا بيجي يوسف بدي حضرلو العشا” ونذهب كل منا الى انشغالاته، الى هدير الصوبيا في بيوتنا، الى المغارة التي تصدرت قلب بيوتنا واشعلت فينا جنون الحلم والحنين، نذهب الى التحضيرات “العظيمة” لليلة عيد الميلاد التي تبدأ قبل عشرة ايام على الاقل…

هو عالم من خارج سياق كل هذا العالم المنكوب فينا. ثمة سكون مستحيل، هون الضيعة. هون العيد يلبس غير ثيابه الاعتيادية في اي مكان من العالم. لسنا منفصلين عن واقعنا ابدا، بل لعلنا اكثر الناس معاناة، لكن وفي الوقت عينه كأننا منفصلون كليا.

صغارا، ما كانت ساحات الضيعة تتزين، ولا كانت تلك العادة موجودة بالاساس. لزمن طويل كنا نعتقد ان الساحات المضاءة بالوانها هي لابناء المدينة فقط، ونحن لنا ان نحضر تلفزيون لبنان ونشهد بزمن العيد على شيء ما ساحر غريب منهمر من غير كوكب، ونجلس قبالة مغارة جد متواضعة ونحلم بشيء خيالي اسمه الزينة وبابا نويل.

كنا نعتب على بيروت ونغار من ابنائها، ننقهر منها انو ليش العيد هونيك احلى من هون؟! طيب ليش بابا نويل لاهل المدينة ونحنا لاء؟! جدي كان يصف ختيار العيد بالـ “مخنث”، يا للهول “دخيلك يا جدي ما تقول عنو هيك بيزعل وما بيعود يجبلنا هدايا”. لم يستوعب جدي يوما حكاية بابا نويل، واذا تجرأنا وأخبرناه عنه، ينظر الينا شزرا ويصرخ “شو؟ مين هادا؟ ليك هالمخنت، في رجّال بيلبس احمر ك جدي؟ روحي ع الدكان واشتري شو ما بدك وأيدي ع حسابي هيدي هديتي الك بالعيد” ولك يا جدي بابا نويل مش مخنت، انظر الى لحيته الطويلة وصوته الجهوري عندما يضحك ويطنطن الدني، ما تزَعلوا دخيلك”! بالنسبة لجدي بابا نويل ابن المدينة ولا علاقة لنا به على الاطلاق، لم يكن يعرف اساسا قصة القديس نيكولاوس ولا يهمه الامر، كما لا يعرف جدي الان، الا اذا كان يراقبنا من خلف الغيم، ان الضيعة تغيرت كثيرا وصارت تجتاحها الزينة في ايام العيد، وان البيدر حيث كان يُدرس القمح، صار ساحة شاسعة مضاءة للاحلام، وان بابا نويل صار يتقصد زيارة الضيعة قبل المدينة اذ يجد له هنا حبا اكبر وولائم بالجملة تنتظره ليلة العيد هو من يحب بطنه ويتلذذ بالاطايب!

اذاً والدنيا في لبنان هالقد غرقانة في مآسيها ووبائها، تقطف الضيعة موسم اعيادها. في ليل الضيعة تمشي صبية لتغزل حلمها، شبابيك الضيعة حكايات مطرّزة بالحلم. اضواء المغارة في البيوت، تلمع من خلف الزجاج كقناديل حب.

قبل ليلة العيد المنتظرة، تجلس مغارة الميلاد بعد عيد البربارة مباشرة في قلب الدار، ابونا الرعية كان يطلب من الاهالي ان يضعوا المغارة في الليوان، اي القاعة الكبيرة في البيت “لان المغارة وشجرة العيد هودي بركة ولازم يتصدروا الدار” يقول في وعظته، ومن حول المغارة يندرز القمح والذرة والطرمس المزروع بالقطن.

قبل العيد بنحو ثلاثة اسابيع لبست الضيعة زينتها، مغارة كبيرة تتوسط الساحة العامة، اضواء وغزلان والوان، الكنيسة لبست احلا ما عندها لاستقبال الاتي باسم الرب، واهل الضيعة ينتظرون العيد ليمشوا في ليلها تحت سحر الانارة مهما كانت متواضعة “شو عليه المهم نحس بالعيد”.
الضيعة كما كل لبنان مأزومة بأوضاعها الاقتصادية، لكن الخير هنا يفوق اي مكان اخر في العالم، هنا الموونة تغلب كل فرضيات الجوع الواصل الينا، هنا نزرع لناكل، هنا الخير من منابعه مباشرة. الضيعة ايضا كما كل القرى، خائفة من ذاك الوباء اللعين، انحسرت نسبة اللقاءات والسهرات، اُلغيت حفلات عيد الميلاد للاطفال والتي كانت تعم الضيعة والقرى المجاورة كافة. نعم سرقنا التقليد من اهل بيروت وتفوقنا عليهم بشيء واحد فقط، ليس الاضواء المبهرة والزينة الخلابة، انما بذاك الشعور الذي لا يضاهى باننا نسكن موقع الحلم تماما، وان نجوم السماء لليلة العيد اقرب مما نتوقع، وان مغارة يسوع حقيقية واشخاصها ينطقون ويندهون علينا للجلوس معهم وتناول عشاء الميلاد على انغام سحرية متلألئة من خيال ينهال من قلب قلب الحب ذاك…هكذا نشعر على الاقل.

الضيعة الان في انتظار تلك النجمة الساحرة، وها هم الرعاة والمجوس يسرحون بالبراري يلحقون بالضوء، كم يوم ويصلون ويخضعون لاله السماء والارض. وهون بالضيعة بابا نويل المنتوف هذه السنة، يتحضّر ايضا، اذ لم يقبل الا ان يشارك الاطفال احلامهم الصغيرة الكبيرة، صبايا من الضيعة في ليلة العيد يلبسن ثياب “مخنث” جدي، وبعد عملية تواطؤ بينهن والاهالي، اذ يسلمونهن هدايا اولادهم، وعندما يهبط الليل تدور الصبايا باللباس الاحمر ويقدمن الهدايا للاطفال على اساس انهن مرسلات مباشرة من ختيار العيد، ويملان الازقة من اصواتهن ومن فرح اللحظات.

هون الضيعة، والعيد هنا على درب الغزلان يحيّك حلما. أححح صقيع، لكن دفء هذا الزمن يفوق اي دفء في العالم كله. بيوت الضيعة معجوقة كتير والمغارة في انتظار الليلة الموعودة، ولاجل تلك الليلة نساء الضيعة يحضرن المغلي في الانطش فرحا بميلاد يسوع، بيوت الضيعة كلها تدرج المغلي ضمن ضيافة العيد التي اختصرت هذه السنة الكثير من اطايبها الا المغلي. مائدة الميلاد ايضا اختصرت الكثير من مكوناتها او “فواحشها” بلغة اهل الضيعة، لائحة الهدايا خسرت الكثير الكثير ولم يظمط الا اطفال العيلة، اما الكبار راحت عليهم، فش هدايا السنة الوضع عاطل! نسكت على مضض، الوضع عاطل لكن ثمة ما هو اهم بكثير يفرفح القلب، في عشاء الميلاد كل العيلة هون، في حدن ناقص؟ حمد لله المهم ما ينقص حدن، واذا حصل نصلي معا لـ يللي صاروا عندك ربي عيدن الليلة بسماك…

الثانية عشرة ليلا يقرع جرس الكنيسة، نرتشف اخر ما تبقى من كؤوس سهرنا، نتلفلف بدفئنا ونهرع الى الكنيسة، اجمل اللحظات على الاطلاق، لقاء الضيعة تحت قبة الكنيسة بليلة العيد، كنا نتعانق بحرارة، ما عدنا نفعلها، كمامة الزمن البائس تمنعنا من العناق، لكننا بقينا في اللقاء ولو عن بعد، ينتهي القداس نتبادل المعايدات الامنيات، نأكل المغلي ونضحك من قلبنا للزمن الآتي على عيون يسوع…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل