ميشال يونس راهبًا ومقاومًا

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1712

ميشال يونس راهبًا ومقاومًا

دفاعًا عن الأرض والحرية والكرامة

 

أن تتحدّث عن راهبٍ مقاوم، فإن مسيرة الرهبانية اللبنانية تنضح بما يفوق التوقّع بتاريخ زاخر بالنضالات. وأن تتحدّث عن مقاومٍ رهبانيَّ السلوك والإيمان، ففي تاريخ المقاومة المسيحية شواهدُ وشهادات عن آلاف المقاومين وأجمل البطولات… ميشال يونس قصّةً فريدة في الجمع بين نذور الرهبانية وبذور المقاومة، وبين التنسّك في الصوامع والتمسّك بالمبادئ، مهما كلّف الأمر من تضحيات ومهما طال الطريق وكثرت المعارج. هو راهبٌ مقاومٌ داخل الدير، ومقاومٌ مترهّبٌ خارجه. وله من فرادة المسيرة والسيرة ما ليس لسواه من حكايات ومحطات. هو متعمّق في الإيمان إلى حد التماهي مع نبض القديسين، ومتجذّر في المقاومة إلى أقصى الوفاء لراية القضية ولدماء الشهداء. وكأنه كُتب على ميشال أن يعيش رهبانية خالصة ولو خارج الدير، ومقاومة مستمرّة بوجه الحياة، صعابًا وملمّات…

قاوم ميشال يونس ما شذّ في الحياة عن صفات النبل ومبادئ الكرامة وعمّا ورثه من الأقدمين والمقدّمين، وعما تعلّمه من تاريخ قنوبين، وهو المولود على كتف ذاك الوادي المقدّس والمحمول في قلبه ذخرًا، والمنذور لرفع رسالته في كل حين. وقاوم ظلم الحياة وقساوة الدهر، ولم يستسلم، كحامل الوزنات التي قدّمها إلى الرب عربون شفاعة للآخرين قبل أن تكون لنفسه. وقاوم في سبيل حرّية الفكر والأرض، فكان واحدًا من المقاومين الذين ما ترددوا يومًا في النضال والتضحية دفاعًا عن أرضٍ منذورةٍ للرب ومقدّسة بشفاعة المئات من أبنائها المرفوعين بجلالة القداسة على مذابح الكنيسة المباركة. وقاوم أيضًا في سبيل سلام داخلي إفتقده الكثيرون، وانتصر هو بكسبه، فاستحق رضى الرب كنزًا وزادًا بمواجهة مآسي الحياة الأرضية… فما قصة هذا الراهب – المقاوم الذي كان إسمه ميشال ثم صار مارون ثم ميشال المتمسّك والمتمثّل بمارون عبادةً وقيادة؟

 

بين البيت الوالدي والدير

يروي يونس أن «مهد الولادة في ضيعة أيطو دير مار سمعان العمودي، مهد نذور راهبة المصلوب رفقا الريّس الحملاوية. وعَيش الطفولة داخل بيئةٍ قرويّةٍ أشبه بالبيئة الرهبانية». حَملَ كتبه الأولى إلى مدرسةٍ ذات هندسةٍ ومنهجيّةٍ تقاربان مدارس تحت السنديانة. وحمل مبخرة القداس وحِقّ البخور كان يوازي عنده حمل مِزود الكتب والدفاتر والأقلام، وأشعار التراتيل كانت أكثر تأثيرًا عليه من جميع أشعارالجاهلية والحداثة. «وأخبار الوالد والوالدة عن الـ»قدّيس شربل» كانت حبة حنطة دعوتي إلى اعتناق السيرة الرهبانية».

في ختام المجمع الفاتيكاني الثاني أعلن قداسة البابا بولس السادس طوباوية الراهب اللبناني الأب شربل مخلوف الحبيس. كان ذلك يوم 5 كانون الأول 1966. ولأن شربل يسكن جميع حواس ومشاعر وأحاسيس وأفكار الفتى الذي كان في الثالثة عشرة من عمره، أجّجت تلك المناسبة في قلبه جموحًا متّقدًا أصلًا للتمثّل بالطوباوي والسير على خطاه. ويوم الإثنين 30 حزيران غادر اليافع ميشال بيته الوالدي مشيًا، قاصدًا دير مار أنطونيوس قزحيا، مُلبّيًا النداء الحازم «أترك كلّ شيء واتبعني». وهنا كان التحدي، فترك كل شيء إلا ما أراده الرب… وتبعه، ولمّا يزل.

ولأن من تقاليد الرهبانية العريقة تخلّي الراهب عن إسمه العلماني، فيوم لبس ثوب الإبتداء، إنتقل من إسم ميشال إلى «الأخ مارون». وبعد فترة أختبارٍ طالبيّ في دير الإبتداء، دامت ثلاثة أشهر، لبس ميشال (الأخ مارون) ثوب المبتدئين يوم أحد الوردية في 2 تشرين الأول عام 1966، على يد رئيس الدير الأب بولس عيسى. وبرعاية وإشراف أبوّة معلم المبتدئين الأب برنردس حبقوق الباني، حاول المُبتدئ الإيطاوي الغوص إلى أعماق سيَرِ آباء البريّة الكبار، من أنطونيوس إلى باخوميوس إلى مارون إلى إيلاريون وسمعان العمودي ويونان المتريتي، وصولا إلى شربل.

ويقول: «في دير مار أنطونيوس قزحيا غير المعروف التاريخ، إلاّ من «خلقين أو دست نحاسي» محفور عليه «تقدمة جرجس القرحيني» سنة ألف مسيحية، شغفَ المُبتدئ بتعلّم مبادئ اللغة السريانية لغة الرب يسوع ويوسف ومريم، ولغة كتب الصلوات التي خرّجت عشرات الأبرار والمغبوطين والقديسين».

وتعمّقَ ذاك المبتدئ بأخبار «مماشي الصنايعيّة» التي كانت داخل الدير القديم، قبل أن يُهدَم في العام 1926 ليتجدّد بناؤه على شكله الحالي. ومنها: ممشى النجّارين، ممشى البنّائين، ممشى الحدّادين، ممشى الخيّاطين، ممشى السكّافين، ممشى حرير دود القز، ممشى البيطرجية، وممشى صقل أدوات الفلاحين. ومن مدرسة هذه المماشي، علّم الرهبان شعبهم صناعات تحصيل خبزه وكرامته من عرق جبينه وشغل يديه، ليكتسب منهم تحية، «المجد لله يا معلمي».

طيلة سنتي إقامته مبتدئًا في دير قزحيا، عاش الأخ مارون مع رهبان الأرض والتراب وفيض المواسم. عاش ورافق واكتسب مناعته الرهبانية «من آباء وأخوة حقلٍ كانت تليق بهم مهابة أساكيمهم الملائكية».

زياراته شبه اليومية لمحابس مار بيشاي ومار مخائيل ومار يوحنا ومحبسة الدير المركزية مار بولا غبتا، كانت تُقرِّبُ لعينيه رؤية أملاك السماء في وادي الحُبساء. وكان المبتدئ يواظب على زيارة «بناء المعرمة» حيث تعلّم الأب نعمة الله كسّاب الحرديني حرفة تعريم الكتب (أي توضيب الأوراق وتثبيتها من الخلف وتغليفها لتصبح كتابًا) التي صار فيما بعد ملفان الأخوة الدارسين فيها.

مساء يوم عيد سيدة الزروع في 15 نوار، أُجريَت القرعة الثانية والحاسمة للمبتدئ فكسب علامة نجاحه في اختبار دعوته، ونال 18 حبّة قمح على عدد جمهور ذلك الدير المبارك، فتقرّر تعيين يوم إبرازه النذور الرهبانية. ويوم عيد القديسَين الرسولَين بطرس وبولس في 29 حزيران من العام 1968، سجد المُبتدئ حافي القدمين ليُعلن عهده للرب «بحضرة الله القدير وأمنا مريم الطوباوية، وأبينا القديس أنطونيوس الكبير، وممثل قدس الأب العام يوسف طربيه السامي الإحترام، ورئيس ديرنا الأب بولس عيسى الجزيل الإحترام. أنا الأخ مارون أنذرُ الطّاعة والعفّة والفقر حتّى الممات حسب رسومنا وقوانينا». وبعدها إتشح بالأسكيم الرهباني الملائكي.

صيف العام 1968 أمضاه الأخ مارون يغترف من وادي قزحيا، زاد الروح الرهبانية الأصيلة التي ستُحصّن إنتقاله أخًا دارسًا من ديره القزحيّاوي إلى جامعة الروح القدس الكسليك. ويقول: «يوم 3 تشرين الأول من ذاك العام، كان يوم الإنتقال من وادي المحابس والبخور وصلوات القرّاية الديرية إلى الكسليك، كالمُنتقِل من القطب الجنوبي إلى القطب الشمالي». وداخل دير جامعة الروح القدس عاش الراهبُ الناذر إبن الـ15 سنة حياة وتجارب مختلفة جعلته يشعر بنوع من الغربة.

كان فرح الأخ مارون الروحي كبيرًا يوم إنتهاء العام الدراسي ذاك، ليصعد ويصطاف في دير مار أنطونيوس حوب، في أعالي تنورين. وذلك الوطى المُقترب من مشاعات السماء، كما يصفه يونس، كان أحبَّ الأديار، بعد ديرقزحيا، على أحاسيس خِي مارون الرهبانية. ومن تشرين الأول 1968 حتى تشرين الأول 1972، كانت تلك السنوات الأربع كافية للراهب الدارس ليحسم الصراع المرير في داخله، وليُغادر الدير راهبًا كما دخله، يبحث عن نذوره في نذورٍأُخرى يختارها له الرب. وهو شارك بعد حين في تأسيس رهبنة «بيت مارون»، ثم مع رهبان المقاومة اللبنانية بأطلاقهم #ثورة_النسّاك!!!

يوضح ميشال: «دخلت الرهبانية اللبنانية زمن الرئاسة العامة للأب العام يوسف طربيه التنوري، أحد أهم كنوز الرهبانية الأصيلة وأبرز رهبان المقاومة اللبنانية. وهو صاحب «قانون الحد من تملّك الأجانب في لبنان». وهو الذي كان يسعى إلى نقل الجامعة الرهبانية من الكسليك إلى وادي قزحيا حيث الحصن الأمنع». ويضيف: «غادرت الرهبانية زمن الرئيس العام بطرس القزي. وكان مديرنا الدراسي للصفوف الثانوية، الأب بولس نعمان، ورئيس الجامعة الأب إسطفان صقر».

 

إلى جبهةٍ أخرى ونذرٍ آخر

لم يترك خِي مارون الدير إلى فراغ، بل ربما كتب له الرب أن يواصل مقاومته بأساليب أخرى وفي «أديرة» ونذور أخرى، ومع «رهبان» القضية حيث كانت له جولات وتضحيات. فهو وإن ترك الدير، إلا أنه لم يتخلَّ يوما عن طبعه الرهباني وإيمانه المتجذّر في الأرض والروح، ونزوحه النُسكي المتغلّب دائمًا على مغريات المجتمع والحياة.

لم تمر أكثر من ثلاث سنوات بعد مغادرة خِي مارون الدير حتى قدّمت له الحرب المنطلِقة في 13 نيسان 1975، رسالة أخرى وواجبًا آخر يستدعيان المقاومة والتضحية والكفاح… فلم يبخل. إنخرط ميشال مع إخوته في واجب الدفاع عن ثالوث الأرض والحرية والكرامة. ومن هناك، كانت له جولات وجولات. وانتهت الحرب الميدانية لتتفتّح آفاق أوسع على أنواع شتى من الحروب، لم ينسحب المقاوم الراهب من جبهاتها ولم يسلِّم «سلاحه»، ولم يستسلم على رغم المخاطر والمعاثر.

دخل ميشال بداية روح المقاومة اللبنانية عام 1974 ليُدخِلَها فكريًا وروحيًا وتاريخيًا في نفوس ناشئة ذلك الزمن. ويوم الأحد 13 نيسان 1975، دخل المقاومة دخولاً فعليًا مقاتلاً بالفكر والكلمة وروح البشارة. إنتمى إلى حزب الكتائب اللبنانية في7 تموز 1975 مساهمًا بفتح 22 بيتًا لأقسام الكتائب في إقليم زغرتا الزاوية. ولكنه ترك الحزب بعد حادثة إهدن ليبقى ملتزمًا نبض روح المقاومة.

ويضيف: «إستشهاد أخي رضوان يوسف يونس من تفاعل جرح بليغ تسببت به شظية نتيجة إصابته في إحدى المعارك على جبهة الشمال وحمله إلى فنزويلا التي تهجّر إليها من غير أن يكتشف الأطباء تفاعلات تلك الإصابة، دفعني لإبراز نذر حرية منطقة زغرتا الزاوية حتّى لو كلّف نذري دمي وحياتي. وسيبقى أخي الشهيد رضوان منارتي في مسيرتي حتى نهاية عمري على الأرض.

ويتابع: «من 1992 إلى 2005 كان الإتحاد النضالي برفاق حدشيت بطلب من الحكيم بعد زيارات سرية متكررة قمنا بها إلى مقره في غدراس إبتداء من أيلول 1993. واستمر بعد إعتقاله القتال الفكري والتنظيمي والإعلامي».

وبعد خروج الحكيم من «محبسة» اليرزة في 26 تموز 2005 كانت العودة التنظيمية إلى منطقة زغرتا الزاوية وإعلان أول منسقية رسمية للمنطقة برئاسة الرفيق ريكاردوس وهبه». وكان ميشال قد بدأ منذ سنوات يواصل نضاله على كرسيّه المتحرك من دون أي إنقاصٍ في ما يعتبره واجبًا مقدسًا، ومن غير تذرّعٍ أو تكدّر.

وفي ما يصفه بأروع الأروع، يقول :»حقّقنا ما حقّقناه في زمنٍ لم يكن حلّ بعد عصر الإنترنت والتواصل الإجتماعي والدعم المالي التوجيه القيادي. إنطلقنا على خطى المُبشّرين من دون ثوب ولا زاد. وبروح النذور الرهبانية حقّقنا ما قدّرنا رب الحرية والكرامة أن نحقّقه. وأما رفيقي الكرسي المتحرك، فقد كان جهاده معي بقدر وقيمة جهادي وأكثر على مدى 31 عامًا».

وإن كان هذا نذرًا يسيرًا من كفاح ميشال يونس الروحي والفكري والميداني، إلا أنه أثبت بما لا يقبل الشك أنه مقاوم من طينة المقدَّمين لا يهادن ولا يستسلم، وأنه راهب قنوبينيَّ الهوى، صخري الإرادة، ملائكي الظل، حيثما حل، يختزن الكثير من القصص والأسرار، تشير إليها تنهيداته ولا تُفصح عنها الكلمات.

 

…وشفيت بإيمان والدتي

يوم الثلاثاء 15 تموز 2008 تعرّض ميشال يونس لذبحة قلبية شبه قاتلة توقف فيها قلبه ثلاث مرات على الطريق بين ضيعته أيطو ومستشفى سيدة المعونات جبيل، ثم لحقتها 11 ذبحة إرتدادية داخل غرفة العنايه الفائقة. «لكن عناية الرب ردتني إلى الحياة لأجل تتميم نذوري .»

و»في فترة الطفوله مررت بمطهر «زلل الدم» وكلاويي رجعو من العدم بإيمان والدتي. ومرقت بمطهر مرض خبيث بزلعوم الهوا وشفيت بإيمان والدتي كمان».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل