الأب يوسف مونس: حامل الرسالة – 1

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1712

الأب يوسف مونس: حامل الرسالة

رواية عن رهبنة وقداسة وبطولة (1)

 

حاملاً مسبحته، مثقلاً بأعوام مجبولة بالمقاومة الرهبانية، تراه يمشي نحو الكنيسة ويجلس وحيداً تحت أنظار ذاك «الدايم الدايم» الذي سكنه وصار محرّك عقارب مسيرته، راهبًا ليس حتماً كسائر الرهبان. ثائر كما معلمه، إعلامي كما بولس الرسول. هو الأب يوسف مونس الذي أراد أن يكون حامل الرسالة والبشارة في آن…

من مهد طفولته في الشبانية إلى رهبان الكسليك إلى جلجلة «شربل» واختباره الرائع المدمر بين أسئلة وجودية كبيرة وبحثه عن «الثابت» من حبه ودعمه لشباب المقاومة اللبنانية، إلى كاتم لأسرار رئيس في قصر بعبدا الموحش. إلى بشير الحلم الذي آمن وحلم بخلاص وطن في عهده وصُلِبَ بفقدانه. هو كلٌ في واحد.

هو ذاك الراهب الذي لا يسعك إلا الإنحناء أمام وسع ثقافته. هو المفكر والكاتب والممثل والأستاذ الجامعي والمسرحي والرياضي والنجم التلفزيوني، وأيضاً السياسي والمستشار وصانع للرؤساء.

هو كلُّ ذلك في جسد واحد مثقل بأعوامه ال63 الرهبانية يصول ويجول في دير مار أنطونيوس الكبير في الأشرفية ـ السوديكو حيث يمضي أيامه، وصوت صارخ لا يستكين. لكنه من ذاك المذبح يبدأ وإليه يعود ساجداً مبتهلا. فمنه وله وبه وإليه كل شيء، ولسيده «الدايم دايم» تراه يعلن بإيمان من ذهب»كلي لك».

كان ذلك في 15 أيار 1938 في الشبانية، ضيعة الفلاحين كما الرؤساء والفلاسفة الهادئة. يومها فتح ذاك الراهب الماروني عينيه على الحياة بين أحضان الطبيعة. وفي منزل يطل على الكنيسة ترعرع متلقيًا دروسه الإبتدائية في مدرسة القرية، لينتقل بعدها إلى الكسليك، إلى أحضان الرهبنة المارونية اللبنانية.هناك بدأت الحكاية. حكاية راهب ثائر.حكاية الأب يوسف مونس.

الرابعة من بعد ظهر كل يوم يجلس الأب يوسف مونس على كنبة قبالة النافذة في رواق الطبقة الأرضية في دير مار أنطونيوس الكبير في الأشرفية ويتأمل في الأشجار،فتتراءى أمامه غابات صنوبر المتن الأعلى أو غابات الأرز في جبال الأرز في لبنان. هنا في قلب الأشرفية إزداد وجع الصمت بعد إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب وباتت الوحدة والسكينة تسكنان أروقة الدير. «كأنني في هدوء الوادي المقدس أو وادي قاديشا المليء بالصمت والسكون والبخور». يقول الأب مونس الذي يمضي وقته في الدير في الصلاة والقراءة والتأمل.لكن ثمة موعد يومي، موعد ما عاد يفوّته الأب مونس»هناك عصفور صغير يأتي يوميًا ويتنقل على الأغصان ويزغرد ويكلمني. سر الجمال في زغردته وألوانه. وعندما يقترب موعد غياب الشمس وتكبر الظلال على الأبنية المقابلة ويقرع جرس الدير لصلاة المساء والقداس، يطير ذاهبًا مودعًا على أن يعود في الموعد ذاته في اليوم التالي. أما المشهد الذي يطبع في ذاكرتي وصرت أنتظره بعد إنفجار 4 آب بسبب إنحسار عدد الأهالي،فهو مشهد النساء الحاملات سبحاتهن في شوارع الأشرفية وهنّ يسرن نحو الكنيسة للمشاركة في صلاة المساء أو في القداس واحتفالات الأعياد».

لو أُعطيَ للأب يوسف مونس أن يعود إلى الحياة مرة ثانية، لكان أحب الإختبارات والحياة التي عاشها في الشبانية مهد ولادته عام 1938 وطفولته، وفي الرهبانية اللبنانية المارونية والجامعة والعالم، ووهبها الله له بكثير من الفرح والصلاة والرجاء والأمل والسكون والصمت والتأمل. فخيار الدخول إلى حياة الرهبنة كان بقرار ذاتي وشغف بحياة الآباء القديسين. «أعرف أن كل شيء يعبر ويزول،وأعرف أننا لا نستحم في المياه نفسها لأن كل شيء يسيل ويجري ولا يعود… وأعرف أنني كائن وجود في الزوال والفناء وأنني سريع العطب والكسر. وأعرف أنه لا فرح لي في حياتي إلا بلقائي بيسوع نبع الحب والفرح والإلتصاق به لأنه الحياة والنور والحق والطريق والفداء والخلاص».

أحب ثوبه الرهباني والزي الرهباني البسيط والطوق الأبيض «المنشّى» والأكمام المنشاة والبكل الذهبية. «هذا لبس شربل ونعمة الله وإسطفان ورفقا». لكن الدرب نحو الدير سبقها محطات عنها يروي الأب مونس: «منذ طفولتي كانت الأسئلة تتصارع في رأسي… كنت في عمر ال16 وكنت أرى أن كل شيء ينتهي. كل شيء يذهب، الجميع يموتون، كنت أبحث عن الذي لا يموت، ما هو الثابت إلى الأبد، ما ومن الذي يبقى». فجأة وصله الجواب: «هو واحد فقط. هو يسوع المسيح الثابت الوحيد الذي لا يتغيّر ولا يموت، هو «الدايم دايم» الأبدي الذي كنت أبحث عنه وهو الذي جذبني لألاقيه».

 

سحر ليلة الميلاد

ثمة علاقة إنجذاب وصلت إلى حد الشغف بين الأب يوسف مونس ويسوع بدأت تتظهّر معالمها في ليلة الميلاد. ويروي:»يوم كنّا صغاراً والثلج يغمر البلدة في ليلة عيد الميلاد، كنّا نشق بأجسادنا الصغيرة الطريق ليسوع الآتي ليولد في مغارة كنيسة السيدة. كنا ننام على الثلج لنحفر آثاراً على الدرب التي توصل يسوع إلى الكنيسة، حيث كانت أمهاتنا وأخواتنا ملتحفات بشالاتهن السوداء العريضة الطويلةإتقاء من البرد». ويضيف: «لا تزال صورةجدي المونسنيور يوسف مونس بلحيته البيضاء وعصاه السوداء مطبوعة في قلبي ووجداني. كان شامخًا كالأرز، ويبسط وقاره واحترامه بقامته المديدة على عائلتنا المؤلفة من تسعة أولاد. كانت تجذبني قراءاته في كتاب التوراة والكتاب المقدس. فكنت أجلس على الأرض صامتاً متخشعاً قربه. وكان يلاحظ ذلك، فيبدأ برفع صوته وأنا أصغي وأستمع مسحوراً لقصص الكتاب المقدس: قصّة الخلق، وعظمة الله الذي خلق كل شيء منه بكلمة وهي «كن» فكان كل شيء، واكتشفت من خلال هذه القراءات أن يسوع أراد من خلال ذلك أن يدلنا بالرموز والإشارات والأحداث والناس والأحلام إلى الفرح الحقيقي وطريق الخلاص. فهل أصغينا له؟ الله ليس صامتا في حياتنا، بل هو حي فينا بقوة روحه المحيي والقدوس. وكم تمنيت لو أكون ملاكاً ينادي بالسلام والفرح والحب والخلاص وحوار السماء والأرض والناس، أو أن أكون نجمًا أسير أمام الناس لأهديهم إلى يسوع أو راعياً فقيراً أحمل أجمل الحملان لأقدمه قرباناً ليسوع ومار يوسف والسيدة العذراء».

 

ما الذي دفع إبن الشبانية الى الرهبنة؟

كل هذا كان يحصل ويطبع في قلب ووجدان إبن الشبانية يوسف مونس من دون أن يدرك أن قصة حب عميقة ستنشأ بينه وبين «الدايم دايم». كان زمن الميلاد طبع في قلب ابن الشبانية الذي بدأت ترتسم ملامح حياته من ساحاتها ودرج الكنيسة وقراءات جدِّه المونسنيور مونس. «أذكر قصة يوسف إبن يعقوب الذي باعه إخوته حسداً وكيف كذبوا على يعقوب أبيهم عندما غمّسوا قميصه بالدم وادّعوا أن ذئباً افترسه وكيف غفر يوسف لإخوته عندما أتوا إليه وهم جياع من مصر… وكم آلمني عدم فهم تلاميذ يسوع لرسالته وكلامه يوم ناموا وتركوه يتعذّب وحيداً في جبل الزيتون، وكيف خانه بطرس وعاد يسوع وأسس الكنيسة على ضعف بطرس وخطيئته و»خيانته»، وكيف التقى يسوع بطرس وهو هارب من روما فسأله بطرس: «إلى أين يا سيدي؟». فقال له يسوع: «إلى المكان الذي تهرب منه». فتأثّر بطرس وقفل راجعاً إلى روما.

كان الفكر الأنتروبولوجي الوجودي الذي سكن الأب مونس يتعاظم مع تفتح الوعي لديه، فتوجه إلى الفلسفة واللاهوت، لكن ظهر إختصاص جديد «هو الأنتروبولوجيا الذي اخترق كل حياتي». ويروي الأب مونس: «بعد دخولي ديرغوسطا درست الفلسفة واللاهوت في جامعة الكسليك وذلك قبل أن أتوجه إلى فرنسا وتحديداً إلى ستراسبورغ لنيل شهادة الدكتوراه في الأنتروبولوجيا».

بعد عودته إلى لبنان حاملاً معه إختصاصه الجديد بدأ في ترويجه وتدريسه في جامعة الروح القدس الكسليك ومن ثم في الجامعة اللبنانية ليصبح لاحقاً من المواد الرئيسية وقد تبنّته الكنيسة والتزمت به الكليات كافة وأصبح لزاماً على طلاب اللاهوت تحصيل هذه المادة التي يشدد مونس على أهميتها ويصفها بـ»العلم الذي يحمل ثقافة متنوعة تجمع بين الفكر الفلسفي والأدبي وبين الفكر الفني والفولكلوري والحكايات والقصص».

 

جلجلة «شربل»

عاد الراهب الماروني من أوروبا ليكتشف أن المسرح هو إحدى ثروات العالم الثقافية ولم يكن التمثيل غريبًا عنه آنذاك. ففي جعبة ذاك الراهب الناشئ تجربة سينمائية لا تُنتسى، تجربة مكللة بالروحانية بعنوان»شربل». ويروي: «كان ذلك في العام 1957 وكنت لا أزال فتياً أتلقى دروسي الثانوية في معهد الروح القدس الكسليك عندما اختارني المخرج نقولا أبو سمح للعب دور القديس شربل في فيلم سينمائي من كتابة الأب بولس ضاهر. لا أنكر أنني تفاجأت.لماذا أنا دون سواي لتأدية دور القديس شربل؟ وتمنيت عليهم أن يلعب الدورراهب أكبر مني سناً لا سيما في المشاهد التي تصور حياة القديس شربل الأخيرة.

خرج الأب مونس مدمرًا جسديًا من تجربة «شربل».عن تلك التجربة «الصعبة جداً» يروي:»كنت في أول حياتي الرهبانية، كان علي أن أضع يوميًا ذقناً جديدة وهي كناية عن»مسكة» ويزرعون الشعر فوقها وأعود لأنتزعها عند إنتهاء التصوير مع ما يسببه ذلك من ألم شديد. كان هناك إلتزام تام بتصوير كل المشاهد حيث عاش القديس شربل وكانت في غاية الصعوبة، خصوصًا تلك التي صوّرت على الثلج حيث كان الرهبان يخرجون جثة شربل من الدير فسقطت على الثلج وأصبت إصابة بليغة في الرئتين لا زلت أعاني منها حتى اليوم. كذلك المشهد الذي كنا نصوّر فيه لحظات إحتضار شربل في الصومعة حيث كنت أنام على قطعة من الجلد على الأرض وخرجت منه بأوجاع بليغة في الظهر واليدين. وفي أحد المشاهد بقينا حتى الظهر نضرب بالفأس ونقطع السنديان وأخذ الدم ينفر من يدي، فكانت النتيجة أن قرر المخرج أبو سمح إعادة تصوير المشاهد»… وعلى رغم كل الصعوبات التي عاشها مونس خلال التصوير يقول: «التجربة كانت أشبه بـ»المغامرة» الكبيرة التي كان لها تأثير كبير على حياتي. لقد عشت إختبارًا رائعًا وتعرفت إلى صورة  الختيار وطبيب السما شربل».

 

شربل دفشني أكتر نحو عالم الرهبنة

الشهرة التي عرفها الراهب الشاب بعد «شربل» لم تبعده عن عالم الروحانيات. واستمر مخلصاً لحبه الأول والأخير لـ»المخلص الفادي الحبيب» أميناً لدعوته، ثابتاًفي انتمائه لـ»الدايم دايم». ويقول الأب مونس: «أنا راهب وألتزم روح الرهبانية شكلاً وروحاً، وكما كل رهبان الرهبنة اللبنانية المارونية، إلتزمت أصالة دعوتنا ورفضنا كل حداثة شكلية أو روحية تتعارض مع روحية الرهبنة ونذورها. نحن كما مار شربل نلتزم ثياب الرهبنة والنذور».

 

لكن ماذا بعد جلجلة شربل وشهرته؟

«طويت الصفحة، يقول مونس، وانصرفت إلى التعليم في جامعة الروح القدس الكسليك، والجامعة اللبنانية. 46 عاماً وأنا أدرّس مادة الأنتروبولوجيا والفلسفة وجمالياتها متأثراً بأفلاطون وكثير من الفلاسفة المسيحيين، وتحديداً  بول ريكور وكمال الحاج إبن الشبانية، وإيمانويل مونييه وغيرهم… كانت تعصف بي ميول فكرية وفلسفسة أعطيتها كل إهتماماتي. حتى كتاباتي كانت تتفجر من نبع الفلسفة الوجودية، خصوصاً أنه كانت تعصف بالعالم في تلك المرحلة الحركة الماركسية والإلحاد وكانت الحركة الجدلية بين المادية والتروتسكية والماركسية».

في غمرة هذا الجدل الوجودي، إختار الأب مونس الشخصانية المسيحية متأثراً ب إيمانويل مونييه وكبار الفلاسفة المسيحيين الوجوديين. وترافق ذلك مع أنشطة ومؤلفات وكتابة أعمال مسرحية وفنية ومحاضرات ونقاشات رافقت مسيرة الأب مونس ولا تزال حتى اليوم. كما تأثر الأب بالمدرسة الرواقية للفلسفة وبقصة الفيلسوف «إيبيكتيت» الذي بيع عبداً ولم يفارق النبل قسمات وجهه والعنفوان حدقة عينيه. وكان من أشد المدافعين عن اللغة الفرنسية وقيمها الثقافية والروحية والمسيحية، فكرّمته الدولة الفرنسية بمنحه وسام فارس من رتبة ضابط،ولاحقا تم منحه وسام السعفة الأكاديمية الفرنسية، لكن ظروف الحرب في لبنان حالت دون وصوله إلى السفارة الفرنسية يومها وتلقيه الوسام.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​v

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل