وين كنت لما كنا يا حسن نصرالله؟

حجم الخط

تصمت السلطة اللبنانية وصمتها فاقع كالقبور. ويصرخ سمير جعجع وصوته يدوي في ارجاء وطن يكاد ينسى انه وطن، انه ارض من شعب وتاريخ ونضال وجذور ضاربة في الامس والغد وكل الايام. تصمت السلطة اللبنانية حين تُزرع صور غريب متهم بالإرهاب العالمي، فوق دروبنا وعلى عيوننا الغاضبة، وعلى طول طريق المطار قبلة لبنان الى العالم، وحين توضع تماثيل هجينة وتُعلن الوهيتها فوق ارض القديسين والشهداء والابطال، وتصمت الدولة صمت القبور حين يطلع رجل ايران الاول في لبنان، ويعلن بالفم الملآن، وبتحدٍ لا سابق له، بأن قاسم سليماني اله “بطل” من ابطال لبنان ومن ابطال التحرير ومن “شهدائه”، وهو من ساعد لبنان ولبنان بفضله صار بلدا “حرا” مستقلا”، ومن لا يعجبه الكلام فليصمت! وتصمت الدولة، حين يعلن رئيس حزب مباشرة على الهواء بانه الامر الناهي في سلطة الفاسدين والعميان والطرشان ووحده سمير جعجع يتصدى.

لم يجب احد من تلك الدولة الفاسدة المتلطية بظلال الموت والعهر والقبح، على كلام نصرالله. لم يتجرأ احد من تلك السلطة العميلة المتحالفة معه بكل ما يسمى من “رجالاتها”، وهم ليسوا برجال بل عملاء متواطئين حتى العظام مع سلطة الاحتلال تلك، تركوه يتكلم، بلعوا السنتهم وتركوا له الساحات والشاشات والمنابر، وحده سمير جعجع، وحده الرجل الذي يجابه جبهة مخارز، يقف في وجه سلطة بأمها وابيها، يحارب في البرلمان كما حارب سابقا في الحكومة، يحارب في القوانين والمواقف، يحارب في الشارع في المنابر، يتصدى لكل خطاب مسيء لكرامة لبنان، يضع النقاط على حروفها، وان كانت الحروف في لبنان صارت منحرفة عن ابجديتها بعدما تحولت هي نفسها الى سطور ترسم الذل والدجل على صفحات الوطن.

يقف سمير جعجع كرئيس اكبر حزب مسيحي، كأكثر رجل تعرّض ويتعرض لهجومات، اقل ما يقال فيها قاتلة مدمرة، ولا يبالي، يتسلّح بالحق والحقيقة، بالناس الاحرار، مناضلون رفاق وسياسيون حلفاء، يساندونه ويقفون معه في ذاك النضال المضني الصعب ولا نقول المستحيل، اذ لا يعترف الحكيم بهذه الكلمة، بل يصلّب يده على وطنه وينطلق في المواجهة بحسب ما تقتضي المرحلة.

يقف سمير جعجع ويعلن الحقائق كما هي من دون مواربة او تجميل او تزلّف، اذ لا يستطيع من امتهن الصدق على مدار الاعوام الطويلة، ان يخدع ناسه، ان يقول لهم غير ما تريده الحقيقة ان يفعل، لذلك تخطى برده على حسن نصرالله هذه المرة كل حواجز الشكليات وما شابه، تصدى له بالحقيقة، وليس اقسى من الحقيقة الناصعة حين نملكها، ونحن لا نملك اساسا سواها. نملك نضالنا، مقاومتنا، شهداءنا، مناضلينا الاحياء، شرفاءنا، واهم الاهم، بفضل كل ذلك ما زلنا ورغم كل السواد المتربص بنا، ما زلنا نملك ارضنا ونناضل باللحم الحي لنحافظ عليها. هذا ما فعله ويفعله سمير جعجع حين تشتد الويلات على ابواب الوطن، يصرخ “ايدكن عن لبنان”، ايدكن عن لبنان يا سفهاء، يا من حولتم لبنان الى وكر الفساد والفشل والسرقات والانهيارات.

رد جعجع على نصرالله جاء كما يليق بالكلام الوقح الذي نطق به الاخير بحق لبنان. ولعلها من اقوى الردود على الاطلاق، اذ وقف عند كل نقطة كفر بها نصرالله في خطابه الاخير، وفنّد له بالملعقة ما معنى ان يكون الانسان لبنانيا صميما، وما معنى المقاومة الحقيقية ومن هي تلك المقاومة وما فعلته لأجل لبنان حين كان نصرالله يساند الاحتلال السوري ضد لبنان.

سأل الحكيم أين كان نصرالله في حصار المئة يوم للأشرفية القريبة من الضاحية حيث تعرضت للقصف السوري العنيف والمتواصل العام ١٩٧٨؟ سأله اين كان حين كانت تقصف زحلة وقنات وعين الرمانة بحمم السوريين؟ وأين كان عندما حاصر الجيش السوري طرابلس وأمطرها بوابل من الصواريخ والمدفعية والدبابات، وارتكب بحقها أشنع المجازر والفظائع؟! واجاب الحكيم بنفسه عمن يبتلع الحقائق ويحوّرها الى حيث يستفيد العدو، “الجواب ببساطة أن السيد حسن كان إلى جانب من يقصف الشعب اللبناني، ومتحالفاً مع من كان يدمر المدن والقرى اللبنانية، إلا في حال يعتبر أن هذه المناطق غير لبنانية، وهو غير معني سوى بتلك التي يعتبرها مناطقه”، ونقطة على السطر.

لم يتوقف الحكيم عند هذا الحدّ، بل سأل من يدّعي المقاومة لاجل حماية لبنان ويختصر الشرفاء بمقاومته، “بالله عليك يا سيد حسن، نحن لا نريد منك أن تحافظ على لبنان ولا أن تحمي حقوقه. جل ما نريده منك هو عدم التعدي على لبنان واللبنانيين، إذ لم يسبق أن انتهكت سيادة لبنان كما هي منتهكة اليوم، ولم يسبق أن ذُل الشعب اللبناني كما هو مذلول اليوم، ولم يسبق أن شهد البلد انهياراً كما هي الحال اليوم، ولم يسبق أن خسر لبنان صداقاته العربية والغربية كما هو حاصل اليوم، ولم يسبق أن تحول جواز سفر اللبناني إلى مهزلة على غرار ما هو عليه اليوم، وذلك كله بسبب مقاومتك”!!

كل النقاط على الحروف توضع هنا، اذ لم يسبق ان توجّه سياسي لبناني، مقاتل سابق بالبندقية والمدفع، سجين سابق لأنه رفض التخلي عن نضاله لأجل وطنه، سياسي حالي مقاوم مناضل فعلي شريف لأجل استرجاع الوطن من انياب الفاسدين واللصوص والمحتلين، الى صاحب اكبر الترسانات العسكرية على الاطلاق، الذي يتحكّم بمفاصل السياسة في لبنان، لمجرد انه مسلح ومدعوم من خارج الحدود.

كلام جعجع بدا وكأنه يضع حجر الزاوية لانطلاق مرحلة جديدة من المقاومة في وجه سلطة الاحتلال، حاول ان يذكّر تلك السلطة بان لبنان بلد لا ينتهي حتى لو كان في اسوا اسوا ايامه “أرأيت يا سيد حسن بأنّك خارج الواقع تماماً، لأنّ لبنان اليوم في أتعس أيامه وأضعف أوضاعه على مر تاريخه. يظهر أنك نسيت تاريخ لبنان الضاربة جذوره في الأعماق، فأنت لم تقرأ بالتأكيد عن فينيقيا وقرطاجة التي نقلت الحضارة إلى البرابرة، والارز المذكور في الكتاب المقدّس أكثر من 72 مرّة، وبعلبك التي حملت مجد روما وبيزنطيا. فليرسل لك أهالي بعلبك الفسيفساء التي وجدوها مؤخراً لعلّك تستذكر قليلاً تاريخ لبنان، وتتأكد من وجوده الراسخ في التاريخ قبل حزب الله، وطبعاً المستمر بعده”. اي كلام اقوى بعد يقال في وجه من يعتبر انه انجز مهمة الامساك بمفاصل لبنان كافة؟

وفي الختام لم يشأ الحكيم ان يترك نصرالله هيك بشأنه، من دون ان يذكّره بما يجب ان يتذكره وان يضعه نصب قلبه وعينيه، “تذكّر يا سيد حسن أن هناك أكثرية من اللبنانيين تعتبر أن ما يقوم به حزب الله هو الذي أوصلها إلى ما وصلت إليه اليوم. وإذا كنت تريد الوقوف على خاطر الشعب اللبناني فاتركه وشأنه يبني حاضره ومستقبله كما بناه في الماضي وقبل حروب المقاومات غير اللبنانية، حيث كان بالفعل وعن حق سويسرا الشرق ومنارته. ماذا وإلا… لبنان وطننا وفيه باقون، والمجد الذي حملناه والذي لا تدرك انت قيمته لن نتخلى عنه مهما طال الزمن”…

انتهى الرد المدوي من حكيم سيد في وطنه، ولا يهم من يدعي السيادة اذ لا تهم الترسانات ولا مباركة الاحتلال لها، ولا كل تلك الصور والتماثيل الهجينة عن ارضنا استرضاء للغريب، ما دام اهل البلاد لا يعترفون بها، وسيقاومونها، سيتصدون لها لان الارض ارضنا، واسياد العالم كله سيندحرون على ابوابنا وهم ليسوا بأسياد، السيد سيد في الوفاء لموطنه، وما عدا ذلك هي العبودية بعينها. هذا باختصار ما قاله حكيم سيد للسيد نصرالله.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل