الراهب المجهول… 1

كتب المخرج يوسف ي. الخوري في “المسيرة” – العدد 1712

 

مدخل

إستقبلنا «الراهبُ المجهول» أنا والشاعر موريس عوّاد، في 14 كانون الثاني 1993، أيّ قبل يومين من وفاته. كان قد أصبح الرئيس العام للرهبانيّة منذ أربعة أشهر تقريبًا، وكان منهمكًا بتحضير الإحتفال السنوي لعيد مار أنطونيوس الكبير (أب الرهبان). قال لنا بثبات وتصميم: «بعد قدّاس عيد مار أنطونيوس يوم الأحد المقبل، سوف أستغلّ وجود فخامة رئيس الجمهورية معنا على الغداء، لأقول له إنّنا كمسيحيين لن نتخلّى عن دورنا الفاعل في لبنان، وأنّ عليه إتّخاذ جملة إجراءات فورية لردع مَن يحاولون تهميش دورنا». ثمّ أردف قائلًا: «أريد منكما أن تكونا صريحين معي، وتلفتا إنتباهي إلى أيّ إنتهاك ترَوْن أنّه يطال المسيحيين في وجودهم أو حضورهم على السواء، كي أعالج الأمر مع الرئيس، وأنا كلّي ثقة بكما…»

 

عَوْد على بدء

شغل «الراهب المجهول» منصب أمين السرّ العام للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة في عهد قدس الأباتي بطرس قزّي. إنتهى عهد الأباتي قزّي في العام 1974، إلّا أنّ جماعة رهبانيّة رشّحته لولاية جديدة وكان منافسه على مركز الرئيس العام الأب شربل قسيس. وقف الراهب المجهول رأسَ حربة في صفّ الأباتي قزّي خلال الإنتخابات، لكنّ الأخير لم يُحالفه الحظ في المعركة، ليُصبح قسيس الرئيس العام الخامس والخمسين للرهبانيّة. بعيد انتخابه مباشرةً، طلب قسيس من «الراهب المجهول» البقاء في مركزه كأمين للسرّ، وهو الأمر الذي فاجأ الكثيرين، إذ من النادر أن يأتمن مسؤول على أسراره مَن كان حاملَ أسرار خصمه!

 

بين الدير والجبهات

قَبِل «الراهب المجهول» مهمّته ولم يتغيّر شيء من أدائه في أمانة سرّ الرهبانية. ما هي إلّا شهور قليلة حتى اندلعت حربُ العام 1975، واختار تجمّع الرهبانيّات الدائم في لبنان، برئاسة الأباتي قسيس، الوقوف إلى جانب أبنائه المسيحيين في دفاعهم عن لبنان. بطبيعة الحال، إنشغل الأباتي قسيس عن شؤون رهبانيته، لكنّ «الراهب المجهول» ملأ الفراغ بروحٍ مقاوِمة لا تعرف الكلل. كان خلف رئيسه العام في معالجة القضايا الرهبانيّة، وكان أمامه في مؤازرة الناس والمقاتلين في الميادين. أحد الرهبان الذين عايشوا تلك الحقبة يقول عنه: «لم يدع قضية رهبانيّة إلّا وحلّها قبل أن تصل إلى الرئيس العام». أهالي ضيعته، دير جنين، يتذكّرونه كيف حضر مرّتين، بطائرة هليكوبتر تابعة للجيش اللبناني، لإجلاء الجرحى بعد سقوط ضيعتهم على أيدي جيش لبنان العربي والفلسطينيين، ثمّ بعدها، أمّن خروجهم من المنطقة وأمّن لهم السكن في معهد العلوم البحريّة في البترون. أهالي الدامور يتذكّرونه في طليعة المراكب البحريّة التي حضرت لإنقاذ مَن بقي منهم حيًّا بعد المجزرة التي حلّت ببلدتهم. في تلك الليلة، يتذكّره رهبان دير الكسليك وهو يُخرجهم من قلّاياتهم ليُسكن مهجّري الدامور فيها، ولمّا سأله راهب «أين نذهب في هذه الليلة العاصفة؟» أجابه: «ستبقون هنا لخدمة الناس، ومَن يُريد أن يستريح لساعة أو ساعتين، فلينم في سيارات الدير». ولا شكّ أنّ أهالي بلدة القاع يتذكّرون راهبًا حضر بطائرة هليكوبتر، لينسّق خروجًا آمنًا لهم من منطقة الهرمل، بعدما أضحت بلدتهم بحكم الساقطة إثر محاصرتها وعزلها. مقاتلو جبهة السوديكو لا ينسون «الراهب المجهول» وهو يُحضر لهم الأكل والماء إلى الجبهة كل مساء، وما كان يردعه قصفٌ عشوائي ولا جبهات مشتعلة. في حرب المائة يوم، كانت الأشرفية محاصرة وتُدَكّ بالحديد والنار بشكل متواصل، وكان الرئيس كميل شمعون يأبى أن يُغادر المنطقة بالرغم من الخطر الذي كان يُحيط به، وكان بالكاد يحصل على وجبة طعام أو ماء كل يوم، وكان «الدبّان الأزرق ما بيقدر يفوت عالأشرفيي» نظرًا لاحتدام المعارك والقصف المتبادل، لا سيّما في محيط منزل الرئيس شمعون! فجأةً، إخترق «الراهب المجهول» كل الجبهات ودخل على الرئيس شمعون طالبًا أن يأتي معه شاب أو شابّان لمعاونته في إنزال الطعام والفاكهة. إندهش الرئيس شمعون حين رأى هذا الراهب، فقال له بأسلوبه العفوي: «كيف ما مِتِت بشي قذيقي قبل ما توصل يا محترم!!؟

