عزيمتنا وإرادتنا الأساس

لطالما عاير محور الممانعة السياديّين والكيانيّين الأحرار عندما كانوا يترقّبون أيّ موقف خارجي، سواء أكان إقليميًّا أم دوليًّا، ليعود ويبني هو شخصيًّا هجومه السياسي. وها هو اليوم يتباهى بأنّه يعتمد على قدرته الشخصيّة، كذلك يستند إلى قدرات بيئته الحاضنة للصمود والتّصدي ساخرًا من البيئة الكيانيّة التي لم تعتد إلا الاعتماد على سواعدها الوطنيّة، مع قراءتها بالتأكيد للمتغيّرات الدّوليّة والاقليميّة.

وها هو فريق الممانعة يمعن في تعطيله مسألة تشكيل الحكومة انتظارًا لنتائج الإنتخابات الأميركيّة. وبعد صدور هذه النتائج رسميًّا، وتثبيت فوز الرئيس جو بايدن، تعالت أبواق الممانعة شامتة ممّن كانوا يترقّبون استمرار النّهج “الترمبي” ليستعيدوا مستثمرين النهج الدولي للسلطة ممَّن سطوا عليها في لبنان بالاحتيال على الدّيمقراطيّة والانقلاب على نتائجها بفعل سلاحهم غير الشرعي. ها هم اليوم يهلّلون لبايدن بعدما تمّ تسريب نواياه في إعادة الاتفاق النووي مع إيران، والدخول مجددًا في اتفاقية المناخ الدولية. صحيح أن “الدني دوّارة”.

لكن هؤلاء جميعهم لا يقرؤون التاريخ بل يعتبرونه مجرّد فعل استغلالي للانسانية، مفرغينه من بعده الانساني الذي لا يُجِيز الخطأ على حساب الإنسان؛ مع تأكيدنا على وجود أمثلة في التاريخ الحي الانساني تفيض بالنكسات الانسانية؛ ولعلّ أبرزها مثلا، المجازر الأرمنية التي لا يزال الشعب الأرمني يعاني من ذيولها، حتى بعد قرن ونيّف على انقضائها.

من هذا المنطلق، على اللبنانيين جميعهم الإدراك بأن التغيير المرتجى لن يكون إلا من صنع يديهم وحدهم. ولا خوف على من قاوم المملوكي، والعثماني، والفرنسي، والفلسطيني، والسوري، أن يقاوم مَن تسوّله نفسه اليوم بجعل لبنان منصّة رسميّة لصواريخه. فما رفضناه طوال هذه السنين لن نقبل به أبدًا اليوم، حتى لو كان هذه المرة الاحتلال المراد فرضه من أترابنا بالوطن. أي أنّ ما تمارسه إيران اليوم بذراعها في لبنان عبر حزب الله، لن يمرّ لا تحايلا على الديمقراطية، ولا حتى بقوة السلاح والفرض بالاكراه.

لذلك، المطلوب اليوم من اللبنانيين الأصيلين الذين يمتلكون لا الحسّ الوطني فحسب، بل الحسّ الكياني أيضًا، أن يوحّدوا صفوفهم، ويتعالوا عن الشخصانيات السياسية، ويكفّوا عن التآمرات بعضهم على بعضٍ، ويتّحدوا على مطلب وطني وسيادي وهو استعادة الكيانية اللبنانية التي تمّ مقايضتها في ٦ شباط من فم طهران على مذبح مار مخايل في الشياح؛ وذلك لن يكون إلا بالاستقالة الميثاقية من مجلس النواب، للتوصل الى انتخابات نيابية مبكرة.

وبهذه الطريق فقط، تستعيد القوى الكيانية ما تمّ سلبه منها احتيالا وبالقوة، ترهيبًا وترغيبًا؛ ويتمّ إعادة إنتاج السلطة السياسية من جديد بأكثرية تشبه اللبنانيين الذين قالوا الحقيقة الصعبة في 17 تشرين. ليصار بعدها إلى انتخابات رئاسيّة تترجم هذا المشروع برئيس كيانيّ يشبه هذه التطلّعات بمشروع يحمله، ويملك قدرة تمثيليّة على تحقيقه. فيشكّل بعدها حكومة إنقاذ تعيد لبنان إلى حاضنته الدّوليّة وعمقه الاستراتيجي العربي والمشرقي.

من هنا، للمراهنين كلّهم على إحباط عزيمة اللبنانيين، وبائيًا، أو اقتصاديًّا، أو مصرفيًّا، أو دولاريًّا، أو أمنيًّا، أو تربويًّا، أو سياسيًّا، ندعوهم لاستقاء العبر من التاريخ. فعزيمتنا وإرادتنا أقوى بكثير من أي أسلوب تحايلي، أو قهري، أو، ترغيبي، أو حتى ترهيبي. ومسار الحقيقة لن يتحوّر. وحتى لو كان الرهان على زرع الشقاق انطلاقًا من مبدأ فرّق تسد. لن تنجح هذه السلطة في جولتها هذه، حتى ولو أوحت بذلك للعالم بأسره.

لذلك، هذا الرهان هو ساقط أيضًا لأنّ الذين يظنّون بأنّ بعضهم غير مقتنع بمعارضة إلا بشروطه وحده، أي بمعنى آخر أن تحافظ له هذه المعارضة على الجنّة التي أعلى أعمدتها في الحكم؛ عليهم أن يدركوا بأنّ هذا الفريق قد أيقن هذا بأنّ المسألة اليوم باتت مسألة وجودية؛ إمّا أن يكون لبنان الحريّة أو لا يكون. هذا هو سقف هذه المعارضة، وهي ستلتزم به اليوم قبل الغد.

وفي نهاية المطاف، لن يكون لبنان إلا في صلب التراث الابراهيمي من بيروت إلى الفاتيكان حتى واشنطن وريو دي جانيرو. وحتى لو تغيّرت تكتيكات الضغط على الجمهورية الاسلامية في إيران من قبل إدارة بايدن، إلا أنّ التموضع الاستراتيجي للبنان لن يتبدّل، حتّى لو لم يكن أولوي في سياسة بايدن الخارجيّة، فالأساس هو إرادتنا وعزيمتنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل