الأباتي بطرس قزي… نسخة من الإنجيل فُقدت – 1

كتب الأب جوزف قزي في “المسيرة” – العدد 1712

 

إشتغل الأباتي بطرس قزي في إنجيل الرب، فاشتغله الرب حتى صيّره إنجيلاً يشهد له في حياته كلها. لقد عمل في الإنجيل منذ أن أدرك، فوعاه، وعشقه، ثم عاشه وعلّمه، ونقله بمساعدة رفقاء له من الأصل الى لسان عربي مبين، ثم شرحه، وعلّق حواشيه، وقدّمه، وبوّب مواضيعه، وأخرجه بحلّة ترضيه. وكان قبل هذا كله، شهد له بأخلاقه وأفكاره وتصرفاته. وتعلّق به كخشبة خلاص وحيدة، حياتَه كلها حتى ساعة فراقه، وذلك بعد ظهر نهار الخميس الواقع في 13/9/1990، عشية عيد إرتفاع الصليب المقدس.

لقد كان الأباتي بطرس قزي يعيش الإنجيل في كل لحظات عمره، يردده في ليله ونهاره، في وعيه ولاوعيه، في صحته ومرضه، في فرحه وحزنه، في سرّه وعلنه… سافر من أجله، وتخصّص به، ولم يفكر إلا في إطاره، وفي كل ما له به صلة… كله كان للإنجيل ولرب الإنجيل، حتى أصبح هو نفسه إنجيلاً يقرأه الجميع، بل نُسخة من الإنجيل مفتوحة للجميع.

في أي شيء ـ وفي ساعة الحقيقة يُقال كل شيء ـ في أي شيء لم يكن الأباتي بطرس قزي إنجيلاً مفتوحّا للجميع؟ أفي حياته الخاصة؟ أم في حياته الرهبانية؟ أم في حياته الإجتماعية؟ أم في أعماله الإدارية؟ أم في مواقفه السياسية؟ أم في فكره اللاهوتي؟ أم في آلامه التي لا يتحمّلها إنسان عادي؟… في هذه كلها عرفته، ورافقته، وأحببته، واحترمته، وأخذت عنه طيلة إثنتين وثلاثين عاما، ولكني بقيت دونه في كل شيء.

أولاً: حياته الخاصة

حياته الخاصة الخفية عن أعين الناس، كان ينبئ عنها وجه منير، ومسحة براءة قلّ نظيرها. لقد كان قريبًا جدًا من كل إنسان: لسانه دافئ، صوته هادئ، حديثه صادق، كلامه صريح، ألفاظه مهذبة. لقد عشقه كل من عرفه بما كان له من الأخلاق العالية. يتمتع بصفاء نيّة، بإيمان عميق، بمحبة شاملة، بتواضع سحيق، بعفة جذبت إليه الذين عرفوه فأحبوه ملاكاً في جسد ترابي.

عرفته ـ وقليلون جدًا الذين حظوا بما عرفت ـ عرفته ينهض باكرًا للتأمل وقراءة كتب الآباء الروحانيين، ثم للصلاة والقداس. وعرفته في ساعات العمل حاضرًا منكبًّا مستمرًا خادمًا. وعرفته في السهرات الديرية العائلية الحميمة: إن حضر كان عنده الملتقى، ومعه المحادثة، وإن غاب يُفتقد. عرفته، وبنوع خاص جدًا، في ساعات المشي اليومي، تارة عند شاطئ البحر، وطورًا في وادي نهر الكلب، وفي منطقة أدما والصفرا، وفي أحراش غوسطا ودرعون، وفي نواحي إغبه ورعشين، وفي ميروبا وحراجل وفاريا وعيون السيمان وفقرا، وفي القليعات حيث كان يتفقد عائلة بنت أخته مرسال زوجة سامي القزي، القريبة من قبله.

على هذه الطرقات النائية، وفي هذه الأوقات السعيدة، كنا نمشي معًا، نتساير، نتبادل الأفكار، ونتلاقى على هموم ومعاناة مشتركة لا حصر لها. كنا نفكر معًا بسرّ الحياة والموت والألم والقيامة والخلاص. نفكر بأمور إنسانية إجتماعية وطنية سياسية، نتحاور في الأديان وأسرار الكون… كل شيء كان يمرّ في أحاديثنا. وقد حظيت منه بغنى لا أظن أحدًا مثلي ناله. وبهذا فخري على الجميع. وفخري العظيم أنه اليوم والى الأبد يرقد على مسافة ثلاثين مترًا مني أحيّيه صبحًا ومساء.

كان شفافاً جدًا، الى درجة أنك تدخل الى عمقه من بدء الحديث معه، أو من أول نظرة إليه. تحدثه فيسمعك، ولا يتشتّت عن سماعك مهما كان نوع حديثك معه. لا يؤذي بكلمة، ولا بنظرة. لا يعاند فكرة وإن لم تعجبه. يحترم حريتك كما يحترم الإنسان صورة المسيح المفتداة فيك. ينساق معك بحديثك فيشاركك بالسؤال والجواب كأنه معني مثلك بالأمر الذي تحدثه عنه. يصمت فترتاح لصمته. يتكلم فتُسرّ بما يعطيك من روحه. جذاب بحضوره معك، بنظراته إليك، بروحه الطيّعة، بكلامه المتزن، بتهذيبه الخارق، بإبداعه في كل ما يعطي… كم من الجمعيات والمؤسسات كانت تتسابق لتسمع محاضراته وعظاته وإرشاداته (…)

من المألوف عند البشر أن صديق الكل لا يكون صديق أحد. الأباتي بطرس قزي كان في ذلك خارج المألوف. لقد صادقه كل من عرفه. هو، في عمقه الإنجيلي، صديق كل الناس بالإطلاق: الكبار والصغار، الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، الأبرياء والأشرار، الخطأة والقديسين، الفقراء وأصحاب الأعمال والأموال… كل واحد كان يشعر بأنه له في قلبه مكاناً مميّزًا خاصًا به. وكل واحد كان يشعر بأنه دخل مباشرة في عالم الأباتي وهمومه اليومية. وكان يشعر وكأن الأباتي ينتظره منذ زمن، وهو له، ليستفيد منه، ويسمع كلامه، ويستوعب مشاكله وهمومه. إنه، في هذا الشأن، وحيد بين من عرفت.

وحيد أجل! فالذين كانوا يتصلون به أو عرفوه، ولو بطريقة عابرة، إعتبروه صديقاً. والذين التقوه إبان الحرب اللبنانية المستمرة، رأوا فيه ذاك الشخص الذي باستطاعته أن يجمع المتقاتلين والمتخاصمين من كل الأطراف. كلهم رأوا فيه إنساناً منفتحًا، متفهمًا، محبًا، ليس من طينة أهل هذا العالم المخادعين. وكنت، في هذا الشأن، أردد قولي: لو عزم الأباتي على إيقاف الحرب في لبنان لاستطاع. لو حظي الأباتي بمساندة من المجتمع الذي ينتمي إليه لكان عزم، ولكان تغيّر مجرى الحرب في لبنان.

وأشهد للحق أخيرًا، أنا الذي عرفت الأباتي في عمق حياته الخاصة الحرة البعيدة عن كل رقابة وبروتوكولات المجتمع، بأني لم أسمعه يتفوّه بلفظة واحدة غير لائقة، ولم أره مرّة واقفاً أمام مشهد أو صورة مخزية، ولم يترك مجالاً لي أو لأي إنسان يكلمه أو يحدثه أو يتفوّه بحضوره حديثاً من طينة أحاديث أهل هذا الدهر. هذه الناحية لم يعشها الأباتي سلبًا، كرهًا أو عجزًا، بل عاشها من أجل أنه كان كله للروح الذي كان يملأ كيانه. حياته كلها كانت مشدودة الى الرب، مأخوذة به، لا يرى معنى لها إلا فيه ومن أجله. نقول: كان قديسًا رجلاً روحانيًا. وهو والحق كذلك.

ثانيًا: حياته الرهبانية

أما الحياة الرهبانية عند الأباتي قزي فتتميّز باقتناع والتزام تامين ومستمرين. تسع وأربعون سنة في الرهبانية (1941 ـ 1990) عاشها وكأنه هو لها وهي له. منذ صباه، في الثالثة عشرة من عمره، رأى شقيقه لويس يسبقه الى الرهبانية، فراودته حينها فكرة الإلتحاق به. فدخل دير سيدة النصر في نسبيه غوسطا طالبًا سنة 1941، ثم مبتدئاً في 26/4/1942، ثم نذر في الدير نفسه نذره الأول في 8/6/1944.

من هذا الدير إنطلقت رحلته الرهبانية الطويلة، وإليه عاد بعد جهاد الحياة، متاجرًا «بالبَدَرَات العشر»، مثقلاً بـ»المئة»، عاثرًا على «الكنز الدفين»، عاملاً في كرم الرب. عاد، بعد أن أنحله الألم، محمولاً على الأكتاف، مكللاً بالزهور، مصحوبًا بالصلوات والدعاءات، محاطاً بمرافقي الحَمَل، يرقد تحت كنف تلك التي أحبّ. لقد حمّلنا، نحن جمهور هذا الدير، مسؤولية حراسة قبره المشع، ويتولى هو أيضًا، في مثواه، السهر على الدير ورهبانه من آباء وإخوة دارسين، أحبّهم وأحبّهم محبّته لرهبانيته وللكنيسة (…)

مع أبحاثه المتواصلة في الإنجيل، إنكب الأباتي على البحث في الأمور الرهبانية. كتب في قيمها الروحية ونشر. وكتب في تاريخها وعلّم. وكتب في روحانيتها فكان فيها موّجهًا ومرشدًا وواعظاً. علّم مادة التاريخ الرهباني الشرقي في كلية اللاهوت الحبرية وفي المعهد الليتورجي كمادة رآه أساسية في التزام الإيمان. وهل من نتيجة للعلوم اللاهوتية كلها غير هذا الإلتزام.

همّ الأباتي الأكبر في رئاسته العامة (1968 ـ 1974) أن يكون إخوته على إقتناع تام بحياتهم الرهبانية. وظهر همّه هذا في رسائله العامة إليهم وقد كانت نهجًا جديدًا في تاريخ الرهبانية. رسائل تدل على عمق في روحانية كاتبها ـ وهو نفسه كان يكتبها ـ قلّ نظيره في عالمنا. وظهر همّه أيضًا في خلاصات زياراته القانونية السنوية للرهبان حيث هم، في أديارهم ومراكزهم، وفي كلماته في دورات المجمع العام الخاص في تجديد القوانين والرسوم. هذا المجمع الذي أولاه همّه وعنايته وسهره الطويل.

وقد تبقى معرفتنا لحقيقة الأباتي ناقصة إن لم نقف قليلاً على بعض أفكاره الرائدة في مفهوم الحياة الروحية والرهبانية. ونقتطف منه عيّنات من مواضيع مختلفة:

لقد كان يعي الأباتي بأن الرهبانية هي «أمام تحديات كثيرة: تحدٍ من العالم وتطوّره السريع، وتحدٍ من الكنيسة ونموّها اللاهوتي الكبري، وتحدٍ من داخل الرهبانية ذاتها، بسبب ثقل الزمن البعيد ووطأة التقاليد اللاواعية». وكان يعي أيضًا أن الرهبانية في أزمة، ولا مجال للخلاص إلا بوعينا».

وقبل سنتين من نهاية ولايته العامة شعر بأن «إحتضار القيم الرهبانية وأطرها في حياتنا، ظاهرة مخيفة، تلقي على عاتق كل منا مسؤولية ديمومة الحياة الرهبانية» (رسالة عامة في 9/1/1972، ص 3).

وقد يكون سبب هذا «الإحتضار»، على ما قال «صراع عنيف يجتاح العالم والكنيسة والرهبانيات لم يتركنا خارجًا عن نطاقه.. سيتغلّب علينا إذا نحن تجاهلناه، وسنتخطاه نحو مستقبل أفضل إذا كانت لنا مرونة وحيوية هما العنصر الأساسي لكل تقدّم» (إفتتاح الدورة الرابعة في 25/7/1972، ص 418).

لقد عالج الأباتي، في الحقيقة، أزمات الرهبانية هذه، بكل ما أوتي من مرونة وحيوية، بكل فكره وقلبه، مضحيًا بحياته ووقته، عاملاً ليل نهار، مهتمًا بكل فرد من أفراد الرهبانية، بكل دير ومركز، بالأرزاق والممتلكات، بعلاقات الرهبانية بالكنيسة وبالعالم.. لقد كتب بعمق عن قيم رهبانية كثيرة، فترك لنا بما كتب تراثاً.

بالرغم من كل شيء، لم يكن الأباتي متشائمًا الى هذا الحد. فهو كان يرى عمل الروح ينساب خفيًا، ويتوقع للرهبانية «ربيعًا لا أجمل ولا أبهى» (…)

إنطلاقاً من هذه المبادئ واعتمادًا عليها، نزل الأباتي الى الواقع الأليم ليعالجه، وليرى مكاناً لهذه المبادئ، فرأى أن الإطار الأكيد لكل حياة رهبانية ناجحة هو «الدير». في رأيه، وكم كان واضحًا، أن الدير هو النواة الأولى للحياة الرهبانية. نحن لم نترهّب في رهبانية شاسعة تتكوّن من مؤسسات وإدارات وأشخاص متنوّعي الهوية والنزعات، بل نترهّب في دير معيّن، في جمهور ثابت، في حياة مستقرة، في هدوء، في مناخ، في جو يخلقه كل منا لذاته.

عندما يستقرّ الراهب في ديره، ولا تعود السلطات العامة تتجاذبه لتسدّ به فراغات هنا وهناك، عندئذ تستطيع أن تطلب من الراهب عملاً رهبانيًا مفيدًا، وتحاسبه على الحياة المشتركة، وعلى المحبة المتبادلة، وعلى ممارسة الفقر، وعلى جو الصلاة والصمت والهدوء…

كل راهب مسؤول عن قداسة ديره. إذا ما تقدّس هو تقدّس ديره وتقدّست الرهبانية: «إن الجو الديري خليقة كل فرد من أفراد الجمهور: إذا تقدّس الفرد إزداد الدير قداسة، وإذا توانى في واجباته فَقَدَ الدير بمجمله من روحانيته. فروحانية الرهبانية منوطة بروحانية الأفراد. إذا ازدهرت هذه إزدهرت تلك بالوقت نفسه» (رسالة عامة في 1/1/1969، ص 20 ـ 21) (…)

لم يكن التقشّف الرهباني تشبّهًا بموت المسيح فحسب، بل هو، في نظر الأباتي، علامة اتزان إنساني للراهب. هذا ما رآه في حياة أنطونيوس: «ممارسة هذا التقشّف وهبت أنطونيوس، من خلال سيطرته على ذاته، إتزاناً إنسانيًا فائقاً، وسلامًا باطنيًا عميقاً، يميّزان روحانيته الخاصة، ويُعتبران من أهم عناصر الإختبار الرهباني على ممر العصور» (المرجع نفسه، ص 6).

وكم كان يزعجه، عند إخوته الرهبان، إدخالهم روح العالم الى الدير. وروح العالم عنده يعني الضجيج والصخب والثرثرة والسطحية والغرور والكثافة والمنفعة والأنانية والإنغلاق على عمل الروح، وما أشبه. وتساءل: «أفلا نتغازل بعض الأحيان مع روح العالم على حساب روح الدعوة؟!» (رسالة عامة في 12/10/1970، ص 6) (…)

من الدير تنطلق الرسالة إذاً. من إختبار البرية نطلّ الى العالم. بدءًا بقداسة النفس نعمل على تقديس الآخرين. إنطلاقاً من الدير نخدم الرعية، نقوم بأعمال الرسالة. غير ذلك ضلال تام في مفهوم الحياة الرهبانية. وبهذا فقط تكون الرسالة عنصرًا مكوّناً للحياة الرهبانية.

إنطلاقاً من هذا المفهوم الرهباني الصرف للرسالة، ندرك معنى قول الأباتي بأن «الرسالة عنصر مكوّن للسيرة الرهبانية» (إفتتاح الدورة الثانية في 30/6/1970، ص 176)، وبأنه «على الراهب خاصة أن يكون رسولاً. عليه إذن أن يبشر بالمسيح بوجوده وجميع تصرفاته» (رسالة عامة في 1/1/1979، ص 17، أنظر أيضًا: «أوراق رهبانية»، عدد 29، ص 17 ـ 18).

مع هذه الصفة الرسولية للراهب، بالمعنى الذي يريده الأباتي، أي إنطلاقاً من الدير، تظهر ميزة أخرى تبدو، في ظاهرها، على تناقض معها، فيما الحقيقة هي أيضًا صفة رسولية أخرى: إنها «المحبسة». في عمق الأباتي حنين إليها. كلامه على البريّة يعنيها. الصمت والسكينة يقصدانها. الحياة الديرية توجّه إليها. التأمل العميق في آلام المسيح وموته وعيش هذه الآلام وهذا الموت من مميّزات الحياة في المحبسة. لقد عاش الأباتي هذه المحبسة بهذه المعاني

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل