أين الأزمة اللبنانيّة؟

يختلف اللبنانيّون اليوم حول حقيقة الأزمة وجوهرها. بعضهم يرى المشكلة في شخص الرئيس. بعضهم الآخر يرى المشكلة في جوهر النّظام، ويسعى إلى ضربه برمّته. لذلك لا بدّ من التوقّف أمام جوهر الأزمة اللبنانيّة، وليس شكلها فحسب. وذلك لأنّ التشخيص الصحيح للأزمة يفضي إلى حلّها، والعكس صحيح؛ أي إذا تمّ تشخيص الأزمة بشكل خاطئ فيأتي الحلّ على حساب هوية الوطن وحياة الناس عامّة.

 

المشكلة ليست في شخص الرّئيس ليتمّ الاكتفاء بإسقاطه فقط. صحيح أنّه يمثّل فريقًا سياسيًّا وازنًا في البلد. لكنّ إسقاطه لا يعني إسقاط هذا الفريق، إذ قد يقوم هذا الأخير بانتخاب شخصيّة غيره لكنّها تحمل المشروع نفسه. وبالتّالي تتفاقم الأزمة، ويتازيد فقر النّاس، وجوعهم، وتسيُّب أمنهم، وحالتهم الاقتصاديّة تسوء أكثر فأكثر. أساس الاشكاليّة تكمن في سيطرة أكثريّة حاكمة سطت على الحكم بقوّة الدّيمقراطيّة بعدما التفّت عليها تعطيلا وترغيبًا وتهديدًا وفي بعض الأحيان تزويرًا في نتائج بعض الدّوائر. وذلك كلّه بفعل فائض القوّة الذي امتلكه حزب الله، مايسترو هذه الأكثريّة، نتيجة لتملّكه السلاح غير الشرعي.

 

إلا أنّ الحقيقة في مكان آخر يختلف كليًّا عن التوصيفات اليوميّة. والاشكاليّة تكمن اليوم بالذي يمتلك القوّة السياسيّة لأنّ السياسة اليوك قد أبطلت مفهوم قوّة السلاح وفائضه الذي استعمل في ذلك السابع من أيّار. أي بمعنى آخر، أن لا سابع من أيّار، وإذا تمّ ذلك سيكون عمليّة انتحار، ولن تحمَد عقباها أبدًا. فما يصلح في العام 2008 لا يصلح إطلاقًا في العام 2021. لذلك كلّه، هذا الاصرار على التمسّك أكثر فأكثر بالمكاسب السياسيّة التي حقّقها هذا الفريق.

 

ومن هذا المنطلق بالذات، نفهم رفضه الجازم لأيّ انتخابات مبكرة. حتّى الانتخابات الفرعيّة لا يجرؤ على الاقدام عليها خشية أن يفقد أكثريّته الهشّة. ما يعني ذلك أنّ هذا الفريق لن يوافق على أيّ انتخابات إلا إذا أعادت إنتاج الأكثريّة نفسها. وفي ظلّ المتغيّرات السياسيّة التي عصفت بلبنان والعالم، لا سيّما بعد عصف الرابع من آب البغيض في مرفأ بيروت، وما نتج عنه؛ بات مقتنعًا بأنّ الأكثريّة ستسقط من يده، وهذا ما يشي بأنّه يضمر، لا بل يحضّر لمشاريع تمديد قادمة في مفاتيح الحكم التي يرفض أن يخسرها.

 

بمعنى آخر، أن لا انتخابات مقبلة، كما سبق وكتبنا في أكثر من مقال. ولن يرضخ لهذا المطلب إطلاقًا حتّى لو استطاع الاحتفاظ بقدرته التمثيليّة، وهو قادر على ذلك، لأنّنا حتّى هذه الساعة لم نشهد أي تبدّل استراتيجي في شارع الثنائي الذي لم يعد حديديًّا صلبًا كذي قبل، لكنّه ما زال يحتفظ بحديديّته التي بدأ صدأ وصدى جوع بيئته الحاضنة يتآكلها. لكن خشيته تكمن في خسارة الأكثريّة في البيئات التي استطاع اختراقها بالترهيب أو بالترغيب. أي أنّ الأصوات السنيّة التي خرجت من التوافق السني السيادي حتمًا لن يستطيع الاستحصال عليها. كذلك بالنّسبة إلى الشارع المسيحي، فالأصوات التي آلت إلى خطّ الرئيس لن تكون كما كانت عليه في انتخابات 2018؛ ناهيك عن طبيعة التحالفات التي ستستجدّ في المرحلة المقبلة. هذا بالطبع من دون إغفال حجم الكتلة الدّرزيّة السياديّة التي ستكون أصلب بعد سلسلة الاختبترات التي خاضتها مع هذه الأكثريّة؛ وناهيك عن إمكانيّة حدوث بعض الخروقات في البيئة الشيعيّة المتحرّرة من سطوة السلاح والتنفيعات.

 

ذلك كلّه سيؤدّي حتمًا إلى انقلاب دستوري ستقوده الأكثريّة السياديّة النّاهضة بفعل ثبات مَن حافَط على قناعاته ومواقفه الصلبة، ولم يبدّل وفق الأهواء السياسيّة والمحاصصاتيّة التي استجدّت بعد انتخابات 2018. فالمشكلة في لبنان إذا ليست مسيحيّة – مسيحيّة، أو مع شخص الرّئيس الحالي بل هي من طبيعة وطنيّة لأنّها تخترق المجموعات الحضاريّة كلّها حتّى تطال جوهر الكيانيّة اللبنانيّة.

 

والحلّ الوحيد في هذه المرحلة سيكون في السياسة وليس في مكان آخر، كما يحاول فريق المايسترو الإيحاء. لبنان ليس من الأولويّات الأميركيّة. ونأمل أن يكون من الأولويّات الخليجيّة لا سيّما بعد قمّة الخليج والمصالحة السعوديّة – القطريّة ليعود ويلعب دوره التاريخي في المنطقة قبل أن تسرقه منه إسرائيل التي تسارع لصداقة العرب قبل لبنان وعلى حسابه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل