
بالكاد، بالكاد ستة الاف مصاب باليوم، بالكاد 30 ضحية في اليوم الواحد ضمن عداد الوباء! ما كانوا بيحرزوا لإعلان حال الطوارئ قبل الاعياد ما هيك؟ كان يجب ان تصل الحال الى ما وصلت اليه وان يصل صراخ الناس… اقصد عويلهم، الى غرف الرب مباشرة، ومن بعدها بمسافات ضوئية الى اروقة “القرار” اللاقرار في لبنان، لتنهزّ وتتصرف تلك السلطة المتواطئة على موتنا… اقصد قتلنا، وتعلن اخيرا فرض حال الطوارئ والاقفال العام؟! اللهم من دون مراعاة للمصالح السياسية والاقتصادية والمناطقية، المناطقية خصوصا، وللتنفيعات حتى على حساب الانسان في لبنان!
على باب احد المستشفيات صرخ مواطن “بدكن تقتلونااا؟ امي مريضة بكورونا ومش عم لاقي مستشفى يا الله”، هرعت الممرضات يتوسلونه الصبر لحين يجدون لها سريرا، سرير لا غرفة، اذ ما عادت الغرف متوافرة ولا حتى الاسرّة في مستشفيات لبنان، وهرع ممرض الى السيارة وحاول ان يمد المريضة بالإسعافات الاولية، الى حين توافر السرير. صارت السيارة سريرا في مرآب مستشفى، رضي الشاب، المهم ان تتلقى والدته العناية اللازمة والا تموت على باب المستشفى من ضيق انفاسها. ركع في موقف السيارات يبكي “ليش يا ربي هيك؟ شو عاملين نحنا يا ربي لنستحق هالقصاص، بدن يقتلونا دخيلك يا الله خلصنا… وينك يسوع مش عم تسمعنا!”.
عن جد الا يسمعنا يسوع؟ هل تركنا الرب ودائع من دون حماية هائمة على وجه هذا الوطن؟ هل عن جد تركنا الرب مشروع ضحايا ليس للوباء وحسب، انما لتلك السلطة التي ما عرفت حتى الساعة كيف تحمي كما يجب، ناسها من الوباء، كما يحصل في كل بقاع العالم، عدا عن قتلنا اليومي بكل الاساليب المتاحة لديها؟
نعرف الا سلطة لنا مباشرة على الوباء، وان الوباء جعل الكرة الارضية كلها، كائنا مذعورا مكمما بالهلع خائفا من نفسه ومن الاخرين، لكن بحسب هؤلاء الاخرين من خارج حدودنا، ان ثمة دول ترعى شؤونهم، تفرض عليهم قوانين الحماية الفعلية، تعاقبهم ان خالفوا التوصيات خوفا عليهم من الوباء، وفي الوقت نفسه، تؤمّن لهم كل المستلزمات الطبية والمعيشية كي لا يشعروا انهم حيوانات متروكة في مزرعة يسودها الوحوش. هناك خلف الحدود يقف انسان خائف لكن حر معزز مكرّم، في مقابل لا انسان هنا، خائف مذلول خسران ومحاصر! زجاج شفاف يفصلنا عن الاخر، عن العالم، هي الكرامة الانسانية.
خارج الحدود يبطش الوباء ويحوّل الناس الى مخلوقات منزوية في حالها، لكنه لم يخسرها انسانيتها تجاه السلطة التي تنظم امورها. في لبنان نحن ارقام، مجرد ارقام مشقوعة فوق خوفها وغضبها وضياعها. نحن في لبنان لا شيء بنظر السلطة سوى كائنات مركونة في الانتظار، ما عاد لدينا سرير في مستشفى يحمينا، انما شرير يتربص بنا. لا آلات اوكسيجين تصلنا بآخر انفاس الحياة، بل سلطة تقطع انفاسنا في كل الاتجاهات. نحن نقف هناك في مرآب سيارات جعلوه اسرّة لمرضى الوباء، نركع وندمم ركابنا ونرفع الايادي المرتجفة صوب السماء ونصرخ له “دخيلك خلصنا من الحياة بلبنان، بيكفينا هالقد ذل على إيدين هالمسؤولين المجرمين، او خلّص لبنان من وبائهم قبل كورونا” أتسمع يسوع؟
لا يحتاج الرب لأصواتنا العالية ليسمعنا، يحتاج ايماننا وصبرنا لنحمل معه الصليب ومعا نصل الى القيامة. الوباء ليس صنيعة يسوع، ولا تلك السلطة المريضة، انما هي صنيعة الناس، لا تلوموا الرب عليهم، علينا ان نلوم أنفسنا لأننا سمحنا لهم ان يكونوا حكاما علينا. شرور الارض ليست من صنع الرب، هي افعالنا تتراقص في وجهنا مثل شياطين جهنم، ولبنان في جهنمه تماما، يرقص مع الشياطين رقصة الموت، فإما ان نعود الى الايمان بالأرض والرب وننقذ لبنان من جحيمه، والا سنكرّس جحيما اقسى بعد من جحيم كورونا، سلطة الاحتلال الايراني وسلطة عبودية الناس، وسنموت اما في سيارة مركونة بمرآب مستشفى لا تجد لنا سريرا يأوينا من الوباء، او على قارعة الذل يتقاذفنا مسؤولون لا يهتمون الا بكرسي خشب في جمهورية او حكومة خشبية، يتلاعب بهم الاحتلال مثل صبيان الازقة الموعودون بالغنيمة.
يسوع، اذا كان الوباء قدر الارض فسنجابه لنهزمه، اذا كان الوباء بعضا من صليبك، سنحمله معك لأننا نعرف ان القيامة قدر، لكن يسوع النجدة، احمنا من تلك السلطة، ها هي تتنافس لقتلنا، أتسمعنا؟
