.jpg)
توزع المشهد السياسي بين الحدث الأميركي الذي شغل العالم قاطبة فتسمّرت الناس أمام الشاشات لمتابعة التطورات الميدانية في أعرق الديموقراطيات العالمية وكأنها أمام فيلم هوليودي لا حقيقة معاشة، وبين الحدث الحكومي الذي سيبقى جزءاً من يوميات اللبنانيين إلى حين تشكيل الحكومة، والحدث الإنقاذي الذي يجب أن يشكل أولوية في اهتمامات القوى السيادية.
– أولا، الحدث الأميركي
تمثِّل الولايات المتحدة الأميركية نموذجًا للديموقراطية العريقة والمتجذّرة، وتشكّل مثالا يحتذى به في تداول السلطة واحترام نتائج الانتخابات والالتزام بالدستور والقوانين، وما حصل في الكونغرس من اقتحام وحصار وشغب لا يشبه الولايات المتحدة، وسينعكس سلبًا على الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب الذي كان خرج من الانتخابات الرئاسية قائدًا بفعل الأصوات التي حصدها، وكان بإمكانه أن يؤسس لحالة سياسية شعبيّة تعيد ترشيحه داخل حزبه الى الانتخابات بعد أربع سنوات، ولكنه بدّد، على الأرجح، هذه الفرصة، لأنّ الدولة العميقة في أميركا لا تقبل أن يهتزّ أمنها وأن تُشَوّه صورة ديموقراطيتها.
وستدخل أحداث الأمس التاريخ باعتبارها غير مسبوقة لجهة طريقة الطعن بنتائج الانتخابات، ولكن بعد هذا التطور هناك من بات يستبعد تمامًا سيناريو الحرب الذي كان يمكن أن يلجأ إليه ترمب ضدّ طهران ومحورها قبل خروجه من البيت الأبيض، لأنه سيكون مكبَّلا ومقيَّدًا، إلا أنّ هناك من لا يسقط احتمال الحرب كحاجة لترامب للهروب إلى الأمام من النقمة عليه بسبب اقتحام أنصاره للكونغرس.
– ثانيا، الحدث الحكومي
من الخطأ النظر إلى الحكومة كحاجة شعبية للخروج من الأزمة المالية، إنما هي حاجة للقوى السياسية الساعية إلى تأليفها والتي تختلف بعضها مع بعض لأسباب حصصية وسلطوية لا إنقاذية وإصلاحية، وستتألف الحكومة في نهاية المطاف، ولكنها لن تتمكن من انتشال لبنان من أزمته لثلاثة أسباب أساسية:
-السبب الأول لأن حزب الله سيمنع الإصلاحات البنيوية المتعلقة بدوره وأبرزها المعابر الشرعية وغير الشرعية والتي بحجة المقاومة ستبقى مفتوحة ومشرعة.
-السبب الثاني لأن القوى الحليفة للحزب أو التي تتقاطع معه سلطويًّا لن تسمح بإصلاح يهدّد مصالحها وسيبقى الكلام عن الإصلاح في إطار الأقوال لا الأفعال.
-السبب الثالث لأنّ المجتمع الدولي الذي يشترط المساعدات مقابل الإصلاحات ليس في وارد إعادة تعويم مشروع حزب الله ودوره.
فأقصى ما يمكن للحكومة العتيدة القيام به هو الترقيع وشراء الوقت وتحقيق بعض الخطوات الجزئيّة التي لا يُرَاهَنُ عليها، وبالتالي تشكيل الحكومة هو محاولة لإنقاذ مَن يتمسك بالسلطة وليس إنقاذ لبنان، وهل مَن يشكّ أصلا بذلك بعد التعثُّر في ولادة الحكومة؟
وهل مَن يراهن على حكومة بعدَ كل العقبات التي حالت دون تأليفها إلى اليوم؟
-ثالثا، الحدث الإنقاذي
الرهان على الخارج وتطوّراته من دون تشكيل جبهة سياسيّة قد يُحرَم لبنان من فرصة إنقاذيّة، وإذا كان مبرَّرًا في مرحلة سابقة عدم تشكُّل هذه الجبهة بفعل الستاتيكو الذي كان قائمًا، فإنّ هذا التبرير لم يعد في محلّه اليوم للاعتبارات الآتية:
أولا، وصول الانهيار المالي والاقتصادي والمعيشي والاجتماعي إلى مستويات كارثية غير مسبوقة في لبنان.
ثانيا، غياب الثقة الخارجيّة بالسلطة السياسيّة ورفض تقديم أي مساعدة للدولة في لبنان.
ثالثا، غياب الثقة الشعبيّة بالسلطة القائمة، وتراجع الانتفاضة الشعبية لا يعني إطلاقا تبدُّل مزاج الناس حيال هذه السلطة، هذا المزاج الذي سيترجم في أوّل انتخابات نيابية، وهذا ما يجعل قوى الأمر الواقع ترفض الانتخابات المبكرة.
وحيال هذا الواقع فإن كلّ الظروف مؤاتية لتشكيل جبهة سياسيّة بأجندة إنقاذيّة ترتكز على الحاضنتين الدوليّة والشعبيّة من أجل الوصول إلى تسوية تاريخيّة تعيد الاعتبار للدولة، وتصحِّح محطّة الانقلاب على اتفاق الطائف التي كان يفترض أن تنهي ليس فقط الحرب العسكرية إنّما الحرب السياسيّة، كما محطة إخراج الجيش السوري من لبنان التي كان يفترض أن تعيد السيادة لولا استكمال حزب الله دور نظام البعث السوري، وبالتالي أن تكون الثالثة ثابتة لإعادة الدولة في لبنان دولة طبيعيّة بعيدًا مِن أي اجتهاد.
فالظروف أكثر من مؤاتية: انهيار مالي، وحصار خارجي، ووعي شعبي استثنائي، والفريق السلطوي في أضعف لحظة داخلية وخارجية، والظرف اليوم هو أفضل حتى من ظرف العام 2005، وبالتالي من الخطيئة عدم التوحّد والتشكّل لإنهاء معاناة اللبنانيين، كما من الخطيئة تفويت هذه الفرصة وهذه اللحظة التي قد تتكرّر ولا تتكرّر، فهل من يسمع؟