الحكم المجرم

إذا ترصّدنا ما يجري في حديقةِ ” المسؤولين “، عندَنا، الذين لا يظهرُ على وجوهِهم إلّا مَعالِمُ الشَّرك، لا يسعُنا إلّا أن نتبنّى واحداً من وَصفَين: الإجرام أو التَّهريج، وأنا أميلُ، حتماً، الى أن أُضفيَ على الموبوءينَ من حكّامِنا هالةَ الإجرامِ المُبين.

لقد توالَت، عندَنا، فُصولُ المعاركِ التي تنتهي، دَوماً، وللأسف، بخسارةٍ مُدوِيّةٍ للوطنِ، في جمهوريةٍ مريضةٍ، تَخضعُ للمُحَرّماتِ التي باتَت تَخرجُ لِلْعَلَنِ، أكثرَ فأَكثر، من دونِ أن يَرِفَّ لمُرتَكبيها الوَقّاحينَ، في السّلطةِ وفي خارجِها، جَفنُ حَياء، وهم يَدوسونَ على أَنقاضِ بَلَدٍ ابتَلاهُ الزّمانُ بهم، واضطُرَّ أهلوهُ على الإِصطِبارِ المُكرَه، نتيجةً لِوَفرٍ، عندَهم، ربّما، في الإِباء. وآخرُ مواسمِ المَهازِلِ أو التَّهريج، والذي أرسَلَ سراياهُ القاتلةَ في مفاصلِ النّاس، فأرداها صحيّاً، واقتصادياً، وتهجيراً، وإفقاراً… كوميديا الحكومةِ، تكليفاً، وتأليفاً، وتسويفاً، وإِجهاضاً، واستِغلالاً… وهي كوميديا مُكوَّنةٌ من مشاهدِ الإنحرافِ الوطنيّ، والهَذَيانِ السُّلطَويّ، والكذبِ المُقَنَّع، واستسلامِ هَيبةِ ما يُسَمّى الدّولة، لِهَيبَةِ مُغتَصبيها، الرسمِيّين، ومُحَرِّكيهم، والزّاحِفين خلفَهم.

لقد اعتبرَ القابِعونَ في السلطة، بعيداً عن الضّمير، وفي مَنأىً من المسؤوليةِ الوطنية، أنّ الشعبَ مُصابٌ بالمُومْيائِيةِ، ومَشلولٌ، ومُحَنَّطٌ، ومُجبَرٌعلى إستراتيجيا الصَّمتِ، حتى لا يُكاشِفَ، ويُجاهِرَ، ويفضَح، وهو، أيضاً، مَفطورٌ على التّصفيقِ البَبَّغائيِّ الذي لا يمكنُ أن يوقِظَ، فيهِ، برأيِهم، ما غَفا منَ التَّسامي والأَنَفَة.

والمسؤولون العِصابِيّون الموبوئون، وهم بلايا الوصوليّةِ والطَّمع، والعَكَرِ الأخلاقي، يتناطَحونَ في العَلَنِ، أمامَ ” الزَّقّيفَةِ ” الأغبياءِ والمُستَغبين، وما إِنْ تُسدَلُ الستارةُ عن ضُروبِ خِداعِهم، حتى يُسرِعوا الى تَقاسُمِ الغَلَّةِ، أو الى تهشيمِ واحدِهم الآخر، نتيجةً لعدمِ التّوافقِ على النَّهبِ، والتَّحاصُص.

السّلطةُ، في أيّامِنا، خِرّيجةُ معهدِ الزَّغَلِ والغَرائزِ، وأركانُها، في غالبيّتِهم العُظمى، كَسبوا الرّهانَ على غباءِ النّاسِ، وإِحباطِهم، فأطلّوا، من بابِ الخُطابِ التَّحريضيِّ المَذهبيّ، خصوصاً، والذي شَكّلَ رافعةً أمّنَتْ لهم، ولا زالَت، انسياقاً شَعبَوِيّاً لاواعِياً، في مجموعاتٍ لم يَدبَّ فيها مرضُ الإرتيابِ بنَزَواتِ الرّؤوسِ والنّفوس، ولم تُذهَلْ أمامَ الموبِقاتِ التي يرزأُ بها الوطنُ، من غرائزِالسّرقة، والفساد، ومن عاهاتِ الكيديّةِ، والتَعَنُّتِ الأَرعَن، وما أكثرَ المُصابين…

إنّ زمنَ حَبّابي الكراسي لا يُشبِهُ النَّعيمَ، أبداً، عندَنا، وكأنّ الفضائلَ الوطنيّةَ والخلقيّةَ لم تَنبُتْ في جُثَثِ هؤلاءِ، ولم يستَطعِمها داخلُ عَظمِ أَمخاخِهم. وعلى هذا، سوفَ تُستَبعَدُ مُبادراتُ إحلالِ السَّلامِ، بينَ ما يُسَمّى المُسَنّناتُ المُعَوَّقَة في مجتمعِنا السياسيّ، إلّا إذا تَمَّتِ العودةُ الى المُشتَرَكَ بينَها، أَعني تَقاسُمَ المَنافع. ولا يُفهَمُ رَفعُ السّقفِ، تارةً، ثمّ خَفضُهُ، بِشكلٍ مُفاجِئٍ، إلّا من هذا الباب، كما أنَّ خُفوتَ وتيرةِ الإِتّهاماتِ المُتقابِلَة، لا يعني غيرَ القَبولِ بالتَّسوياتِ المَشبوهة، وعلى حسابِ كرامةِ الوطنِ وحقوقِ أهلِه.

إنّ بلدَنا هو سُوقُ نَخاسةٍ، الغَلَبَةُ فيهِ لِلأَفْجَر، وللأكثرِ كَذِباً، وللمُقَولَبِ بالنّفاقِ والعهر. رحمَ اللهُ زمنَ الأوائلِ، أولئكَ الكاشِفينَ عن عُلُوِّ مَحلِّهم في كيمياءِ الأخلاقِ السياسيةِ والوطنيّة، عندما كانَ التنافسُ السياسيُّ حدودُهُ الرُقِيُّ، والقِيَم. أَينَهُ منَ الذينَ يتبارونَ، اليومَ، على مَنْ يَنجحُ أَكثرَمن سِواه، في الهُبوطِ دونَ مُستوى رِكابِ الفَسادِ، واحترافيّةِ الوقاحةِ في النَّهبِ، والدّسائس، والقَهقَهَةِ فوقَ حُطامِ الوطن وأشلاءِ شهدائِه. وإذا سَمِعْتَ المُتَسلِّطينَ والمُتَزَعِّمين في ضَجيجِهم التراجيديّ/ الكوميديّ، لا يَسَعُكَ سوى أنْ تقولَ: إنّ الوقاحةَ في اغتيالِ الوطنِ، مرّت من هنا.

أمامَ القَيِّمينَ المُجرِمين الذين لا يستأهلون سوى عِمْدِ التّينِ، وحَبلِ المشنقة، أوليسَ إلزاميّاً أن يَتكَوَّنَ، عندَنا، شعبٌ شَمشونِيُّ القالَب، يَهدمُ ” السُّوقَ ” على مَنْ فيه، ليَطلَعَ، منَ الرَّمادِ، مَنْ يَهتفُ: لا رَدَّكِ اللهُ أيّتُها السّلطةُ المُجرِمةُ التي حوَّلْتِ حياتَنا درباً موصِلاً الى جهنّم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل