.jpg)
يتوزّع المشهد السياسي حول أكثر من عنوان صحي وسياسي، وقد اختارت الدائرة الإعلامية في حزب القوت اللبنانية التركيز اليوم على ثلاثة عناوين أساسية:
-أولا، بين الانتخابات النيابية والرئاسية المبكرة
ينقسم الرأي في الآونة الأخيرة بين فريق سياسي يضع الانتخابات الرئاسية كأولوية، وبين فريق سياسي آخر يتصدره حزب القوات اللبنانية يضع الانتخابات النيابية المبكرة كأولوية.
لن نحكم على نيات الفريق الأول الذي يعتبر ان إسقاط الرئيس ميشال عون يؤدي إلى إضعاف حزب الله، ولا يسمح له بانتخاب رئيس من 8 آذار، ومن دون ان يتحدث طبعا عن كيفية إسقاط عون عمليا، إلا ان موقف هذا الفريق يندرج في سياق التقدير السياسي.
وأما حزب القوات فلا يمانع بسقوط الرئيس عون اليوم قبل الغد، ولكنه يعطي الأولوية للانتخابات النيابية المبكرة، لأن الأكثرية النيابية الحالية ستنتخب رئيسا للجمهورية من صفوفها، والهدف من رفض هذه الأكثرية الانتخابات المبكرة وسعيها إلى التمديد التحكُّم بمسار الانتخابات الرئاسية ضمنا، وبالتالي يندرج موقف القوات في سياق الوقائع السياسية، وشتان ما بين التقدير والوقائع.
وطالما ان هدف الفريق الأول من إسقاط عون تحجيم حزب الله، وبما ان هدف القوات رفع يد كل فريق 8 آذار عن السلطة، فلماذا لا تتوحّد الأهداف من أجل تشكيل قوة ضغط وطنية لفرض الانتخابات النيابية المبكرة واستبدال الأكثرية الحالية بأكثرية جديدة تعيد إنتاج كل السلطة؟
هناك من يريد تحويل المواجهة إلى مسيحية-مسيحية بدلا من أن تكون مواجهة وطنية لإسقاط المنظومة القائمة، فيبدّي قضية رئيس الجمهورية متجاهلا معضلة المنظومة وحزب الله تحديدا لثلاثة أسباب:
-لأنه لا يريد مواجهة الحزب.
-لأنه لا يريد استفزاز الحزب بجبهة سيادية.
-لأنه يريد إسقاط عون بعضلات مسيحية وتهريب انتخاب رئيس جديد بالأكثرية الحالية، ونشدد بالأكثرية الحالية..
-ثانيا، توتر على خط التأليف
بدلا من ان يُستأنف التواصل بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف من التصريح الإيجابي والمتفائل بالتأليف الذي أطلقه الرئيس سعد الحريري من القصر الجمهوري عشيّة عيد الميلاد، استُأنف التراشق والسجال بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر على خلفية البيان الذي أصدره الأخير وتهجّم فيه على الرئيس المكلف داعيا إياه الى “العودة من السفر والتوقّف عن إستهلاك الوقت واختلاق العراقيل الداخلية لإخفاء الأسباب الحقيقية وراء تأخير التشكيل”، فجاءه الردّ سريعاً من المكتب الإعلامي للحريري الذي أكّد أنّ الأخير “قام بواجباته وقدّم تشكيلة حكومية”، معتبراً انّ التكتل العوني “آخر من يعطي دروساً في وجوب التوقّف عن التعطيل”.
وما يمكن التوقف عنده في هذا المجال أربعة أمور أساسية:
>الأمر الأول: إنّ رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل تقصّد مهاجمة الحريري وانتقاده، فيما كان باستطاعته، لو أراد، أن يُبقي على التبريد السياسي في مطلع السنة الجديدة، وأن يفسح في المجال أمام الوساطات لتفعل فعلها، ولكنّه تعمّد استفزاز الحريري، وهذا الاستفزاز ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير، والهدف منه دفع الحريري إلى الاعتذار، وفِي أسوأ الأحوال إظهاره أمام الرأي العام بأنّه خضع لشروطه.
>الأمر الثاني: هناك من يعتبر أنّ الاستفزاز المتواصل لباسيل يدلّ أنّ هذا الفريق لا يملك ترف الوقت، ويُمعن في الاستفزاز من أجل تسريع التأليف بشروطه أو دفع الحريري إلى الاعتذار.
>الأمر الثالث يتعلّق بمحطة دخول الرئيس بايدن الى البيت الأبيض، والمقصود ليس وضعه لبنان كأولوية، إنما يفترض بهذا الدخول أن يجمِّد العقوبات الأميركية ويمنح فترة سماح طويلة نسبيًّا إلى حين تكون الإدارة الجديدة قد كوّنت فيها كيفية مقاربة الملف اللبناني، وبالتالي في هذه الفترة بالذات يمكن أن تولد الحكومة.
>الأمر الرابع، أثبت مسار تأليف الحكومة أنّ القوات اللبنانية كانت على حقّ، وما يحصل اليوم من شدّ حبالٍ في التأليف سيكون نسخة طبق الأصل في كلّ جلسة لمجلس الوزراء، فالمكتوب يقرأ من عنوانه، ولا يوجد أي فرصة مع الأكثرية الحاكمة، والمخرج الوحيد من المأزق الوطني والأزمة المالية، هو بفرض انتخابات مبكرة، وخلاف ذلك مزيد من الانزلاق نحو الأسوأ.
-ثالثا، ما سبب توتر الحزب؟
بدا السيد حسن نصرالله في إطلالته الأخيرة متوترًا، والسّبب في ذلك ليس فقط ذكرى قتل قاسم سليماني الذي كان له الدور الأكبر في تمدّد محور الممانعة، إنما مردّ هذا التوتر إلى ثلاثة عوامل أساسية:
>العامل الأول يتعلّق بالتطويق العربي المتواصل لإيران عن طريق التطبيع مع إسرائيل، وأكثر ما تخشاه طهران هو أنّ هذا التطبيع الذي يحصل بالمفرّق متّفق حوله بالجملة، وأنّه ينِمّ عن هندسة متكاملة للمنطقة ضمن استراتيجية ستعيد النفوذ الإيراني إلى داخل إيران، وآخر حلقات التطويق المصالحة السعودية-القطرية.
>العامل الثاني يرتبط بالمؤشرات التي التقطتها طهران حيال الإدارة الأميركية الجديدة والتي ستختلف عن إدارة ترامب بالأسلوب فقط لا الجوهر والمضمون، ما يعني أنّ التّشدُّدَ سيتواصل فصولا، وأنّه على إيران أن تختار قريبًا بين الجلوس على الطاولة بشروط دوليّة وأميركيّة، أو أن تشاهد أوراقها في المنطقة تتساقط الواحدة تلو الأخرى.
>العامل الثالث يتّصل بانهيار الوضع في لبنان ووقوف حزب الله موقف العاجز عن القيام بأي شيء لحماية “ورقة التين” التي ورثها عن نظام الأسد، وأنّه سيكون قريبًا أمام خيار من اثنين:
– إمّا الرضوخ للشروط الدولية لإنقاذ لبنان.
– إما أنّ كل الشعب اللبناني سيحمّله مسؤولية الفوضى والانهيار، كما يحمله اليوم مسؤولية الأزمة المالية.
وهذا ما جعله في إطلالته الأخيرة يتحدث عن أنّ الكون بدأ مع مقاومة حزب الله في موقف ضعف يعكس بدقّة المأزق الذي هو فيه.