عَقد باسيل السياسي “تجليطة مصلحية”

في ظل الأزمات العاصفة التي ضربت لبنان على المستويات كافة، بدا كلام رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل حول عقد سياسي جديد للبنان، لافتاً ومُستغرباً في الوقت عينه. فالرجل الذي أطلّ مفاخراً بعرقلة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، تحت شعار الوجود المسيحي الحرّ، قدّم مرة جديدة أوراق اعتماده الممهورة بمعاناة اللبنانيين المعيشية والاقتصادية والوبائية، الى حزب الله، وربط نفسه بالتحالف والتكامل معه ومع سياسته حتى الرمق الأخير، في محاولة لإعادة تعويم نفسه سياسياً، علّ رياح معركة الرئاسة المقبلة تجري بما تشتهي سفنه.

 

ما لم يقله الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله جهارة، في إطلالته الأخيرة، تولى باسيل التبشير به، ليكون كلامه من أكثر المقاربات تكاملاً مع حزب الله، إن لجهة ربط لبنان بالملفات الإقليمية، أو لجهة المطالبة بصيغة جديدة للبنان.

قد يفهم اللبنانيون مطالبة حزب الله المستقوي بسلاحه، بعقد جديد يعيد رسم موقع الطائفة الشيعية في النظام السياسي اللبناني، واستبدال المناصفة بالمثالثة، لكن كيف لمن يحمل لواء الوجود والدفاع المسيحي أن يتماهى مع المثالثة، وماذا عن الحقوق “الضائعة” و”الرندحة” اليومية التي لا تنتهي عنها وعن كيفية استعادتها؟

 

مقابل هذا التمويه والثرثرة السياسية، الذي يزيد الوضع توتراً وشرخاً، فليتذكر من يعنيهم الأمر كلام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في 6 ايلول 2020، في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، “نحن جاهزون دائماً، لكن ليس كما تشتهيه رغباتهم. إذا أرادتم مؤتمرا تأسيسيا جديدا، فأهلا وسهلا، لكن اعلموا أن محوره الأساسي سيكون اللامركزية الموسعة، علماً أن البند الأول من خارطة الطريق التي وضعها اتفاق الطائف، تنص على الإعلان عن حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتسليم أسلحتها إلى الدولة. نحن مستعدون، لكن تبعاً لمندرجات الطائف لا تبعاً لاجتهاداته هو”.

 

فما جدية طرح باسيل، وهل هو قابل للحياة في ظل هذا الإنهيار؟

 

حمادة: ليذهب باسيل وعمه الى البيت

يقول النائب المستقيل مروان حمادة إن اقتراح باسيل غير جدي، وهو صادر عن شخصية لا صفة لها، كما أن نهجها كان مدمراً للمؤسسات منذ ما قبل الطائف حتى اليوم، جازماً بأنه لا تعديل على آلية الحكم، إلا من خلال المرور بالوسائل الدستورية، وبإجراء دراسة متأنية تحدد ما يريده اللبنانيون جميعاً.

 

يذكّر، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، بالتطورات التي رافقت الوصول الى اتفاق الطائف من حروب بين الطوائف وضمنها الى الاحتلال السوري وقبله الاسرائيلي، مؤكداً أن مُزاح وولدنات باسيل واعتقاد نصرالله بأنه قادر على فرض سيطرة طائفة دون سواها على التركيبة اللبنانية، ليسا سوى أوهام.

 

ويلفت الى ألا بحث خارج التعددية الموجودة التي لا بد أن تترجم من خلال المؤسسات، عبر تشكيل الحكومة وإيقاف التدهور الحاصل، وإجراء حوار بين اللبنانيين، بمواكبة دولية، لأن لبنان بهذا العهد، فقد سيادته وحدوده ومبدأ فصل السلطات وتعاونها واستقلالية القضاء، مضيفاً، “نحن اليوم امام إفلاس شخص ونمط حكم وأوهام حزب”.

 

يرفض حمادة السير بالقانون الانتخابي المطروح على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة، لأن ذلك سيؤدي الى المثالثة، وبالتالي الى تقلص إضافي في الدور المسيحي الذي يُعتبر من اسباب قيام لبنان، وإذ يبدي خشيته من هجرة إضافية او انفجار البلد الى كيانات غير سيادية تتناحر كما ايام القائمقاميتين، يطالب بورشة حيادية وفاقية تحترم التعددية والحياد، ما يضمن السيادة والحدود الآمنة والعيش المشترك واحترام المؤسسات. كما يبدي تخوفه على الجيش بعدما تحولت الغرفة العسكرية في القصر الجمهوري الى غرفة سوداء تحضر المكائد، موجهاً دعوة ملحة الى القوى اللبنانية السيادية، للحوار الحقيقي ورصّ الصفوف للسير بهذه الورشة.

 

ويتوقف عند النظرية التي تقول إنه لا يمكن الوصول الى عقد جديد الا من خلال انتخابات جديدة، معتبراً أنه مرّ بتاريخ لبنان مجالس نواب كانت خاضعة لجهات سياسية معينة، لكنها انتخبت عكس انتماءاتها، معولاً على انقلاب التحالفات في اي لحظة، يضيف، “حزب الله الى مزيد من الضعف والتراجع، فكلما ازدادت صواريخه كلما اختلط اسمه بالفاجعة والإفلاس اللبنانيين. وعلى الرغم من أنه يتحمل مسؤولية كبيرة لما وصلنا إليه، تقع المسؤولية الأكبر على تساهل وخضوع رئيس الجمهورية ميشال عون الكامل لهذا الخط الذي لا يشبه لبنان لا اقليميا ولا دوليا ولا حضاريا ولا اقتصاديا، بعدما باتت صورة بلدنا مرتبطة بالقرض الحسن المفلس اصلا”.

 

وإذ يأسف لوصول لبنان الى القعر، يؤكد الا خروج مما نحن فيه الا بتغيير العهد، لأن “عون وباسيل غير قادرين على قيادة المسيرة والوفاقية الحيادية التي نطمح اليها”، والحل بأن “يقعد جبران باسيل وعمو بالبيت”.

 

الياس: طرح باسيل مصلحي

المؤرخ والباحث في العلوم السياسية ايلي الياس، يلفت بدوره الى أن حديث باسيل عن عقد جديد ليس جدياً، إنما هدفه الدفع باتجاه فرض شروطه على التشكيلة الحكومية، لتحسين مكتسباته الشخصية، مشيراً الى أن العقوبات الاميركية التي فرضت عليه، أقحمته أكثر في المحور الإيراني بمعنى، “لا احد يستطيع أن يجعلني رئيساً للجمهورية إلا الإيرانيين”.

 

ويشير في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني الى أن أي عقد سياسي جديد يحتاج الى ذهاب كل الأفرقاء الى طاولة حوار، مؤكداً أن أي نظام جديد من شأنه أن يضرب الميثاق الوطني، يبقى غير مقبول ويؤدي حتماً الى نهاية البلد أو الى حرب أهلية وفوضى عارمة.

 

ويرى أن الحلّ الوحيد اليوم، يكمن بالعودة الى اتفاق الطائف، بعد أن يسلم حزب الله سلاحه، مذكراً بأن بنود الطائف تحتوي على أكثر من فكرة يؤدي تطبيقها للوصول الى برّ الامان، منها اللامركزية الإدارية الموسعة والغاء الطائفية السياسية والغاء المادة 95 من الدستور التي توزع دوائر الدولة على الطوائف بشكل متساوٍ.

 

يشدد الياس على أن نية حزب الله بتغيير النظام مبنية على فائض القوة الذي يملكه من خلال سلاحه، جازماً بأن أي حديث مستند الى فائض القوة لا معنى له، ولن يمرّ عند بقية الاطراف، ويضيف، “حبذا لو طرح الحزب هذه الفكرة من المنطلق الثقافي – السياسي البحت، لكن المشكلة أن الطرح احتلالي هدفه السيطرة على البلاد، وهذا لن يمر”، مؤكداً أن الحل يبقى بوقوف الشعب على رجليه واستكمال ثورته، محطماً كل المحرمات.

 

ويوضح أن لبنان دولة مدنية على المستويات كافة، باستثناء الأحوال الشخصية التي بقيت خاصة بكل طائفة، ناضلت عبر تاريخها للمحافظة على وجودها، معتبراً أن الحل لتغيير هذا الواقع يكون بخطوات إلزامية تبدأ على سبيل المثال لا الحصر، بالزواج المدني الإلزامي، الذي قد يشكل مدخلاً للدولة المدنية الحقيقية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل