أبونا يعقوب البدوي: شهداء كثر حفروا أسماءهم في قلبي – 2

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1712

قصة راهب ملتزم في المجلس الحربي ومبشّر في المكسيك

أبونا يعقوب البدوي: بكيتُ سرًا

وشهداء كثر حفروا أسماءهم في قلبي (2)

 

14 أيلول 1984. الأباتي بولس نعمان يترأس الذبيحة الإلهية في قداس ذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل والأب يعقوب البدوي يدير الجوقة التي كانت تصدح أصواتها ألحانا سماوية.

تلك كانت المرة الأولى التي يتعرف فيها الأب البدوي عن قرب إلى شباب «القوات اللبنانية». تكررت اللقاءات الروحية بين الأب البدوي والشباب في المجلس الحربي. لكن في كل مرة كان اللقاء ينتهي بشوق اللقاء التالي إلى أن صدر القرار: تعيين الأب يعقوب البدوي مرشدا روحيا لشباب «القوات اللبنانية». وبدأت رحلة الراهب الملتزم مع الشباب. رحلة كتب سطورها بالإيمان والصلوات والمسبحة التي كان يحملها إلى الشباب في ثكناتهم وعلى الجبهات إلى جانب «صلاة المقاوم».

الأب يعقوب البدوي… لم يكن ذاك الراهب الملتزم، ذاك المرشد الروحي لشباب «القوات اللبنانية» إسما عابرا في ذاكرة المقاومة. فهذا الراهب وقف على قبر شهيد، لا بل شهداء. هذا الراهب علّم في نفوس الشباب وتعلّم منهم سر النضال والتضحية والشهادة. هذا الراهب الملتزم قال لأم الشهيد: «نيالك إبنك الشهيد على يمين البطل الأول يسوع المسيح، وبكى أكثر من مرة لكن سرًا على شهيد كان يجالسه قبل ليلة واحدة ويستمع إلى اعترافاته قبل أن يمنحه سر الغفران والتوبة. وهذا الراهب الملتزم بكى اليوم وهو يستعيد ذكريات تلك المرحلة قبل أن يهاجر إلى المكسيك ليكمل من هناك رسالته التبشيرية بالمسيح وبسر الشهادة.

« رجعتي عيشتيني هيديك المرحلة… هاو الشباب الأبطال ما بتروح صورن من بالي»…قالها بغصة. وللأب البدوي نقول: لا أنت أقفلت تلك الصفحة ولا الشباب الذين عاصروك وجالسوك وحتى الذين صاروا قرابين على مذبح الرب. وإن ننس فلن ننسى كلماتك لشباب المقاومة المسيحية: «أنتم على مثال الرسل والقديسين… سوف يعذبونكم ويصلبونكم لكن في النهاية ستنتصرون بالقيامة».

الأب يعقوب البدوي يروي للمرة الأولى أسرار حبات مسبحة الراهب الملتزم.

 

نعم بكيت في السر

قليلة هي المرات التي بكى فيها الراهب الملتزم. وإذا فعلها يكون سرا. «مرات كتيرة كون قاعد مع شباب مقاتلين عم نحكي وتاني يوم يخبروني إنو الشاب الفلاني اللي اعترف وقدس وتناول مسا مبارح معنا استشهد ع الجبهة. بهاللحظة كنت حس إنو سكين اخترق قلبي. ومرات قبل ما بلش القداس كنت أعرف إنو في شهيد سقط من ضمن هالمجموعة من عيون الشباب لأنو كان ممكن تقرا بعيونن الحزن كما الفرح بالإنتصار بإحدى المعارك». ويضيف: «كتار الشهدا اللي حفروا إسمن وصورن بقلبي وعقلي. هاو ما بيروحوا من بالي، بس اسمحيلي ما سمّي حدا لأنو كل شب بـ»القوات» كان ملتزم لدرجة إنو مستعد يموت ويستشهد كرمال هالأرض. هنّي حملوا الصليب متل المسيح على طريق الجلجلة. كانوا عارفين إنو عم يضحوا بحياتن، بمستقبلن، بس ما كانوا يسألوا».

كثيرة هي اللحظات لا بل المحطات التي كان مقدرا أن يضعف أمامها الراهب الملتزم على رغم حصانة الإيمان والإلتزام الروحاني. مع ذلك لم يضعف. لم يسقط. «كان في إشيا كتير بتوجّع وقاسية. بس ما بكيت، والأصح تعلمت إنو ما إبكي إلا بالسر بالعتمة لأنو كنت مصدر عزاء لأمهات الشهدا».

لعله الإيمان والتعمق في مفهوم الصلب الذي كان يحصِّن الأب البدوي ضد السقوط في تجربة الضعف البشري أو الإستسلام. «إم الشهيد كانت تعكس صورة العدرا هيي وراكعا عند أقدام السيد المسيح هوي ومرفوع ع خشبة الصليب. أساسا شو يعني شهيد؟ الشهيد هو من يشهد للحق والحقيقة. الشهيد هو من يشهد للمسيح وللقيم المسيحية، هو من يسير على خطى التضحية والإستشهاد تماما كما يسوع المسيح.وما في شي أعظم من ذلك. كيف ممكن مواءمة الشهادة مع الخطيئة؟» وجوابي كان يكون واضح ونابع عن قناعة: «أنا كمؤمن بالمسيح بعتبر إنو الشهيد هوي اللي بيموت دفاعا عن الإنسان ووجوده كإنسان حر. الشهيد هو من يبذل حياته للقيم المسيحية والإنسانية. الشهيد لا يعيش بالخطيئة الشهيد قاتل دفاعا وليس حبا بالقتل. الشهيد ليس هاوي تعذيب على العكس هو من تحمل عذاب النفس وهيدا أهم اختبار عشتو مع الشباب. أنا بس عم ضحي بنفسي إنما لإنقاذ إنسان. شو هالفعل العظيم. التضحية بحد ذاتها غفران وإن كانت ثمة إستثناءات».

هو الروح القدس الذي كان يمد الراهب الملتزم بالقوة خصوصا عندما كان يدخل إحدى الثكنات ليصلي ويمنح سر الإعتراف للشباب ويسأل عن ذاك الرفيق الذي منحه القربان المقدس قبل ساعات ويأتي الجواب: «أبونا رفيقنا استشهد مبارح ع الجبهة». كان يحمل وجعه ويلملم دموعه في مآقيه ويعظ في الشهادة ومعنى التضحية في سبيل الآخرين تماما كما السيد المسيح. كان يخاطبهم من قلبه الموجوع والمفعم بالإيمان والصلابة…»تصوري كانوا يكونوا عارفين حالن إنو رايحين ع الموت، ومع هيك ما كانوا يترددوا. شو هالإلتزام اللي كان بقلبن للبنان؟ كنت قلّن عم تفدونا بدماءكن الطاهرة متل ما افتدانا يسوع المسيح على الصليب. كنت ذكّرن بالرسل مار بطرس وبولس والقديسين اللي انتصروا على العالم بإيمانن القوي على رغم العذابات والصلب… بس بالنهاية انتصروا بالقيامة..وهيك شهداءنا وشبابنا… ولأول مرة بعترف إنو تعلمت من شباب «القوات»الإلتزام والصلابة والتضحية».

 

سمير جعجع هو هو قائد وملتزم روحانيا

لم تعد تفاصيل حياة ويوميات الراهب الملتزم منفصلة عن هموم وهواجس شباب «القوات». صار يعرفهم فردا فردا. لكن ماذا عن قائد السفينة؟ وكيف التقى للمرة الأولى بالدكتور سمير جعجع؟ يجيب الأب البدوي: «أول مرة التقيت بسمير جعجع كانت بعد حرب الجبل بالكسليك خلال لقاء جمعنا مع عدد من الآباء للوقوف على تفاصيل مجريات معركة الجبل. اللقاء كان بمثابة فحص ضمير وتوضحت كل الحقائق. بعد اللقاء الأول بالدكتور جعجع صار في لقاءات دورية بمقر قيادة «القوات اللبنانية» بالمجلس الحربي. وهون بلشت اتعرف أكتر على الوجه الآخر للقائد العسكري. سمير جعجع إنسان ملتزم ليس فقط وطنيا وحزبيا وسياسيا، إنما أيضا روحيا. كنا نعمل لقاءات روحية مطولة وكان يدهشني بإيمانو وثقافتو الدينية. وبس يكون حاضر بقداديس المجلس كان يصر على قراءة الرسالة. ويضيف الأب البدوي: «سمير جعجع كان – ولا يزال- حامل وجع المجتمع وكان يعيش غصة بس يكتشف إنو في فئة من المجتمع مش عايشة مسؤولية والتزام وتضحيات الشباب اللي عم يدافعوا ويستشهدوا تا نبقى بهالوطن..سمير جعجع كان عم يقرا سلفا اللي ممكن يصير، وصار….».

في 9 كانون الأول عام 1992 غادر الراهب الملتزم لبنان بعدما نصحه كثيرون بالإبتعاد قليلا. وفي فرنسا حيث استقر كان السند الأول لشباب «القوات» واللبنانيين الذين غادروا لبنان قسرا وكان بمثابة المرشد الروحي لهم حيث كان يشجعهم على الإنتساب إلى الرعايا وخدمة القداديس من خلال الجوقات الموسيقية. ويروي: «عند اعتقال الدكتور جعجع كنت في فرنسا. الخبر كان صاعقا ومؤلما. صليت له وللشباب. تذكرت الرسالة الصوتية التي أرسلها وستريدا جعجع لمعايدتي قبل اعتقاله. تألمت كثيرا. لكن عزائي الكبير كان في العصب الذي لمسته لدى الشباب في فرنسا والنضال السري في لبنان».

أكمل الأب البدوي دراسته في العلوم الموسيقية في فرنسا ونال شهادة الدكتوراه وفي 6 كانون الأول 1996 عاد إلى لبنان بطلب من الرئاسة العامة للرهبنة وأكمل رسالة التعليم في مادة الموسيقى في جامعة الروح القدس الكسليك وفي بعض المدارس ومنها دير مار ميخائيل في بحرصاف. كما شارك في خدمة عدة إحتفالات دينية في دير مار شربل ـ عنايا وسيدة لبنان في حريصا. وفي تموز 1999 حقق الراهب الملتزم حلمه في العزف في مغارة جعيتا حيث عزف مقطوعات من مؤلفاته بالإضافة إلى الفولكلور اللبناني.وتم تسجيل الحفل على شريط ممغنط.

 

الهجرة إلى المكسيك ورسالة التبشير

لم تطل مدة إقامة الراهب الملتزم في لبنان. فالملاحقات ومحاولات التضييق على تحركاته ولقاءاته من قبل النظام السوري وجماعاته في تلك الحقبة كونه كان مسؤولا عن المرشدية الروحية في «القوات اللبنانية»، دفعته الى مغادرة لبنان للمرة الثانية وهذه المرة إلى بلاد المكسيك التي وصلها في 6 آب 1999 يوم عيد التجلي ولا يزال يمكث فيها حتى اليوم. ومن هناك انطلق في رسالته الكهنوتية والتبشيرية من خلال النشاطات الروحيةالتي ينظمها في كنيسة سيدة لبنان بالإضافة إلى احتضان شبيبة اللبنانيين المغتربين عن طريق حثهم على الإنتساب إلى الرعايا وتعلم الموسيقى والخدمة في الجوقات التي يديرها في احتفالات أعياد الميلاد والفصح والجمعة العظيمة. هذا عدا عن المحاضرات التي يلقيها عن المارونية ومسيحيي الشرق ولبنان وتعليم الموسيقى واللغتين العربية والسريانية وتنظيم حفلات ومعارض يشارك فيها عازفون ورسامون من أصل لبناني، بالتعاون مع مؤسسة «بلازا لوريتو» التي أسسها رجل الأعمال المكسيكي من أصل لبناني كارلوس سليم.

أما الحدث الأبرز الذي وقعه الراهب الملتزم في بلاد المكسيك فكان بعنوان «لبنان بوتقة الحضارات» وضم بوتقة من المغتربين اللبنانيين. وحاليا يعكف الأب البدوي على ترجمة الألحان السريانية المارونية إلى الإسبانية مع الحرص على المحافظة على روحانية اللحن الأصيل.

عندما خرج الدكتور جعجع إلى الحرية في تموز 2005 كان الراهب الملتزم في المكسيك. أول كلمة قالها في قرارة ذاته لحظة تبلغه الخبر: «رجع الحق لصحابو». هو الذي كان على يقين منذ اللحظة الأولى أن اعتقال الدكتور جعجع كان سياسيا وكان مؤمنا أن الحق سينصفه وكل الملفات التي حيكت كانت مجرد تلفيقة».

خلال زيارته إلى لبنان التقى الراهب الملتزم عددا من الشباب الذين جمعته وإياهم لحظات نضال ووجع وصلاة واعترافات. وفي كل لقاء كانت المسبحة وصلاة المقاوم ثالثهما. وفي معراب جلس الأب البدوي مع الدكتور جعجع وتحدثا مطولا»بس كل كلامن كان عن الحاضر والمستقبل. سمير جعجع ما تغيّر بعدو القائد الملتزم والإنسان المؤمن والمتعمق روحانيا واليوم رجل الدولة بامتياز».

وقبل أن يودعنا أصر أن يكون ختام الكلام من حيث يعيش نصفه الآخر. من مسكن الشهداء: «بدي قول لكل شهيد من شهداء المقاومة المسيحية شكرا. شكرا على التضحيات اللي قدمتوها. شكرا لدماءكن الطاهرة اللي رويتوا فيا أرض الوطن حتى تزهّر ورد وتعبق ريحتو قريبا مش بس بلبنان إنما أيضا بالعالم. ولسمير جعجع بقلّو: «إنت والشباب ولبنان بصلواتي. والله يرد عنك».

(انتهى)

إقرأ أيضاً: أبونا يعقوب البدوي: شهداء كثر حفروا أسماءهم في قلبي – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل