#dfp #adsense

بايدن يرث ناراً ترمبية… العودة إلى الهستيريا الديمقراطية

حجم الخط

ما حصل في 6 كانون الثاني 2021 يوم تاريخي للولايات المتحدة بكافة المقاييس، وأهم وأخطر ما أظهرته الاحداث ان الديمقراطية الاميركية عكست حالة صدامية داخل المجتمع الأميركي، وأظهرت عمق الشرخ ليس فقط بين البيت الابيض والكونغرس بل بين أميركا الاصلية المحافظة المفككة واميركا الليبرالية الموحدة.

وفي ما يلي أبرز الخلاصات:

اولا: عرّى الرئيس دونالد ترمب منذ تسلمه السلطة في الولايات المتحدة الديمقراطية الاميركية بمؤسساتها السياسية والاعلامية بشكل فاضح، وصولاً الى مشهد 6 كانون الثاني الماضي واجتياح الشعب الاميركي للكابيتول وكيفية ردود فعل الدولة العميقة في واشنطن بكافة مصالحها ومؤسساتها وتركيبتها.

ثانيا: وصل ترمب الى السلطة من خارج نادي الرؤساء ومن خارج نادي (الاستبلشمنت) الأميركي، وحورب منذ اللحظة الاولى لانتخابه، يومها انبرى جو بايدن نائب الرئيس السابق باراك اوباما يسلم علنا بهزيمة هيلاري كلينتون ويعترف بانتخاب ترمب. ومنذ تلك الساعة تكتلت مؤسسات الديمقراطية الاميركية وفي مقدمتها الاعلام ووسائله لتشن أعنف مقاطعة ومقاومة ضد سياسات ترمب في البيت الابيض وصولا الى التهجم الشخصي عليه.

ثالثا: ترمب اخاف الاستبلشمنت الأميركي لأنه جاء على خلفية برنامج رئاسي يذهب عكس ما ذهب به الرؤساء اسلافه من جمهوريين وديمقراطيين، فأراد التصدي المباشر والصريح للملفات الشائكة غير آبه بمصالح هذا الاستبلشمنت.

ففي واشنطن نمطية حكم ونظام للعالم يبنى على التناقضات والدبلوماسية الطويلة النفس واللعب على الوقت، اما ترمب، أراد تحقيق انجازات ليثبت انه نجح حيث فشل اسلافه، وعلى سبيل المثال لا الحصر صفقة القرن والتطبيع العربي ـ الاسرائيلي والملف النووي الايراني والعقوبات الخانقة على الجمهورية الاسلامية.

ذهب ترمب منذ البداية عكس مصالح الادارة الاميركية العميقة، متخطيا حتى الجمهوريين، اذ يكفي التذكير بأنه في ايام الرئيس جورج دبليو بوش اضعفت العراق وسقطت بيد الشيعة والايرانيين بعدما تفككت الدولة وحل الجيش العراقي الذي كان يصنف من بين اول 10 جيوش عالمية بالقوة، فأسقطت الادارة الجمهورية بإسقاط العراق ونظامه السد العربي ـ السني المنيع في وجه المد الشيعي الايراني في المنطقة (ما يثبت نظرية ان إيران حاجة اميركية حيوية سواء للجمهوريين او للديمقراطيين).

رابعا: ومع حكم الرئيس أوباما، انتقلت المنطقة من وضع شبه مستقر الى وضع متفجر. اذ قبل وصول اوباما لم يكن داعش موجود على خريطة المنطقة، وكانت ليبيا مستقرة ومصر في حالة استقرار كبير، وفي العراق كان مستوى العنف في أدنى درجاته، وإيران كانت محاصرة بعقوبات وسوريا كانت تحت السيطرة الى حد كبير.

فالحكم الديمقراطي مع أوباما حوّل كل هذه الدول اعلاه وسواها من دول المنطقة الى مسرح لهستيريا جماعية والى زعزعة خطيرة لاستقرار المنطقة والعالم حيث ادت سياسته الى ظهور داعش وتوسع منطقة انتشارها في المنطقة والعالم سقوط ليبيا في حرب اهلية دامية ادت الى تدميرها وسيطرة الاخوان المسلمين على مصر ما ادى الى تدخل الجيش المصري وحسم الاوضاع واعادة السيطرة على الأمور. اما العراق، وقع في الفوضى المدمرة والمقسمة، وإيران باتت على طريق تملك السلاح النووي، فيما سوريا وقعت في حرب اهلية مدمرة ودامية سببت ازمة لاجئين طرقت ابواب اوروبا والغرب.

يضاف الى ذلك زعزعة الانظمة العربية المستقرة تحت شعار تحرر الشعوب واستبدال الانظمة التقليدية غير المحبوبة وغير الشعبية بأنظمة شعبية، كان الخطأ في اختصار تلك الانظمة بيد حزب واحد او حركة اسلامية واحدة، فيما كان الافضل لو تم تمكين أحزاب وقوى تقدمية وشعبية وديمقراطية أكبر من قيادة التغيير والتحرر بدل حصرها في جماعة واحدة لا تجمع عليها الشعوب العربية المعنية.

خامسا: هذه السياسات الجمهورية والديمقراطية لم تكن لتحظى برضى الرئيس ترمب فعندما وصل الى السلطة اراد محو تلك المخططات واعادة الامور الى ثوابتها التاريخية من خلال التركيز على ملفي: إيران والاخوان المسلمين، واحياء التحالف العربي ـ الاميركي التاريخي في المنطقة.

ساعد ترمب الانظمة العربية ولا سيما الخليجية على اعادة استتباب وضعها في مقابل الانفتاح والتطبيع مع إسرائيل، واستبدل صيغة الدولتين بصفقة قرن كادت تنهي الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وحقق لإسرائيل انجازات لم تكن الدولة العبرية تحلم بها يوما مع اي من الرؤساء الاميركيين (نقل السفارة الى القدس، الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل، اعتبار الجولان ارض تحت السيادة الاسرائيلية…).

بالإضافة الى محاصرة ايران بعقوبات خانقة ترافقت مع تدهور اقتصادي ومعيشي داخلي جعل نصف الشعب الايراني تحت خط الفقر، وفرض على ايران اسقاط الاتفاق النووي وجر الاوروبيين الى الاقرار بضرورة تعديل الاتفاق بإضافة بند ايقاف انتاج الصواريخ الباليستية ووقف التدخل في شؤون دول المنطقة وواجه الصين باتفاق اقتصادي وحماية الملكية الفكرية للأميركيين وعمل على محاسبتها وفضح الدكتاتورية الصينية للحزب الشيوعي الشمولي الحاكم كعدو اول للديمقراطيات والولايات المتحدة، كما ومحاسبته منظمة الصحة العالمية على خلفية التستر على وباء كورونا، ما شكل علامة فارقة ايضا في مسيرة رؤساء الولايات المتحدة.

سادسا: حقق الرئيس ترمب انجازات داخلية في اميركا لم يكن اقلها ازدهار الوضع الاقتصادي وتراجع البطالة الى ان جاءت جائحة كورونا لتؤثر في تلك الانجازات سلبا وتراجعا خصوصاً ان ترمب لم يحسن تقدير خطورة الوباء منذ البداية، فاستفادت مكنات واليات الدولة العميقة من التراجع والاخطاء لتبدأ بالتركيز عليه والعمل على منع اعادة انتخابه.

وعاد الاعلام الاميركي المعادي له والمدفوع من الديمقراطيين والممول من بعض الحلفاء في المنطقة والعالم، يشن الحملات تلو الحملات ضد ترمب.

سابعا: حتى مؤسسات حقوق الانسان الاميركية الكبرى مثل هيومن رايتس واتش وغيرها والتي كانت تصف ثوار الربيع العربي بالمناضلين والمجاهدين من اجل الحرية وتسوق اتهامات ضد الانظمة العربية (بعضها عن حق) وصفت المواطنين الاميركيين المؤيدين لدونالد ترمب، واللذين اجتاحوا مبنى الكابيتول يوم 6 كانون الثاني بالإرهابيين والمخربين ولم يلفظوا اي اتهام ضد الشرطة التي قتلت احدى المواطنات الاميركية ( دلالة اضافية الى الكيل بمكيالين في خصوص مسألة محاسبة انظمة عربية لأهداف سياسية لا انسانية) تماشيا مع خطة التخلص من ترمب وولايته ولفلفة موضوع قتل مواطنة اميركية ثائرة داخل الكونغرس، وغابت حتى اللحظة اية تحقيقات قضائية فيما حصل داخل مبنى الكابيتول بينما تنصب جهود خصوم ترمب الجمهوريين والديمقراطيين الى تحريك التعديل الدستوري رقم 25 لعزله قبل 20 كانون الثاني.

ثامنا: مرة جديدة وانطلاقا مما حصل في مبنى الكابيتول يوم 6 كانون الثاني، وتداعيات الاحداث، يمكن استنتاج ما يلي:
1 ـ الديمقراطية لم تعد ذا مصداقية في عالمنا اليوم، بل تحولت الى مجرد عنوان لمبدأ جميل افرغ من مضامينه تبعا لمصالح الدول والحكومات سواء كانت دول عظمى او دول صغرى او دول متخلفة.

2 ـ ازدواجية المعايير في تقييم خروقات حقوق الانسان للتغطية على المصالح السياسية والحزبية والاستراتيجية.

3 ـ انزعاج الاستبلشمنت الاميركي من كون ترمب كشف عورات النظام الاميركي الداخلي للدولة العميقة، والوهن في مصداقية المؤسسات المراقبة والعقابية عندما يتعلق الامر بمصالح الاكثرية على حساب الاقلية.

4 ـ ممنوع على ترمب ليس فقط الحكم منذ اللحظة الاولى بل وممنوع عليه العودة الى الحكم ومن هنا الاستبسال الديمقراطي حاليا لعزل ترامب قبل نهاية الولاية بحجة الانقلاب الذي يصفونه في 6 كانون الثاني، لان العزل يمنعه دستوريا من الترشح مجددا عام 2024.

5 ـ انفراط عقد الجمهوريين وفشلهم في الحفاظ على توازنات داخلية مع الديمقراطيين، بعدما تخلى قسم منهم عن الرئيس ترمب، فيما وقف القسم الاخر على الحياد، إذ لم يبق الى جانب الرئيس المنتهية ولايته الا القلة القليلة، حتى ان نائبه مايك بنس تخلى عن رئيسه، ورفض التضامن معه في لحظة الحرج باعتبار ترمب بات ورقة محترقة وبنس من الان يبني حساباته على ترشيح نفسه عن الجمهوريين عام 2024.

انها نهاية تأثير الجمهوريين لا بل نهاية امكانية عودتهم الى حكم الولايات المتحدة خصوصاً أن بايدن سيجنس حوالي 10 ملايين مهاجر فور تسلمه السلطة ما يعني رفع منسوب الاميركيين الموالين للديمقراطيين بما يضمن الحكم لهم لسنوات طويلة، بما ان المجنسين الجدد سيدينون بالولاء للديمقراطيين الذين جنسوهم.

هكذا اذاً، ما حصل ويحصل في الولايات المتحدة خطير وخطير جدا على مستقبل البلاد، في ظل الشرخ الكبير الذي وقع حاليا بين ابناء المجتمع الأميركي، وشعور الاميركيين البيض اجمالا بان المهاجرين احتلوا بلادهم، وسيحكموها: فالشقاق كبير وحاد وعلى ادارة بايدن الاهتمام من الان بكيفية اعادة اللحمة المفقودة بين عناصر المجتمع الأميركي، لان الخطر كبير في وصول الامور الى حرب اهلية تعيد عقارب الساعة الى اكثر من مئتي عام يوم كانت اميركا تبني دستورها التأسيسي مع الاباء المؤسسين على قاعدة التوازنات الاثنية والعرقية والدينية وسواها.

اوقد ترمب نارا كبيرة في المجتمع الاميركي لن تنطفئ بعد اليوم لا بل ستتعاظم وتكتسب ككرة الثلج احجاما تهدد السلم الاهلي والامن الاجتماعي داخل الولايات المتحدة. فالترمبية لم تعد ملك ترمب سواء بقي ام ذهب، بل باتت اسلوب وحياة اميركية جديدة وحكم ورؤية لأميركا في الداخل ودورها ورسالتها في العالم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل