مواطن مسؤول في دولة أم مريض مجرم في دويلة

المسؤولية قيمة انسانية عالية المستوى تنبع من داخل الإنسان ولكن ليس أي إنسان، فهي شعور مرتبط بمستوى الإدراك والوعي لدى الفرد، فكلما ارتفع مستوى إدراك الفرد ازداد وعيه بضرورة تحمل مسؤولياته. من هنا نجد أن أهم ركن من أركان بناء الدول هو تحمل الأفراد لمسؤولياتهم سواء كانوا مواطنين ام مسؤولين عاملين في الشأن العام. لهذا السبب نلاحظ أنه كلما ازداد مستوى الوعي والإدراك لدى المسؤولين في الشأن العام ازدادت الدول والشعوب والمجتمعات تقدماً وتطوراً.

في تحليلنا للواقع اللبناني من خلال معادلة ميم تبدأ كلمة “مسؤولية” بحرف الميم وما يتبع المسؤولية من ضرورة المحاسبة في حال المحاصصة ايضاً بحرف الميم، يقابلها في لبنان ما بات يعرف اليوم ب(م.م) اي مافيا وميليشيا، فعند غياب المساءلة والمحاسبة (م.م) تتحول الدولة الى دويلة مافيا وميليشيا، في ظل تقاعس المسؤولين عن تحمل مسؤولياتهم وسعيهم وراء المناصب فقط من اجل تحقيق مصالحهم الخاصة.

لا تبنى الأوطان إلا على أيدي مسؤولين شفافين يرضخون للمساءلة بشكل دوري في حال ارتكاب أعمال مخالفة للقوانين، وهذا ما يستدعي من اي مسؤول في الشأن العام أن يكون على درجة عالية من النزاهة وأن يكون بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه الوظيفي. فكلما ازداد حجم مسؤولياته استوجب ذلك درجة عالية من الوعي والمصداقية والأخلاق فلا يستغل منصبه في تحقيق مصالحه الخاصة على حساب المصلحة العامة.

انطلاقاً من ذلك يجب إخضاع أي فرد مرشح لتبوء منصب في الشأن العام إلى اختبار تقييمي لدرجة وعيه وحجم مصداقيته قبل تعيينه وبعد التأكد من معايير الخبرة والمعرفة والكفاءة لديه، على أن تطبق عليه بعدها إجراءات المراقبة والمحاسبة بشكل دوري ودائم من خلال تفعيل دور أجهزة الرقابة في الدولة والعمل على تحقيق العدالة عبر قضاء مستقل، وانشاء محكمة عليا لا تعلوها أية سلطة.

على سبيل المثال نذكر أحد الاختبارات التقييمية للوعي الذاتي والجماعي NETI questionnaire والذي يحتوي على عشرين سؤال تظهر من خلاله سمات شخصية المرشح المختلفة، علماً أن العلامة الادنى هي عشرون والعلامة القصوى مئة، فكلما اقتربنا من المئة اعتبرنا أن معدل وعي المرشح لتبوء المسؤولية كان مرتفعاً، فيصبح مؤهلاً لتحمل مسؤولية العمل في الشأن العام، علماً انه يجب ان لا تقل علامة المرشحين للخدمة العامة عن الخمسين حتى يتم قبولهم، وهذا ما يعرف بسلم التقييم النوعي لدرجات الوعي الروحي والنفسي والأخلاقي والسلوكي، على ان تُشكل لجنة من كبار الاخصائيين النفسيين والاجتماعيين للقيام بتلك الاختبارات.

فالواقع اللبناني منذ بداية الحرب اللبنانية حتى يومنا هذا يشهد على تخلف مسؤوليه عن تحمل مسؤولياتهم، فهذا الواقع الذي يعاني تدهوراً يوماً بعد اخر ادى الى وصول الدولة الى الفشل والانهيار بحيث بتنا لا نعرف إذا ما كنا نعيش في بلد حضاري انجب يوماً مفكراً وسياسياً مبدعاً كشارل مالك شارك في صياغة وإعلان شرعة حقوق الإنسان، أم نعيش في دويلة تحكمها مافيا وميليشيا تضرب عرض الحائط مصالح وحقوق الناس عامة و كيانهم ووجودهم خاصة.

ان الصراع على السلطة بين كافة الأفرقاء السياسيين بهدف تحقيق مكاسبهم الخاصة على حساب المصلحة العامة التي هي السبب الأساسي لوجودهم، ادى الى تدهور وعجز كامل للسلطات والقطاعات كافة في الدولة.

السبب الرئيسي لوجود أي مسؤول في دولة ما، هو لتحمل مسؤولية بناء الوطن وتحقيق الرفاهية لمواطنيها. ولكن في الحالة اللبنانية نجد أن المسؤول في سدة السلطة يعمل على تحقيق رفاهيته على حساب حقوق وكرامة مواطنيه، وهو ما يعتبر من دون أدنى شك فساداً، فقول الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان (١٩٤٩-١٩٥٣) “كل مسؤول يحقق ثروة جراء عمله في الحقل السياسي هو من دون أدنى شك فاسد” ينطبق بشكل كامل عَلى الوضع اللبناني.

الحاكم الفاسد هو مصدر الفساد في الدولة فمتى صلح الحاكم صلحت الدولة، والمسؤول الذي يميز بين مواطنيه على أساس الولاءات السطحية والانتماءات المصطنعة الوهمية سواء كانت دينية، طائفية، حزبية او قبائلية، يقسم الشعب الى فريقين إما معه أو ضده فيتسبب بانهيار الدولة وتسود اللاعدالة ويطغى الظلم ويفقد المواطن ابسط حقوقه الانسانية.

التوصيف السابق ذكره للواقع اللبناني الكارثي يدل على أن الموظف المسؤول اللبناني يعتبر مريضاً إن لم نقل مجرماً ويتجلى ذلك بالخصائص التالية:

١- انفصام إرادي في الشخصية مما يجعله يعلن عكس ما يضمر وهذا ما يبدو واضحاً عند اي ظهور اعلامي Hawthorne effect فيلجأ الى تلميع صورته بشكل كبير مطلقاً شعارات لا يؤمن بها ويعطي وعوداً لا ينفذها وذلك بهدف الحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأتباع من أجل ضمان بقائه في السلطة، اضافة الى تشويه صورة الفريق السياسي الآخر.

هذا السلوك شديد الوضوح في الوضع اللبناني، اذ نجد ان الاعلام يفسح في المجال أمام الإطلالات المتكررة للسياسيين، ويستغلونها للتأثير على عقول أتباعهم من خلال بث الأكاذيب وخلق الآمال الوهمية، وإلقاء اللوم على الآخرين في فشل منظومة الحكم الذين هم يشكلون جزءً منها.

 

٢- غياب التعاطف مع المواطنين واعتبار المسؤول نفسه في مصاف الالهة، ما يجعل نظامنا اللبناني أشبه بالنظام الثيوقراطي اي الحكم الالهي وهو نظام حكم قديم يعطي السيادة لله فقط، حيث ان الحاكم يعتبر ذو طبيعة الهية يمارس سيادته على اتباعه الخاضعين له، فيقدسونه ويعبدونه وينفذون أوامره من دون أي اعتراض وبشكل أعمى، يستمد الحاكم سلطته من الله فيعطي لنفسه الحق بالتصرف بمنطق الطاغية القوي من دون حسيب أو رقيب فيعرض حياة المواطنين وأمنهم وسلامتهم للخطر، من جراء الاهمال وسوء الادارة ام فقدان الضمير الحي وغياب أي شعور بالواجب والمسؤولية الأخلاقية.

٣- غياب النضج والوعي العام اللذين من المفترض أن يحركا الإنسان انطلاقاً من الوحدة مع كل مكونات الوجود، كفلسفة ومفهوم للحياة ككل. بينما نرى ان السائد وللأسف هي النظرة المريضة المتحكمة بالعقول اللامسؤولة القائمة على التفرقة والفصل بين عناصر الحياة، فتسود منظومة ما يعرف بالعامية “من بعد حماري ما ينبت حشيش” فيخسر الجميع. كل ذلك يؤدي الى خلل داخل هيكل الوطن، إذ يسود الفساد وتتزعزع أركان الدولة، ويغيب التوزيع العادل للحقوق والثروات فيزداد المواطن فقراً بينما تزداد الطبقة الحاكمة والمقربين منها غنىً، عندها تغيب العدالة الاجتماعية ويفقد الفرد رفاهية العيش بكرامة وبحبوحة.

وبالعودة الى دويلة الميم ميم نجد أن الواقع اللبناني اليوم يعاني من تحول على صعيد بنية الدولة، فتحولت الدولة اليوم إلى دويلة محكومة بسلاح غير شرعي، تغطي نفقاتها من خلال ممارسة الجريمة المنظمة، فتعمد الى تحصيل الاموال من خلال أعمال غير قانونية يعاقب عليها قانون الداخل والقوانين الدولية كالاتجار بالبشر والسلاح والمخدرات وتبييض الأموال وغيرها.

ان مفهوم الدولة أصبح غائبا، فهي لا تقوم ولا يمكن أن يكون لها سيادة في ظل وجود الدويلة لأنهما نقيضين على مستوى الوجود والنمو والاستمرار، فان ضعفت الدولة قويت الدويلة وبالعكس، وان الاستمرار في تفعيل نهج الدويلة سيؤدي حتماً إلى انهيار الدولة فتتحول الى دولة فاشلة في نهاية المطاف.

إذا ما نظرنا الى الداخل اللبناني نجد أنه ومنذ بداية الحرب اللبنانية تصدعت الدولة فغاب النظام الأوحد المطبق على الجميع من خلال وحدة المعايير وسادت سلطة الأحزاب والدويلات لتعبئة الفراغ فانقسمت الدولة الى مناطق محكومة من ميليشيات من دون أي هوية وطنية فتكونت الزعامات الحزبية واستعبد الشعب من حيث لا يدري وأصبح كل شيء خارج عن القانون مسموحاً، وأصبح الولاء والإخلاص للزعيم وليس للوطن، فاستخدم الزعماء منطق فرق تسد، فحكموا بذلك اتباعهم الى الابد.

واذا ما اردنا تحليل الدويلة الاقوى على الأرض اليوم من مختلف أبعادها الدينية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، نرى انه ومن اجل بقائها تستخدم جميع الوسائل المتاحة وغير المتاحة، المشروعة منها وغير المشروعة من الداخل والخارج على حد سواء، فهذه الدويلة صنعت لنفسها اكتفاء ذاتياً باستخدامها معادلة المافيا والميليشيا، فقوضت مفهوم الدولة مقوية بذلك مفهوم الدويلة، وهذا نابع من غياب الوعي والشعور بالمسؤولية والانتماء للوطن.

غياب الوعي يؤدي بالجميع الى الهلاك ولو كانوا ما يزالون على قيد الحياة الجسدية حتى اشعار اخر، فمن له اذنان فليسمع، ومن له عينان فليقرأ، ومن له دماغ ووعي للقيام بالتطوير الذاتي فليكن مسؤولاً قبل فوات الاوان سواءً كان مواطناً او موظفاً مسؤولاً.

قبل أن يفقد الشباب الصاعد إيمانهم بالوطن وتضحي الوطنية مجرد أكذوبة ويرفض المواطن فكرة الدفاع عّن الوطن عند الضرورة، حيث أن وطناً لا تتوفر فيه مقومات الحياة لا يستحق عناء الدفاع عنه، ولا يستحق ان يخسر الشباب حياتهم ويتشرد أطفالهم وتُترك زوجاتهم لمواجهة مصيرهن، لأنه عند انتهاء الدفاع فقط السياسيين هم من سيقتسم الغنائم بينما يرقد من حمى الوطن بصدره شهيداً تحت التراب، فيخطف الموت من تليق له الحياة على يد من يستحق الموت.

ختاماً فليع الجميع مسؤولياته قبل أن يتحول الوطن الى مقبرة المواطن ومدفن أحلامه، قبل أن يتحول المال العام الى حسابات خاصة. على السياسيين ان يعوا أنهم ليسوا إلا مواطنين في دولة، موظفين لدى المكلفين مؤتمنين على المال العام لفترة زمنية محدودة، ومسؤولين عن حماية كل مواطن وعن المحافظة على حقوقه، وهذا الامر يجعلني استذكر مفهوم ITC المعني بتطور الشعوب في العلوم الاجتماعية من مستوى IDIOT الذي يعمل لذاته فقط، إلى مستوى TRIBAL اي الذي يعمل لقبيلته، وصولاً الىCITIZEN أي المواطن الذي يعمل لكامل وطنه.

فهل سنصل يوماً الى ادراك مفهوم المواطنة، فنختار وننتخب بشكل واعٍ مسؤولين لا ولاء او انتماء لهم الا لوطنهم؟ حمى الله لبنان من جهل وقلة وعي مسؤوليه اللامسؤولين، سواء كانوا مرضى أم مجرمين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل