


كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1712
يوم قداس الشهداء في أيلول 2019 في معراب، جلس كاهن وقور الى كرسيه الجرار قرب باقة الكهنة. إنتهى القداس فالتف الرفاق من حوله، وانهمرت عليه الأسئلة والإطمئنان والبسمات، سألت يومذاك من هو هذا الكاهن، ولماذا فائق الإهتمام من الحكيم والرفاق؟ قالوا إنه المونسنيور سوڤور الخوري. في 6 شباط 2020 دوى خبر «رحيل المرشد الروحي للمقاومة اللبنانية» فكان هو ما غيره مونسنيور سوڤور الخوري، أهو فرنسي؟ لا. المونسنيور لبناني أبًا عن جد، لبناني ماروني صميم عذّبنا قد ما جرّب يعدينا من حبو وتعلقو بلبنان، خلانا نحب بلدنا متل ما هوي حبًّا» يقول المناضل فادي عازار.
من أنت يا بونا القلب؟ ولماذا أحبّك المناضلون واحترموك الى هذه الدرجة؟
ذات صباح إستيقظ المقاتلون في المجلس الحربي بالكرنتينا على صوت قرع جرس كنيسة قريب جدًا. كانوا في العادة يذهبون الى القداس في الكنائس الأقرب الى مراكزهم، لكن ذاك الصباح إختلف الأمر، إذ خرج المناضلون من أسرّتهم عند الفجر ليجدوا أن صار لهم كنيسة خاصة بهم في قلب المجلس، يصلّون فيها قبل الذهاب الى متاريسهم حيث صلاة الكرامة، وثمة كاهن يتوجه إليهم عند ساعات الصباح الأولى ليوقظهم من نعسهم «يللا يا شباب قوموا ع الصلا». كان الأب سوڤور خوري مع بونا خوند وكهنة آخرين.
من أنت يا بونا، ولماذا آمنت الى درجة إعتناق رسالة هؤلاء الشباب وأنت رجل دين، حسبك وعلاقتك بربك فقط ومن دون سواه. «لو كان البونا سوڤور عايش وسألتيه هالسؤال كان جاوبك «المقاومة اللبنانية صلا للبنان وصلا للرب»، يقول المناضل فادي عازار الذي عايشه وواكبه وكان له معه الكثير من حكايات الإيمان تلك.
«المونسنيور من هون من ضيعتنا عين درافيل»، يقول بفخر المناضل مانو خوري «يللي ما بيعرف بونا سوڤور ما بيعرف شي عن العمل الكهنوتي الإنساني، وعن النضال الحقيقي كرمال الإنسان. يبقى يجي لعندي بهالليالي بالسر ويقلي «مانو عايزك ضروري فلان محتاج وفلانة تعبانة، وهالعيلة مخنوقة بدي تساعدني تـ روح زورن وخفف عنهن بهالمساعدات»، ويدور بالعتم يعطي المحتاج من جيبتو وما حدن يعرف فيه. المونسنيور كان رسول حقيقي للمسيح ع الأرض» يقول مانو.
«كان عمرو 12 سنة نلعب سوا بيت بيوت وياخد دور الأبونا ويشقع حجار قدام الباب ع أساس هيدي كنيسة ويصير قال يجوزنا» يقول شربل خوري، شقيق المونسنيور الراحل. 12 أخ وأخت في بيت واحد عاشوا على حب واحد كبير لا يتجزأ، حب الرب «كان ترتيبو بالوسط وكان الوالد موظف بالريجي ويحاول يشتغل أكتر من شغلة ويتعب كتير ت يقدر يربينا، وربينا عيلة مارونية محافظة على تقاليدها الكنسية والوطنية، وكان سوڤور متمايز عنا بتعلقو الشديد بالطائفة ويضل يقول الموارنة مجد لبنان الحقيقي. ما شفت بحياتي إنسان حب بلدو قدّو لدرجة المعاناة الحقيقية خوفا انو تضيع بلادنا» يقول شقيقه شربل.
كبر الأخوة وقرروا الهجرة الى كندا وكان الأخ الأكبر سند العائلة بداية. وكبرت أعمالهم في الغربة لكن لم يعجب الأمر أبونا سوڤور، كان يريدهم أن يبقوا هنا في أرضهم وأن ترتوي أرضهم من تعبهم ونضالهم في الحياة، كان يريد أن يتعلقوا ببلادهم كما هو يفعل تمامًا، «الأرض بتحتاج للناس ل متلنا متعصبين لريحة ترابها» يقول لاخوته. «وبقي ينق علينا ينق علينا تـ نرجع ع لبنان ورجعنا واشترينا بيوت وأراضي بالبلد وعلّقنا بلبنان أكتر وأكتر».
رفيق البشير منذ إنطلاقة المقاومة اللبنانية، كان يعرف تمامًا أن لولا وجود هؤلاء الأبطال لصار لبنان ممرًا للغزاة والطامعين. كان يؤمن أن شهداء المقاومة صنعوا وطنا بدمائهم، وأن الأحياء هم هم ركن لبنان ودرعه. أحبَّ الشيخ بشير وأُعجِبَ بشجاعته اللامتناهية. خطوة خطوة مشى معه درب الحب على طريق لبنان. خطوة خطوة رافق الشباب وكان لهم المرشد الروحي والوطني «المونسنيور أسس الكشاف الماروني قد ما كان معجب بنضال الموارنة عبر التاريخ وبنضال شباب المقاومة، كان بدو روح نضال مار مارون وإنسانيتو تبقى راسخة بروح الأجيال الجديدة، وأسس مدرسة الحكمة بعين سعادة وكانت الأشهر بمستواها العلمي العالي ونال جوائز كثيرة» يقول شربل.
عاشق الطبيعة والضيعة والعادات التقاليد القروية القديمة التي أساسها الكرم والعنفوان والتعاون والبساطة، أصر حتى أيامه الأخيرة على إقتناء بقرة وعنزة ودجاج «حياة قلبو الضيعة كان يعتبرها الحياة الحقيقية لأنو بيحبّ البساطة والتواضع». يقول شربل ببسمة قلب للمونسنيور كمن يلقي عليه التحية.
لا ينسى المناضلون ذاك النهار حين غرز بونا سوڤور ذاك الصليب المشطوب في أرض المجلس الحربي. بدا وكأنها صاعقة غرزت جذورها في أرض المكان، صاعقة حب مجبولة بالنضال لأجل وطن يرفض إلا أن يغرز عنفوانه في عمق أعماق الأرض دلالة على التشبث بها وبجذورها وبحريتها. «كان كاهن إستثنائي، هو لـ علّمنا إنو الإيمان مزدوج، وبيقدر يتلاقى بذات المطرح، البارودة لأجل كرامة الوطن متل الصلا على مذبح الرب، كان يقول الأرض صلا ولبنان صلا والمسيح هو الطريق، ويباركنا بكل معركة مزنرة بالخطر لأجل بلادنا» يقول فادي عازار. ويروي ويروي حكايات وحكايات عن حبه للمقاومين، وعن إصراره على تكريم شهداء المقاومة تحديدًا «بس طلب منا الحكيم تجديد بلاطات المدافن برعية مار مخايل، طلب منا إنو ناخد إذن المونسنيور وهوي بيساعدنا، ولما سألناه فرح كتير وقال برافو برافو الشهدا لازم يتكرموا وتبقى بيوتن مزينة بالوفا وأنا جاهز لكل مساعدة» وهيك صار. بزمن الإحتلال السوري وكل العيون عليه وعلينا كان يصرّ إنو شباب المقاومة ينظموا شخصيًا مسيرة درب الصليب نهار الجمعة العظيمة، ولما سألوه ليش يا بونا جاوب بكل حزم «هودي الشباب مشيوا بمقاومتن درب صليب على خطى المسيح لتحرير بلادن وإلهن فضل علينا وعلى البلاد ولهم الأفضلية بتنظيم هالنهار»، كنا نحبو كتير ونحترمو وبقينا على تواصل معو حتى آخر إيامو» يقول عازار.
«ذات يوم إضطُر المونسنيور الى السفر لتفقد الرعايا خارج البلاد. زار 56 بلد ويبقى يتصل فيّي ويقلّي «بدي أوكسيجين من لبنان بدي شم ريحة لبنان يا خيي دخلك بعتلي أوكسيجين قلبي مخنوق»، يقول شربل، ويخبر أن المونسنيور الذي حمل قلبه وراء المقاتلين كان يُصرّ عليهم بان يتزوجوا بأسرع وقت ليزوجهم شخصيًا من جهة، وليكون لهم عيلة كبيرة تُنجب أبطالا يعشقون لبنان مثله. «فخرنا الكبير بالعيلة هو المونسنيور سوڤور، هو بركة بيتنا وبركة المناضلين وهو المثال الأعلى إلنا ولولادنا» يقول شربل.
بي الفقير خانه القلب الكبير، القلب الكبير المسكون بالوطن الصغير الكبير، كان حزيناً خائفاً في أيامه الأخيرة. خاف على لبنان وكان يشعر أن خطرًا كبيرًا يتهدده. ومع ذلك كان يردد دائمًا «ما تخافوا على لبنان عندي إيمان إنو لبنان ما بيخلص ومش رح يخلص ورح نبقى هون وكل الباقيين رح يفلوا. مش لازم نخاف».
68 عاما وضعت نقطة على سطر حكاية المونسنيور على درب الحياة، لكن المرشد الروحي للمقاومة اللبنانية، ترك العبق الكبير في قلب سمير جعجع، وكل الرفاق وغير الرفاق، إذ كانت أعماله الخيرية عابرة لروح الإنسان أولا وآخرا. كتب الكثير، دخّن سجائره الكثيرة، إمتلات الرئتان من عبق لبنان الى درجة الفيضان. لم يقتله فائض الحب للأرض إنما فائق الشوق إليها، تلك الحلوة الحرة المغروزة عزًا وحرية وبيارق أحرار وصلبان الإيمان لأجل الإنسان. فكان عبق المسيح في قلب المقاومين، وعبق الإيمان في قلوب الفقراء، وهيك شلح أخضر من شلوح أرزة مغروزة في عمق التراب ولا تقتلعها رياح ما دامت تسكن القلب. هالقد كنت تحب لبنان يا بونا؟!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]v
