الحرامي والمسطول

 

في بداية السنة الجديدة، ومع التمنيات بأن تكون أفضل من سابقاتها، لا بدّ من وضع الإصبع على الجرح في سبيل توصيفه ومداواته ليشفي من علته المتجذرة والموروثة على مدى الأجيال.

جاء في كتاب المواكب لجبران خليل جبران الذي كتبه منذ أكثر من 100 سنة، الأبيات التالية:

والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا، بهِ ويستضحكُ الأموات لو نظروا

فالسجنُ والموتُ للجانين إن صغروا، والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبروا

فسارقُ الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ، وسارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطر

وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ، وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ

هذا الوصف الذي أبدع جبران في إسقاطه على الحال التي كان يُعايشها في ذاك الزمن، تنطبق بشكل كامل ودقيق على حالنا في هذه الأيام البائسة التي تبدو وكأنها استمرار مترابط لحالة الذلّ والتعتير التي لم يستطع هذا الوطن أن يخرج منها كما فعلت باقي دول العالم المتحضر التي كانت رازحة تحت نير القهر والظلم والاستبداد وشريعة الغاب.

فلا يزال العدل مضحكاً مبكياً ومفقوداً في معظم الأحيان، وصغار الجناة واللصوص والقتلة يملؤون السجون، بينما كبارهم يملؤون القصور ويتربعون على العروش، وهم البواسل الأبطال المنقذين المظفرين.

إذا عدنا الى القرن السابع عشر وتحديداً الى الكاتب العظيم François-Marie Arouet الذي اشتهر باسم Voltaire، والذي أبدع في توصيف حالة بلاده آنذاك، يقول إن السياسة هي وسيلة لرجال بدون مبدأ، لقيادة رجال بلا ذاكرة.

يُوَصّف فولتير الداء المأساوي الذي كان ينخر بلاده بشكل واضح ومؤلم كالتالي:

هناك فئتان من اللصوص، اللص العادي واللص السياسي.

اللص العادي هو الذي يسرق نقودك ومحفظتك ومظلتك… الخ

أما اللص السياسي فهو الذي يسرق مستقبلك وأحلامك وراتبك وتعليمك وصحتك وقوتك وابتسامتك… الخ

الفرق بين اللص العادي واللص السياسي هو أن الأول يختارك ليسرق ما تطاوله يديه من ممتلكاتك، أما الثاني فأنت الذي تختاره وتأتي به ليسرقك.

الفرق الثاني هو أن اللص العادي ملاحق من الشرطة، بينما اللص الثاني تستميت الشرطة في حمايته.

الفرق بين الأمس واليوم، أن فرنسا التي وصف فولتير حالتها المزرية قبل 300 سنة، أصبحت دولة رائدة ونموذج في التطور والديمقراطية واحترام الإنسان وتطبيق القوانين العصرية العادلة والمنصفة.

أما حالة لبنان جبران التي أجبرته على الهجرة الى أميركا، نراه اليوم لا يزال هو هو، لا بل أسوأ بكثير، مع أن الفرصة سنحت مرّات عدّة بالإتيان بطبقة حكام نزيهة وشفافة، لأن الشعب الغاشي والماشي لا يزال يأبى أن يخرج من قوقعته الغرائزية والمذهبية التنفيعية المصلحية الضيقة الصغيرة التافهة، وبالتالي ليس قادراً بعد أن يتخطى غرائزه المتشعبة ويختار النزيهين القادرين على التغيير بدل الذين أثبتوا فشلهم بالدليل القاطع وأنهم من أسوأ وأوقح المسؤولين الذين عرفهم لبنان وربما العالم.

أيها الشعب الغارق في سباته العميق، اصح وانتفض على تفكرك وغرائزك، أو أصمت صمت القبور ودع هذه الطغمة تمعن في إذلالك وقهرك ونهبك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل