الخوري هاني طوق بلّش والرب يَسًّر – 1

كتبت جومانا نصرفي “المسيرة” – العدد 1712

الخوري هاني طوق بلّش والرب يَسًّر

لا ننكسر ولسنا عبيدًا ولا نموت إلا واقفين (1)

 

4 آب 2020. لم يكن الأب هاني طوق الوحيد الذي عاش صدمة إنفجار مرفأ بيروت الذي أدى إلى سقوط حوالى 200 ضحية وجرح أكثر من 6000 مواطن وتشريد آلاف العائلات وتدمير المنازل والمؤسسات…

بعد أيام نزل الأب طوق إلى محيط المرفأ. حاول أن يجد الجواب من خلفية الكاهن فكان الجواب… «يا رب خلص الحكي وإنت بتعرف خلاصن». حاول أن يكرر الزيارات لكنه كان في كل مرة يغرق في بحر الدموع على وجع كبير، وجع الضحايا وأهاليهم، وجع الجرحى والمعوقين، وجع المشردين الذين فقدوا البيت والذكريات وجنى العمر…. إلى أن تدخل ملهمه يسوع، وطرح عليه السؤال الذي طرحه الرب على قايين: «أين أخاك؟». لكن جوابه لم يكن على غرار قايين «أأنا مسؤول عن أخي؟

شمّر الأب طوق عن ساعديه إرتدى قبعة الطبَّاخ وربط المريول الأبيض حول خصره واتخذ من أحد المستودعات في منطقة الكرنتينا موقعا لتقديم حوالى 600 وجبة ساخنة يوميًا توزع على الجمعيات والعائلات والمتطوعين تعاونه مجموعة من الشبان والشابات من لبنان وفرنسا.

أبونا هاني طوق تكلم قليلاً عن الخوري المقاوم. ذهب إلى أبعد من حدود الأنا وتكلم عن مفهوم الراهب المقاوم في المجتمع. وبين إستراحة الكاهن الأستاذ عبر الأونلاين وتقطيع «شوالات» البصل، كان الحوار… «بلشنا والرب بيسِّر».

منذ القرون الأولى وعلى مدى العصور كانت للكنيسة مداخلات عديدة في الحقل الإجتماعي وكان على المسيحيين إتخاذ مواقف واضحة من الإنجيل تجاه المشاكل الإجتماعية والأزمات التي يعانيها الناس. وعلى مر العصور كانت الكنيسة في مواسم الحروب والأزمات الإجتماعية، تزرع بذور المحبة والعطاء ولو بصورة متفاوتة ويأتي الحصاد لاحقاً ليثبت أن الدور الذي تلعبه في مساندة أبنائها فعل فعله.

ينطلق الأب هاني طوق في تعريفه عن دور الراهب المقاوم بالسؤال الذي طرحه الرب على قايين: «أين أخاك؟ ويجيبه: «أأنا مسؤول عن أخي»؟. «نعم» يجيب بثقة وقناعة. «أنا وأنت مسؤولون عن أخينا الجائع والعريان والمخطوف، كلنا مسؤولون عن محاسبة الفاسدين ورفع الصوت عاليًا وتطوير الموهبة التي منحنا إياها الرب لخدمة أخينا الإنسان». ويضيف طوق: «المقاومة في حياة الراهب والكاهن هي فعل نضال يومي من أجل تحقيق ملكوت الله في حياتنا والوصول إلى قمة السلام مع الذات والطبيعة والآخر. وهي السعي عملياً لاستثمار الوزنات التي أُعطيَت له من قبل الله وسط الجماعة في الدير أو الرعية. الراهب المقاوم هو من يجعل من الخير العام هدفاً أساسياً في حياته ويناضل من أجله وصولاً إلى الحرية ورمزية العبادة والتفكير. فالمسيحية في العمق مبنية على مبدأ الحرية لذلك كان الرهبان والكهنة من المناضلين الأساسيين في سبيل الحرية. وهنا نفهم إلى حد ما الأسباب غير المباشرة من تأسيس المدارس والمعاهد والجامعات. لأن العلم والثقافة كفيلان في تحرير الإنسان من عبودية الجهل وبناء العقول النيّرة القادرة على النقد الذاتي ونقد الآخر والخروج من الإطار التقليدي للدخول إلى مفهوم الحداثة مع كل ما تتضمنه من معايير ومفاهيم دينية معمّقة».

لطالما تفاعلت الكنيسة وخصوصًا الرهبانيات مع القلق على المصير الذي كان يعتري المجتمع المسيحي خصوصاً واللبنانيين عموماً. فلعبت أدواراً وطنية مهمة إنطلاقا مما يمليه عليها تراثها الماروني والرهباني. وهذا المسار بدأ إبّان الحرب العالمية الأولى حيث تحولت الأديرة إلى ملجأ للجياع والفقراء والمحتاجين، فرهنت الكنيسة  أراضي الرهبانية لإطعامهم بهدف الحفاظ على الوجود المسيحي وعدم جرّ الشباب إلى الإستسلام أو الهجرة، كما أمنّ الرهبان لأهلهم جزءًا من مقوّمات الصمود لإبعاد عوامل الخضوع والإستسلام والتشبث أكثر في مواجهة محاولات القضاء عليهم.

وكما في الحرب كذلك في السلم. فالدور الذي يقع على عاتق الراهب والكاهن يلامس الجهاد اليومي ويشكل قراءة من فصول الكتاب المقدس. يقول الأب طوق: «المقاومة في حياة الراهب والكاهن متعددة الفصول. في التعليم الرهبان يقاومون، في تحويل الأرض الصخرية إلى زراعية يقاومون، وفي الصلاة يحملون وجع ومعاناة شعبهم ويضعونها على مذبح الرب. وفي مراحل الظلم كانوا يفضلون الشهادة على حمل السلاح، علمًا أن هناك الكثير من المحطات التاريخية التي تسرد حكاية رهبان حملوا السلاح دفاعًا عن شعبهم وأرضهم وكنيستهم. ومن أبرز وسائل الدفاع التي لجأ إليها الرهبان في عهد المماليك تحويل الأراضي إلى «جلول» لزراعة التين والكرمة والقمح وتربية الماعز الأسود ومن هنا «الأسودين» نسبة إلى الماعز الأسود والرهبان الذي كانوا يحيكون أثوابهم من خيط الماعز الأسود».

نسأل عن تلك الوزنات التي يضعها الرب في أعماق كل راهب وكاهن فيكون الخادم لرعيته والمقاوم في زمن الصعاب والأزمات ويجيب الأب طوق: «الراهب أو الكاهن مسؤول أمام الله تجاه شعبه. عندما ننفصل كلياً عن ملذات العالم تصبح الصلاة ركيزة أساسية للبقاء مع الرعية ليقودها إلى طريق الله. وعندما أرتدي ثوب الكهنوت أصبح على مثال يسوع المسيح فأبذل نفسي من أجل خرافي وأكون مسؤولاً عن ثلاث وزنات: كلمة الله، وتدبير شؤون رعيتي وتعليمها على الغفران والحب والمسامحة، لكنني في الموازاة مسؤول أيضًا في الدفاع عن كل فرد من أفراد رعيتي تمامًا كما يدافع الراعي عن قطيعه. صحيح أننا لا نمجد السيف ولا ندعو إلى القتل والشر، لكننا ندافع عن أرضنا وشعبنا ولا نتأخر عن حمل السلاح دفاعًا عنهم. وهنا لا بد من التذكير بالدور الذي لعبته الكنيسة قبل ولادة لبنان الكبير حيث كان للرهبان والبطاركة الدور الأكبر في الإمساك بدفة القيادة. حتى  في أيامنا ترانا نلجأ إلى الكنيسة ونسأل عن دورها في عز الأزمات لأنها مسؤولة عن شعبها وناسها».

 

الحياد الناشط فعل مقاومة

يضع الأب طوق نداء الحياد الناشط الذي طرحه البطريرك بشارة بطرس الراعي في إطار المقاومة إضافة إلى سيرة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير ونضاله في الدفاع عن لبنان وتحريره من الوصاية. ويشدد الأب طوق على مفهوم المقاومة بالثقافة في أيامنا ويقول: «ترتكز مقاومة الرهبان اليوم على البعد الثقافي خصوصاً في ظل الهجمة الشرسة على البعد الثقافي من قبل مجموعة من السياسيين والمفكرين والأحزاب لتغيير وجه لبنان الحقيقي. نحن نخوض حربًا ثقافية شرسة ومقاومتنا ثقافية بامتياز، ومدعوون إلى النضال في الأدب والفن والصحافة وحتى الرياضة والإدارة العامة عن طريق إدخال أشخاص لديهم حسّ الإنتماء إلى لبنان وتقع على الكنيسة مسؤولية كبيرة في قيادة هذه المقاومة لأن تراجعها عن التدخل في الشأن العام يعني حتمًا فشلها في الدور المسند إليها من الله». ويضيف الأب طوق: «أنا إبن هذه الكنيسة وأتأثر بكل العوامل والظروف، الجوع الفقر الفساد السياسي لكنني أتدخل في الشان العام دفاعاً عن شعبي وتاريخي وتقاليدي وأفكاري. ويردد قولاً ل مارتن لوثر كينغ: «أسوأ الأشخاص هم الذين يقفون جانبًا في القرارات السياسية والأخلاقية».

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​v

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل