Site icon Lebanese Forces Official Website

سوريا وإيران 2021: عاصفة الصحراء المعاكسة

 

في ضوء التصاريح الأولية الصادرة عن بعض اعضاء فريق الرئيس الاميركي جو بايدن والتي تهاجم السياسة الايرانية وتندد بها، فضلاً عن المواقف والإشارات السلبية الصادرة بحق روسيا في المنطقة، يمكن القول إن مرحلة ادارة بايدن بالنسبة لكل من ايران وسوريا لن تكون كما يشتهيه محور الممانعة خصوصاً اذا اضفنا عامل التوتر الإيراني ـ الاوروبي المستجد على خلفية التخصيب النووي، واذا اخذنا بالاعتبار ايضا التبدلات الجيو ـ سياسية في المنطقة مع التحالف الخليجي ـ العربي ـ الاسرائيلي الكبير، ما يحملنا على استقراء المشهد الاتي:

اولاً: يمكن القول ان خطوط الهجوم والدفاع بين واشنطن وطهران قد تغيرت في عهد الرئيس دونالد ترمب، إذ ادى اغتيال القائد الايراني قاسم سليماني الى تغيير السياسة والاسلوب الاميركي في التعاطي مع طهران، ويُلاحظ انه منذ مقتل سليماني أصبح لواشنطن نهجاً متصاعداً في العقوبات الصارمة التي طاولت 1000 شخصية و1000 مؤسسة.

كما أثبتت واشنطن انها لا تتوانى عن استعمال القوة حيث ترى مصلحة لها في ذلك سواء كانت الادارة جمهورية او ديمقراطية (ادارة الرئيس باراك اوباما اغتالت اسامة بن لادن وادارة الرئيس دونالد ترمب اغتالت قاسم سليماني والعالم النووي محمد فخري زاده).

ثانياً: قتل سليماني فتح المجال امام تغيير في قوة اميركا في المنطقة وتحديداً في مواجهة الخطر الايراني، الى جانب حلفاء محليين واقليميين لواشنطن، لكسر استراتيجية إيران ـ سليماني في المنطقة القائمة على تصدير الثورة وتدعيم الهلال الشيعي من ايران الى لبنان.

فالانفجار الايراني الذي حصل في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وتجلى في تدخل طهران في سوريا وتفجيره الجهاد الشيعي صيف 2015 وتمدده في دول عربية عدة وصولاً الى اتفاقية لوزان الدولية (5+1) النووية انتهت مفاعيله كلها، وهو سيقابل بصيف ايراني معاكس مقبل على طهران نفسها من بوابة سوريا تحديدا.

ثالثاً: سوريا امام مشهد عاصفة صحراء مقبلة تماماً كما عاصفة الصحراء التي اجتاحت العراق عام 1991 اثر دخول صدام حسين الكويت، فدمشق حالياً في عين عاصفة دولية اقليمية محلية في مواجهة محور متداعي قوامه روسيا ـ ايران ـ بشار الأسد. فالأخير صدام جديد، مهما حاول ان يفاوض ويرضي فلن يقبل به احد، لأن ما من احد يقبل مع بشار او روسيا او ايران بأن تعود سوريا كما كانت في العقد الماضي.

سوريا ستتحول الى عراق التسعينات (مع قانون قيصر والعقوبات والعزل الدبلوماسي والعسكري والمالي). كتب جيمس جيفري في مجلة “فورين افيرز” مقالاً ذكر فيه ان واشنطن طبقت في سوريا نموذجاً مشابهاً لنموذج افغانستان ضد السوفيات، لكن في سوريا ضد الروس، وبالتالي ضد إيران وبشار على السواء.

فلا ايران ولا روسيا يستطيعان نفخ الروح مجدداً في جسم نظام الاسد لإعادته الى الحياة من جديد، وبقدر اصرار موسكو على حل سياسي في سوريا بقدر ما ستسعى واشنطن في المرحلة المقبلة الى اغراق الروس في سوريا.

إذاً، سيناريو سوريا الحالي على الشكل الآتي: عراق التسعينات، وهذا السيناريو سيؤدي الى انشاء الكيان الكردي في شمال سوريا برعاية دولية (مع قسد)، تماماً كما اقليم كردستان العراقي، وسيكون للإقليم الجديد برلمانه ومؤسساته وحكومته واعترافه الدولي.

رابعاً: في عاصفة الصحراء سنة 1991 كان حافظ الاسد جزء من التحالف ضد العراق في دخوله الكويت لقاء منح دمشق انتداباً واحتلالاً للبنان.

اما الآن فبشار الاسد لم تعد له وظيفة لا اقليمية ولا محلية، تخدم مصالح اي دولة او قوى في المنطقة، لا بل اصبح عبئا على حليفيه الايراني والروسي، وقد وقع في فخ عاصفة الصحراء الجديدة الآتية، والذي كان والده قد تمكن من الافلات منها آنذاك.

انتهى حزب البعث في المنطقة ومعه سقطت نظرية الأقلوية، سواء في العراق مع سقوط صدام حسين (النظام الاقلوي السني) او سقوط نظام الاسد (الاقلوي الشيعي)، ذلك النظام الأقلوي الذي دفع بالمنطقة الى احضان السوفيات والايرانيين. في المقابل نجد ظاهرة نهوض الاردن مع مصر من ضمن تحالف عربي ـ اسرائيلي ضد بشار الأسد ومن يدعمهم من ايرانيين وروس.

خامساً: بموازاة تحول سوريا الى عراق التسعينات، فان العراق سيتحول الى سوريا ثانية لان تشديد العقوبات على الايرانيين في سوريا سيؤدي الى مزيد من التشدد الايراني في العراق ما سيحوله الى سوريا جديدة، فتشتد اليد الايرانية في العراق في مواجهة ادارة الرئيس بايدن اكثر من سوريا، ما سيحمل واشنطن الى اتخاذ الخيارات الحاسمة المتمثلة بقطع هلال ايران الشيعي في المنطقة وتقويض نفوذها واغراقها.

لذا يمكن فهم حال الهلع الايراني الحالي والذي يترجم تصعيداً كلامياً وعرض عضلات ومناورات عسكرية وإطلاق تحذيرات وتهديدات بنفس عدواني، يشبه نفس العدوانية لدى داعش في رفض النظام الدولي ورفض البيئة الامنية الاقليمية التي تتغير مع دخولها مرحلة بايدن وتثمير التحالفات الاستراتيجية بين واشنطن وحلفائها الاقليميين من خليجيين وعرب وإسرائيل.

ومن هنا، فإن اي تفاهم مع ايران غير ممكن، لا سيما ان تجربة تفاهم 2015 ادت الى تمدد ايران في المنطقة، اي تفاهم جديد لن يأتي بأقل من كبح التمدد الايراني وتراجعه وانحساره، خصوصاً ان امام طهران حالياً تحد خطير: مصر والخليج واسرائيل، وهم عرابو اتفاق لوزان اقليمي غير دولي هذه المرة، ما لم ترفض ايران التفاوض على صواريخها الباليستية وتمددها الاقليمي.

إيران ستجر خيبتها التي اوصلت المنطقة اليها بعد العام 2015 ما سيحملها الى التراجع نحو العراق واحياء استراتيجية الفسيفساء او ادخال الجيش والحرس الثوري الى العراق. فالأمن القومي الايراني سينكسر وينقطع بين إيران ولبنان من الباب السوري، وستتخلى ايران عن عباءة العقيدة الشيعية لتعود وتقوي القومية الفارسية للتشدد في المواجهة. فعراق فارسي هو هدف الايرانيين النهائي كما قال علي يونسي في العام 2015 وكرر القول نفسه، أخيراً، وزير الثقافة الايراني.

سادساً: باتت اسرائيل من ضمن تحالف اقليمي لا بل جزء اساسياً من منظومة امن استراتيجي إقليمي ـ دولي تحت قيادة عسكرية واستراتيجية واحدة لمواجهة ايران، وهذا التحالف لم يعد يقبل بأي ربيع جديد وفوضى مع الديمقراطيين ولا برفع العقوبات او بالعودة الى الاتفاق النووي السابق الا بشروط اقليمية تضع ايران في قعر الخضوع. ولا يقبل هذا المحور بعد اليوم بسياسات سليماني التي اسست للتمدد الاقليمي تحت مسمى استراتيجية الدفاع الايراني نحو سوريا، فمقتل سليماني قتل المحور الايراني في المنطقة وتداعيات هذا الاغتيال ليست من النوع الذي يظهر فورا بل على مراحل، من خلالها التقهقر على أكثر من جبهة وفي اكثر من محور، وقريبا ستظهر مفاعيل الاغتيال في سوريا والمنطقة.

لذلك تتعاظم القوة العسكرية الأميركية في المنطقة وتتضاعف الغارات الاسرائيلية في سوريا على الاهداف الايرانية، مع الاشارة الى رغبة اسرائيلية في استفزاز منظومة الصواريخ الروسية اس 400 لإسقاط هيبتها.

سابعاً: ومن ضمن الاستهداف في سوريا يأتي ايضاً استهداف الدور الروسي، ولا نغالي ان قلنا إن في قراءات كبار الاستراتيجيين المستهدف الاول في الانفجار السوري المقبل روسيا قبل إيران، وإيران قبل بشار الاسد وبشار الاسد بعد استهداف الاخرين.

في الموازاة، ايران مرشحة لخوض غمار حرب باردة مع الصين وروسيا ستنشغل بالتشدد الاميركي الديمقراطي على اكثر من ملف كما على الملف التركي ـ الاردوغاني، ما قد يصل الى حد استهداف رؤوس كبيرة في المنطقة.

الاكيد بعد اليوم ان اي ادارة اميركية في واشنطن لن تستطيع رفع عقوبات ادارة ترمب عن ايران ولن يكون بإمكان لا اوروبا ولا ادارة بايدن تجاوز تلك العقوبات، لا بل ستكون لمصلحة الحلف الغربي لإرغام ايران على التفاوض في تعديل الاتفاق.

ايران اعجز من ان تفرض شروطها (من تعويضات وعودة الى الاتفاق النووي السابق كما هو) كما ان ايران مقبلة على انتخابات هذا العام، ما قد يقلب المشهد السياسي الداخلي لصالح المواجهة الكبرى.

واذا اصرت طهران على المواجهة في المرحلة المقبلة، فإن كافة خطوط المواجهة ستنهار امامها لأنها ستواجه هذه المرة تحالفاً اقليمياً دولياً صلباً، لن تقوى طهران على كسره.

موسكو على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف قالت إن الروس لا يريدون الدخول في نزاع مع اميركا بسبب سوريا وتفضل الا تحول اسرائيل سوريا الى ساحة لتصفية حساباتها مع الايرانيين، وانتهى لافروف الى الطلب من واشنطن عدم استخدام القوة ضد مواقع النظام السوري.

فسوريا مرشحة لان تكون مسرح المواجهة المقبلة كما العراق في التسعينيات خصوصاً في ظل تقارير عن توقع تصاعد الالتزام الاميركي في سوريا في المرحلة المقبلة اكثر مما كان عليه ايام الرئيسين اوباما وترمب ليصبح التزاماً منيعاً. فالبوكمال وشمال دير الزور اي شمال نهر الفرات كما جنوب دير الزور، مناطق استراتيجية اميركية تعمل اسرائيل على حمايتها بالضربات التي وصلت الى الميادين والمناطق المجاورة كافة بصورة غير مسبوقة.

ثامناً: انطلاقاً من القراءة الاستراتيجية اعلاه، لم يعد بإمكان بشار الاسد ان يقدم اي شيء ولا حتى التطبيع. فماذا يملك ليقدمه الان وفي ظهره إيران والروس؟ لذلك، انتهى نظامه الاقلوي والتحالف الذي يساند بشار الاسد متجه نحو التفكك في المرحلة المقبلة مع حشر واستفراد كل من روسيا وإيران.

تغير المعادلات بات امراً محتوماً، ولذلك فإن صيف 2021 وما بعده سيكون فترة تبدل الخرائط واعادة توزيع للقوى الاقليمية والدولية، وتشكيل المنظومة الاستراتيجية المتكاملة وكل المعادلات ستكون ضد إيران وخطوطها الاقليمية.

لولا الفراغ الذي خلفه النظام العربي في المنطقة لما تحركت طهران لملئه، اما الآن وخلال المرحلة المقبلة فان هذه الفراغات ستمتلئ اميركياً واقليمياً لإعادة ايران الى عمقها الداخلي. حتى الان لم يكن النظام القومي الايراني بخطر، لكنه بعد الآن يمكن ان يصبح في اي وقت بخطر.

Exit mobile version