
لطالما شكّلت الصحافة اللبنانية مصدر قلق وكابوسا للأنظمة الطاغية الحاكمة في المنطقة، فأول صحيفة سياسية مناهضة للحكم في المشرق، انطلقت طبعاً من بيروت، عام 1858، أي قبل 158 عاماً.
مراحل عدة عاشتها الصحافة اللبنانية، لم تخل من عقبات ومواجهات، لكن ما شهدته في العهد الحالي من اعتداءات بالجملة على الصحافيين والناشطين، من قمع وتوقيف وتهديد، يوضح الخلل القائم بين الحرية وأهل الحكم الذين لا يحتملون اختلاف وجهات النظر، أو حتى معارضتهم.
ويبقى “صبر” حزب الله هو الأقصر بين أقطاب السلطة، وتبقى تهديداته المباشرة واعتداءاته الجسدية على الصحافيين المناهضين لثقافته أبرز دليل على خوفه من السلطة الرابعة التي لا تبخل بفضح ارتكاباته العابرة للحدود والمجالات.
الإعلامية ليال الاختيار إحدى ضحايا حزب الله، الذي حاول مناصروه تهديدها لمجرد أنها عبّرت عن رأيها المناهض له، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تقول الاختيار، في حديث لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، إن “كلام نصرالله الأخير خطير جداً، وهو نسف لمبدأ الاعلام الحرّ، مستغربة الصمت القاتل للجهات الرسمية المعنية”.
وتضيف، “في حال يعتبر حزب الله ان الاعلام يظلمه فليذهب الى المحاكم هناك يحصّل حقوقه لا في التهديد والوعيد”. وتتابع، “اعلام حزب الله يتهم الجميع بما يشاء، ويصدر الأحكام كما يحلو له، فيخوّن من يريد ويحلّل دم من يريد وهذا أمر مرفوض، فلم الكيل بمكيالين؟”.
وتستغرب الاختيار، “الطريقة السوقية التي يتعاطى بها بعض مناصري حزب الله مع من يخالفهم الرأي، فتنهال عليه الشتائم والتهديدات بالقتل كما حصل معي أخيراً”.
وتتساءل، “هل هذه طريقة تتعاطى فيها القيادة مع فئات المجتمع الأخرى ام انها طريقة فردية صادرة عن جمهوره؟، وفي كلا الحالات هذه الظاهرة يجب أن تتوقف، لأنها مستفزة وبلا جدوى”.
وتستطرد، “اعتقد أن الموضوع أكبر من الاعلام وقمع الحريات، فهناك فريق يحاول تغيير ثقافة المجتمع اللبناني بأكمله ليصبح شبهه، مرات من خلال صور على طريق المطار، أو تماثيل لشخصيات غريبة عن لبنان وأهله. هذه الطريقة تفشل، وتضرّ أصحابها، فجمهورهم ينفر منهم وأصبح يراهم بعيدين عن ثقافته وحياته اللبنانية”.
وعند سؤالها حول ما إذا كانت ستغيّر أسلوب أسئلتها وحواراتها مع ضيوفها، تجيب، “قطعاً لا. حملات التهديد زادت قناعتي بأن ما أقوم به صائب وحقيقي وهذا ما سأبقى عليه دائماً”.
وعلى الرغم من كل محاولات التخويف، أثبت التاريخ أن حرية الإعلام تنتصر في النهاية، برأي المحلل السياسي الصحافي أسعد بشارة، مضيفاً، في حديث لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، “في بلد تأسس وتأسّست معه الحريات العامة نجد أن هناك من يهول على وسائل الاعلام ويبلغهم ما هو المسموح وغير المسموح وهذا يتخطى كل الخطوط الحمر”.
ويوضح بشارة أن “ما جاء على لسان الأمين العام لحزب الله في خطابه الأخير هو محاولة لإسكات الإعلام. هذا الأخير الذي لعب الدور الأكبر في ابراز وجه لبنان الحقيقي للعالم”.
وعن موضوع متاجرة حزب الله بالكبتاغون ومصادرة شحنة كبيرة تابعة له في إيطاليا يقول بشارة، “هذا التحقيق نشر عبر قناة BBC العالمية التي بدورها استقت معلوماتها من السلطات الرسمية الإيطالية وكل ما قاله نصرالله عن أن الخبر اتخذ من الاعلام الإسرائيلي هو افتراء وتضليل علماً انه هو يقتبس دائماً من وسائل الإعلام الإسرائيلية”.
ويؤكد بشارة أن “الجسم الإعلامي تعرض لتهديد علني على مسمع الجميع ومسمع القضاء الذي حتى اللحظة لم يحرك ساكناً، ومن حق الاعلام أن يتضامن لحماية حريته ومن حقه ان يطالب الدولة والنقابات بحماية الإعلاميين ووسائل الاعلام علماً ان هذه السياسة تراث قديم تتبعه هذه الجهة لممارسة الضغط”.
ويكشف عن أن “مبادرة إعلاميون من أجل الحريّة كانت تتجهز لتحرك كبير دعماً للإعلام وحرية التعبير مطلع هذا الأسبوع لكن الأوضاع الصحية الراهنة أدت الى تأجيله لا إلغائه”.
ويطمئن الغيارى على حرية الاعلام قائلاً، “اغتيل سمير قصير، جبران تويني، كامل المروّة، احرقت مؤسّسات إعلامية، هدد أصحاب المؤسسات ولم تتراجع الحرية في لبنان فالحرية في لبنان اقوى دائماً”.
حرب ثقافات هي اذاً، لا قمع حريات فقط والهدف الحقيقي، على ما يبدو، هو تغيير وجه البلد لتصبح معالمه غريبة عن الناس. فهل تنجح الخطط السود في تنفيذ مخطّطاتها أم يثبت اللبنانيون مرة أخرى أنهم عشاق الحياة، والحريّة والحقيقة؟
