Site icon Lebanese Forces Official Website

إعادة تشكيل الشرق الاوسط الجديد في عهد بايدن

في قراءة تحليلية جيو ـ استراتيجية وجيو ـ سياسية شاملة، عشية وصول الرئيس الاميركي المنتخب جو بايدن الى البيت الأبيض، وفي ضوء معلومات مسربة من بعض التقارير الدبلوماسية الأوروبية، ما لم يطرأ اي جديد في مسيرة انتقال السلطة في الولايات الأميركية في 20 كانون الثاني2021 المقبل، نستطيع التأكيد بداية أن ولاية بايدن في موضوع ملف الشرق الاوسط لن تكون عودة بالزمن الى “الاوبامية” ولا استمرارية لانعزالية ترامب الشوفينية البيضاء تحت شعار “اميركا اولا”، بل مزيج من الترامبية والاوبامية بأسلوب بايدن الذي ستشهد المنطقة معه تبدلات جوهرية في المشهدية والتحالفات كرّس قسماً هاماً منها الرئيس دونالد ترمب، إذ لم يعد بالإمكان تجاوز ما حققه في الكثير من الملفات الاقليمية.

اولا: ترمب مارس سياسة العصا ضد إيران، ففرض العقوبات التي لم تحقق الكثير من النتائج وإن أضعفت طهران الى حد كبير وخنقت قدرتها على تمويل تمددها في المنطقة، وبالتالي تأثيرها الاقليمي.

اما الرئيس باراك أوباما، مارس سياسة الجزرة مع الايرانيين ومع ذلك لم يتوصل الى منع ايران من الاستمرار في انتاج السلاح النووي بل اضطر للاتفاق مع طهران على تنظيم الخلاف فكان اتفاق لوزان، فيما بقي السلوك الايراني التمددي والتدخلي في شؤون دول وشعوب المنطقة قائما.

لذلك لا بد للرئيس بايدن ان يحاول استخدام كلا العصا والجزرة في رسم سياسة ادارته الجديدة تجاه طهران خصوصاً في ظل مجموعة من الاصطفافات الاقليمية الجديدة التي تحققت في قسم كبير منها مع نهاية ولاية ترمب: من تحولات جذرية في العلاقات العربية ـ الاسرائيلية مع انطلاق مسيرة التطبيع بالشكل الكبير ولأول مرة منذ العام 1948، وصولا الى القمة الخليجية المتوقعة في 5 كانون الثاني 2021 في الرياض لمحاولة حل الازمة الخليجية على الرغم من التعقيدات الاخيرة التي طرأت على ملف مسيرة التفاوض بين اركان تلك الازمة في الايام الاخيرة.

ثانيا: اية قراءة للمشهد الاقليمي الحالي والمستقبلي المتوقع يجب ان يرتكز، فضلا على المعلومات التي لا بد منها، على معطيات الفكر النقدي ووفق نظريات العلاقات الدولية والقانون الدولي.

من هنا، يجب الا يتفاجأ المرء برؤية المنطقة على ابواب تقارب بين خصوم الامس لحماية امن القوى الاقليمية الاساسية والمتمثلة بالمثلث: إسرائيل ـ تركيا ـ ايران والمضاف اليهم القوة العربية الرباعية (السعودية ـ الامارات ـ مصر ـ البحرين).

فواشنطن لطالما اعتبرت طهران مختبراً لسياساتها في المنطقة، وتعمد الى تفحص سلوك الدول في تعاملها مع إيران ثم تفحص سلوك الأخيرة في تعاملها مع دول المنطقة، وبعد الاختبارين والنتائج التي تظهر منهما تتحرك الدبلوماسية الاميركية لترسم السياسات الاقليمية.

في المقلب التركي، ادى الانقلاب الفاشل على الرئيس رجب طيب اردوغان الى توجيه بوصلته خلال عهد ترمب نحو الصين وإيران، ما خلق اشكالا اقليميا تركيا اضيف الى الخليجي ـ الخليجي لا بل ضاعفه في مكان ما.

إذاً، أمام بايدن مواجهة اشكالين: إيران والملف النووي، والية تعامله معه بعد انسحاب خلفه من الاتفاق النووي، واشكال تركي ـ سعودي على الرغم من بعض الايجابيات المسجلة، أخيراً، في الخطاب بين البلدين، والازمة الخليجية.

وكما اشرنا أعلاه عندما تتراكم التهديدات الداخلية لدولة اقليمية مؤثرة تذهب تلك الدولة الى تحالفات مع الخصوم بحسب درجات التحالف والاخطار: بالإشارة الى التهديدات التي واجهتها تركيا (من خطر حزب العمال الكردستاني الذي يحول السيطرة على بعض المحافظات التركية في البلديات الى انقلاب غولن العام 2016 الى سقوط حلب بين ايدي الروس والايرانيين نهاية 2016)، فضلا عن ايذاء انقرة حلفاءها الطبيعيين والاساسيين (الاوروبيون والاميركيون)، نستطيع ان نفهم كيف وبعد 4 سنوات تأتي تركيا بصواريخ اس اس 400 الروسية لحماية امنها القومي الداخلي لا لتهديد دول الناتو او اي خطر خارجي، وكيف باتت الاستعانة بهذه المنظومة الصاروخية الروسية حاليا مكلفة لأنقرة مع تصفية الانقلاب الداخلي وتصفية الحزب الكردي المناوئ، ما ينبغي ان يؤدي طبيعيا الى انتفاء الحاجة لتلك المنظومة.

في ظل هذه المعادلة، تستقبل تركيا ولاية جو بايدن رافعاً العصا على أنقرة ـ اردوغان، ذلك الرئيس الاميركي المقبل المؤيد للعقوبات على تركيا لمكافحة اعداء اميركا بما يخص منظومة أس أس 400 وقضية بنك “خلق” والطاقة، والتي تنظر اليها واشنطن بايدن بقساوة وحزم. في عقل بايدن استبدال اردوغان في الانتخابات التركية الرئاسية المقبلة فيما تركيا حقيقة هي التي ستسبق بايدن في تغيير القيادة الحالية.

زمن التقارب التركي الايراني الروسي بعد الانقلاب في عهد ترامب انتهى، وتركيا بحاجة الى ان تعود الى حلفائها الاساسيين (اي اوروبا بالطليعة)، فنرى عصا بايدن من جهة وجزرة الاتحاد الاوروبي من جهة ثانية ترسم لتركيا ملامح سياستها المتحولة والمتراجعة.

ويلاحظ مراقبون في هذا السياق، تزايد النبرة الايجابية بين انقرة والرياض من جهة وانخفاض منسوبها بين انقرة وموسكو فيما النبرة تتحول الى ايجابية مع اسرائيل.

لكن اردوغان لا يتوانى بين حين واخر من اثارة النعرات الطائفية وحتى القومية كما فعل، أخيراً، في قصيدته الشهيرة في “باكو”، إذ استفزت العرقية القومية الفارسية وجرحت الذاكرة الإيرانية، واخرجت طهران من طورها ضده منذرة بانتهاء مرحلة التناغم مع انقرة، فيما تزامن هذا التوتر مع اعتقال الخلية الايرانية في اسطنبول.

ثالثا: الفرق بين تركيا وإيران ان الاولى دولة لا نظام سياسياً مزدوجاً فيها مع انها تستخدم التاريخ القومي في الترويج لأطماعها بينما إيران دولة مزدوجة ومنتقصة الكينونة الوطنية الداخلية (بين الدولة واللادولة) باعتبارها دولة ذات قضية عابرة للحدود لا تحدها جغرافيا ولا كيانات ولا سيادات وطنية، فهويتها جغرافيا + دين + قومية مع غلبة واضحة للمنحى الثيوقراطي الديني الذي خدم عسكريته وباتت إيران معرضة لانقلاب نظامها الى قومي بدل ديني.

من هنا، ستؤدي اعادة تشكيل الشرق الاوسط الجديد بين تركيا وايران الى ابعادهما عنه لدخوله في منظومة اقليمية جديدة من الامن والتعاون الاقليمي المرتكز اساسا على التعاون العربي ـ الاسرائيلي مع تركيا ما يفترض استدارة تركيا عن ايران بعد انتفاء مبررات التقارب بينهما سابقا.

تركيا كما ايران محكومتان بالاتفاق مع الاميركيين كدولة عظمى لها مصالحها في المنطقة ما يعني ان محاربة داعش والميليشيات والقضية الكردية وتأثير كل هذه العوامل على النظام السياسي في البلدين يفرض حتمية التعاون مع واشنطن، خصوصاً ان امام بايدن خيار وحيد في تعزيز الوجود العسكري الاميركي في سوريا والعراق ما يزيد من عجز ايران في العودة الى العام 2015 فيصبح امامها الخيار الوحيد التوجه نحو جنوب اسيا ويفرض على تركيا العودة الى اوروبا.

العلاقة بين انقرة وطهران اذاً لن تبقى في عهد بايدن كما كانت في عهد ترامب ما يعني انتهاء محور استانة او توجهه في احسن الاحوال باتجاه جنوب القوقاز وافغانستان بعيدا من الشرق الاوسط.

بايدن في المنطقة امام تحالف أوروبي ـ إسرائيلي ـ خليجي جديد ومؤثر، وهو لن يرفع العقوبات عن ايران وقد باتت اليوم اضعف من العام 2015 بأشواط، ما سيضطر بطهران الذهاب الى لوزان جديد يشمل الصواريخ البالستية ووقف التدخل الايراني في المنطقة، ففشل لوزان الدولي (5+1) مهد الطريق للوزان اقليمي (7+1) مع دخول المملكة العربية السعودية واسرائيل في اي اتفاق جديد مع ايران (ما يعني ادخال شروط وزير الخارجية مايك بومبيو الـ12 على ايران) وبعدما انقلبت المشهدية التي كانت سائدة منذ العام 2011 وما ادت اليه من تبدلات استراتيجية جذرية كبيرة فككت المنطقة، فواشنطن ستعمل على اساس ان سوريا لروسيا والعراق لأميركا وايران ان قبلت الاخيرة بلوزان جديد معدل فيما تسلم البوكمال في سوريا لروسيا وتضطر لوقف تمويل الارهاب ما يطرح مصير ميليشياتها على طاولة البحث الجدي.

اثر لقائه الاخير مع نظيره الاماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اننا امام منظومة امن جماعي وامن وتعاون اقليمي جديد في الشرق الأوسط، فلوزان اقليمي يفتح الباب امام الشرق الاوسط لإعادة تشكيل منظومة جماعية متطورة ومتقدمة فيبقى التحدي الايراني مطروحا: هل تقبل طهران بالتفاوض على صواريخها وميليشياتها؟ الخطط البديلة جاهزة ان فشلت المفاوضات.

الاكيد أن بايدن يريد اتفاق لوزان اقليمي فهو ليس اوباما ولا ترمب، فهل يدشن بعد أشهر اعادة تشكيل منطقة امن وتعاون جديدة تؤدي الى تغير الاصطفافات القديمة وتغير نمط الصراع؟

Exit mobile version