جهد «الراهب المجهول» لإبقاء المهجرين المسيحيين في حالة تأهّب للعودة إلى ديارهم، وكأنّ العودة ستكون في اليوم التالي. كان يحثّهم على نبذ الحقد والرغبة بالإنتقام، فشكّل لهذه الغاية فرقًا مختلطة من الرهبان والعلمانيين، مهمّتها أيضًا السهر على أمن المهجّرين الغذائي كما وعلى أمنهم الإجتماعي.

إنتهى عهد الأباتي قسيس ليحلّ عهد الأباتي بولس نعمان الذي بدوره طلب من الراهب المجهول البقاءَ في مركزه بالسكريتاريا العامة للرهبانيّة. لكن هذه المرّة، إعتذر «الراهب المجهول» من منطلق إيمانه أنّ لغيره من الرهبان الأكفاء الحقّ بالفرص للتمرّس في إدارة شؤون رهبانيّتهم، فتمّ تعيينه مرشدًا للراهبات اللبنانيّات في دير مار يوسف المعزول في وادٍ من وديان منطقة البترون، والذي يحتضن جثمان المكرّمة الأخت رفقا (القديسة لاحقًا). المكان شبه منفى بالنسبة «للراهب المجهول» الذي لا يعرف الراحة، وتُشغل ديناميّته الناس وتملأ حياة الكثيرين منهم.

هل إنزعج من تعيينه في هذا المكان الشبيه بالصومعة؟

بالعكس، فقد انتقل إلى دير مار يوسف – جربتا بفرح الطاعة الرهبانيّة. كان يقول لي: «لا تُزعجني العزلة، فأنا حيث أكون، أعمل»!.

 

راهب رؤيوي

ما أن وطأت قدما «الراهب المجهول» دير مار يوسف، حتّى استشعر بأنّ هذا المكان شبه المَنسي سيُصبح، عمّا قريب، مَحَجًا للمؤمنين، بمجرّد أن تُعلَن المكرّمةُ الأخت رفقا قديسةً. لكنّ المكان لا يصلُح لإستقبال الزوّار، ما أسقط عليه شيئًا من الوحي الربّاني قضى بضرورة الإعداد لمرحلة ما بعد إعلان قداسة رفقا، فأطلق الألف ميل للقاء شفيعته رفقا. لقد آل على نفسه تحقيق هذه الغاية، ولا أقول تحقيق هذا الحلم، لأنّ «الراهب المجهول» لا يحلم، لا بل يغامر، فيُقدِم، فيُنجز!

إنطلق في العمل على توسعة الدير وإنشاء مبنى جديد خاص بالراهبات، لكي يؤمّن لهنّ إستقلالية عن الحشود المتوقّع أن تؤمّ ضريح المكرّمة رفقا في السنين المقبلة، خصوصًا أنّ الكثيرات من بينهنّ أقمن نذورهن الرهبانيّة قبل المجمع الفاتيكاني الثاني، واعتدنَ العيش كحبيسات.

بالتزامن مع توسعة الدير، إهتمّ «الراهب المجهول» بتحسين ظروف مأوى العجزة القائم ضمن حرم الدير وتُديره الراهبات، ومن ثمّ باشر بإنشاء مواقف للعموم تتسع للمئات من سيّارات الزوّار، وتقصَّد أن تكون هذه المواقف بعيدة عن حرم الدير فلا تؤثّر على أجواء الصمت والصلاة. بعد ذلك، تحوّل إلى إنشاء الإستراحة والمغاسل والحمامات لخدمة المؤمنين، كما اعتنى بشقّ الطرقات الفرعيّة لبلوغ الدير، آخذًا بالإعتبار أن تكون مسقوفة لحماية الناس من الأمطار في الشتاء.

 

صاحب قرار حازم

باشر الراهب المجهول تنفيذ كلّ الأعمال المشار إليها أعلاه، وغيرها، بميزانيّة صفر، ولم يكلّف رهبانيّته فلسًا واحدًا خلال تنفيذ خطّته، بل صار يتحرّك باتّجاه الإغتراب اللبناني، وباتّجاه مجموعة من أصدقائه المتموّلين الذين اعتادوا الثقة به وبرؤياه. نجح في جذب هؤلاء لدعم مشروعه، «وتحالف مع رفقا»، كما كان يقول، في الطريق الطويل نحو تحقيق رؤياه. قال لي مرَة: «ما أقلقني يومًا شحُّ الأموال في سرّتي، إذ أترك الأمر لرفقا وهي تتكفّل بالباقي، ولم تتأخّر عليّ مرةً واحدة».

لم يطل الوقت حتّى تمّ إعلان رفقا طوباوّية، وبدأ الناس يؤمّون الضريح، وكان الراهب المجهول قد إهتمّ بتخصيص قاعة، هي اليوم كنيسة الضريح، لوضع رفات رفقا فيها كي يتبرّك منها الناس. ذات يوم، مرّ بي صباحًا وهو في طريقه للتعليم في جامعة الكسليك، وكان على عجلة من أمره كعادته، ليقول لي إنّه يشعر بنقصٍ في مشروعه: «الناس بالكاد يعرفون رفقا بالإسم. يجب علينا تعريفهم بجوهر حياتها وسرّ قداستها». سألته بماذا يفكّر. قال: «أريد فيلمًا يُعرّف بها، أريد منك أن تفيدني بالمتوجّب لنبدأ». أجل! قال لنبدأ وليس لندرس هذه وتلك ونتناقش. وبالفعل، ما أن أحطْتُه بالمتطلبات حتّى قال لي «إنطلق».

أنهينا الفيلم وكان عنوانه «رفقا، رسولة الألم»، من كتابتي ومن إخراج وجيه قرقفي، وحاولت شخصيًا بيعه لمحطة الـ lbc، فجاءني الردّ بأنّ العمل ليس بمستوى ما يطلبونه لشاشتهم. أخبرت الراهب المجهول بهذا الردّ، وعبّرت له عن إستيائي لناحية أنّ العمل لن يُعيد شيئًا من الأموال التي صُرفت عليه، فابتسم قائلًا: «نحن لا نبغي الربح من الفيلم، نحن نريد أن يتعرّف الناس على رفقا». قلت: «لكنّ الـ lbc واسعة الإنتشار وعدم بثّها الفيلم خسارة». قال (دائمًا بابتسامته اللطيفة): «فلننسخ منه مئات النسخ ولنوزّعه مجانًا». وهكذا كان. ما أن أصبح الفيلم بمتناول العموم، حتّى صار كل فرد يحصل عليه، يقوم هو بنسخه وتوزيعه على أقاربه وأصحابه، فكرّت السبحة وانتشر الفيلم بأسرع من المتوقّع في لبنان وفي الإغتراب. حتّى الـ lbc تراجعت عن قرارها وعرضته أكثر من مرة من بعد مرور سنتين على إنتاجه.

تعاهد «الراهب المجهول» مع شفيعته رفقا حتّى وصلا بعون الله والأصدقاء إلى وضع حجر الأساس ومباشرة بناء الكاتدرائيّة القائمة اليوم على إسم رفقا في المكان.

 

في الرئاسة العامّة

«اللي من قماشتو أو بيقدر أو بيموت» (موريس عوّاد – من نصّ «وبعدُن عم يمشو» عن الراهب المجهول)

خلال الحرب ما كان باستطاعة الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة أقلّ من الوقوف إلى جانب شعبها، وهذا الأمر إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على تجذّر الرهبان في القيم الإنسانيّة والوطنيّة، بالرغم من أنّ الإنغماس في الشؤون الدنيويّة من شأنه التأثير على عيشة الرهبان الديرية، فعلى ما يقول موريس عوّاد: «الرهبان اللي بالنهايي هنّي بشر، وارتين الخطيّي الأصليّي وطعمة التفاحا».

إنتهت الحرب عام 1990، وكان لا بدّ أن ينسحب الرهبان من جديد إلى أديرتهم. قرّر الكرسي الرسولي أن يلغي انتخابات الرئاسة العامة سنة 1992، واللجوء إلى إستفتاء داخل الرهبانيّة بغاية البحث عن الراهب المناسب القادر على إعادة الرهبان إلى حياتهم الديريّة والإلتزام بنذورهم، فوقع الخيار على «الراهب المجهول»، وها هي روما تضع الرهبانيّة بين يديّ راهب معزّز بالروحانيّة العميقة من إرث الأباتي بطرس قزّي، ومحصّن بالجبروت من إرث الأباتي شربل قسيس.

بعد تسميته مباشرة، غصّ دير مار أنطونيوس غزير بالمهنئين. بالآلاف حضروا على مدى ثلاثة أيّام. مسلمين ومسيحيين حضروا. فقراء وأغنياء حضروا. شخصيات مدنيّة وشخصيّات عسكرية حضرت. رؤساء وسفراء ووزراء ونوّاب حضروا. عرب وأجانب حضروا. كنت هناك بقربه أراقب طيلة الثلاثة أيّام، إذ كلفني الإهتمام بالصحافيين والإعلاميين، والإعتناء بحسن إستقبالهم. ربما حركة التهاني التي أصفها هنا هي عاديّة، لكنّ أمرين تخلّلاها وكانا إستثنائيّين، الأول هو تنوّع المهنئين الذي امتدّ من الفلاح إلى كبار الشخصيّات، ومن الأمّي إلى الأكاديمي. والثاني هو أنّ الراهب المجهول كان يكلّم كل مهنئ بإسمه ويسأله عن أحواله. عبارات لا زلت أذكرها كأنّها اليوم: «صحِّت إيدك يا جريس؟». «طلعت إمّك من المستشفى يا أنطوان؟». «لمّا يرجع عمّك كلوفيس من السفر، أماني تقلّو يحكيني»…

 

«بدنا نصلّح البيت بالأول»

«دورو إنّو يطلع صوب القيم الكبيري، صوب النبع. الرهبني بتطلع معو، خلف الرهبني الوطن» (موريس عوّاد – من نصّ «وبعدُن عم يمشو)»

مسيرة الإصلاح في الرهبانيّة بعد انتهاء الحرب، بدأها «الراهب المجهول» (الأباتي الجديد) بأمور بسيطة، لكنّها عميقة في جوهرها.

أول خطوة كانت في التخلّي عن كل مظاهر البحبوحة والفخفخة، وقد طبّق هذا الأمر على نفسه قبل الآخرين، ومن أفعاله في هذا الإطار، تخلّى عن سيارة «المرسيدس» الفخمة الخاصة بالرئيس العام، واكتفى بسيارة بيجو متواضعة كان يعتبر أنّها تفي بالغرض.

في التعيينات الرهبانيّة، أصرّ على أن يضع الراهب المناسب في المكان المناسب ومن دون أيّ كيدية أو أيّ أحكام مسبقة: الجامعة للرهبان الأكاديميين. الأديار الزراعية الواسعة الممتلكات، لأخوة الحقلة وللرهبان المتخصّصين في الإنماء.

في الاقتصاد والزراعة، كان يريد من الأديار التي لديها القدرة على الإستثمار وعلى الإنماء، أن تكفي ذاتها بذاتها.

في المسائل القانونيّة، إستدعى محامين يثق بهم، وطلب منهم إنهاء كل القضايا العالقة في المحاكم، بين الأديار والعوام، وحلّها حبيًّا ولو على حساب الرهبانية. وفي نفس الإطار، طلب من المحامين العودة إليه في كلّ قضيّة يتعثّر حلّها لينظر فيها شخصيًّا.

في الأمور الدينيّة، شدّد على الإلتزام بالفروض والصلوات الرهبانيّة، وكان قدوة في هذا المجال، وعُرف عنه أنّه كان يُبلّغ رئيس دير ما، في أقاصي عكّار مثلًا، بأنّه سيزور الدير في اليوم التالي ويصلّي مع جمهوره صلاة الفجر، وكان يصل دومًا في الوقت المحدّد، مهما كانت ظروف الطقس ومهما بلغت المسافة.

 

اللقاء الأخير

عن هذا اللقاء كتب موريس عوّاد الذي كان حاضرًا كما ذكرت مطلع هذه المقالة: «قبل ما يتركنا بيومين مرقت صوبو عالأباتيّي وشفتو راهب، من راسو لكعب إجريه. كان صرلو من طلوع الضو عم يرهبن، وبعد عندو لنص الليل».

قصدته في مقرّه بالرئاسة العامة، لأشكو له أنّ الفيلم الوثائقي «البلديّون» الذي أنجزته لمناسبة مرور ثلاثمائة عام على تأسيس الرهبانية اللبنانيّة المارونيّة، قد مُنع عرضه على تلفزيون لبنان، ووزير الإعلام موافق على هذا الإجراء. تغيّرت ملامح الأباتي (الراهب المجهول) وأزعجه الخبر. ومن دون أن يتلفّظ بكلمة، إتصل بالأب يوسف مونّس وأبلغه كلامًا حاسمًا: «بتبلّغ ميشال سماحة (وزير الإعلام حينذاك) إنو فيلم «البلديّون» بدّو ينعرض عا تلفزيون لبنان نهار عيد مار مارون ومن دون أيّ تعديلات، وبدّي جواب بين اليوم (كنّا يوم خميس) وبكرا تا أعرف إذا في لزوم إحسم الموضوع مع رئيس الجمهوريي. إنت بتعرف أبونا مونّس إنّو القصّة أكبر من فيلم وثائقي، القصة هيّي تلاتميّة سني من تاريخنا، واللي عندو مشكلي مع تاريخنا، يتفضّل بناقش الموضوع معي!» موقف الأباتي هذا كان بالنسبة لي أهمّ من عرض الفيلم، إذ شعرت أنّ رهبانًا كهذا الراهب المجهول، سيبقون بالنسبة للمسيحيين الضمانة لمنع أيّ تطاول على ما نؤمن به دينيًّا وزمنيًّا.

آخر كلام سمعته منه وهو يُرافقنا بتواضع إلى سيارتنا في باحة دير ما أنطونيوس غزير: «جوزيف، أول مرّة عملت فيلم رفقا بين التمثيل والوثائقي  (Docuo- Drama)، أريد منك فيلمًا جديدًا تمثيليّا بالكامل، وأريد أن أرى فيه رفقا وهي «تدبدب» طفلة، وأريد أن أراها صبية في ضيعتها بين أهلها… رجاءً إجعل هذا المشروع من أوليّاتك».

بعد يومين على هذا الكلام، مات الأباتي ولم يعد أحد يهتمّ بفيلم جديد عن القديسة رفقا. مات الأباتي فصرنا من دون رافعة معنويّة. إستمرّ منع وثائقي «البلديون» حتّى وافقت على إدخال تعديلات عليه بعد ثلاث سنوات بتمنٍّ من رئاسة الرهبانيّة العامة.

أخيرًا، الراهب المجهول هو قدس الأب العام عمانوئيل خوري، المُتوفّي في 17 كانون الثاني 1993 بعد أربعة شهور على توليه الرئاسة العامة في الرهبانيّة اللبنانية المارونيّة، ويوم عيد مار أنطونيوس الكبير، وفي اليوم نفسه الذي سقطت فيه قريته دير جنّين بأيدي جيش لبنان العربي والفلسطينيين (1976).

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل