.jpg)
لقد اعتادَت الشّعوبُ القديمةُ على أن تتعاطى مع المصائبِ والنّوائبِ، على أنّها رسائلُ من الخالق، وتجدُ لها تفسيراتٍ غيبيّةً لكي تَرفعَ مسؤوليّتَها عنها، وتَنفضُ يَدَيها من تداعياتِها السّالبة. وامتدّت هذه العادةُ، عبرَ الزمن، وأصبحَت تقليداً يَلجأ إليه مَنْ يُريدون غسلَ أيديهم مِمّا يَحصلُ، في الواقع، فيُحيلونَهُ على “الغامض”، وهي حالُ المسؤولينَ الهوائيّينَ، عندَنا، الذين استحالوا مؤسّسةَ تَسليمٍ للشَّعوَذَة، مُحاوِلين التملّصَ المُتَذاكيَ، لكن المَفضوح، مِمّا يتخبّطُ فيه النّاسُ من بَلايا، هم مُسَبِّبوها. لكنّهم لم يتنبّهوا الى تَطوّرِ أدواتِ التفكيرِ التي حَتّمَت التّصادمَ بينَ التفسيرِ الخُرافيِّ للظّواهر، وبينَ التفسيرِ العلميِّ والعَقليِّ لها، ما كشفَ رِياءَهم و”خَرَفَهم” الموصوف.
لا يَستلزمُ واقعُنا الحالي كبيرَ عَناءٍ للتَّدليلِ على أنّ ما يَحصلُ ليس من بابِ الأسطورة، بل هو احتقانٌ حقيقيٌّ مرعِبٌ، ونتيجةٌ لممارساتٍ خدّاعةٍ مُمَوَّلَةٍ بشعاراتٍ زائفةٍ من صنعِ أهلِ السّوءِ القابِعينَ في قُصورٍ من وَرَق، والمتربّعينَ على رؤوسِ الناس. هؤلاء الذين هم، تحديداً، على مَساسٍ مباشرٍ مع الأزمة، يمارسون التصريحاتِ التّخديريّةَ التي تعجُّ بالتّلفيقات، والتي يستمعُ إليها الناسُ بحسرةٍ، وبقَرَف، لأنّها تمرُّ من دونِ مُحاسبة، ولأنها كذبٌ مُقَنّعٌ، وصَفَقةٌ مقصودةٌ لامتصاصِ النّقمةِ، وتَكميمِ الأَفواهِ والأقلام. فمَنْ غيرهم له ذراعٌ طويلةٌ تحتَ جِلدِ السُّلطة؟ أَولَيسوا تلكَ الخَلطةَ الفاسدةَ من أهلِ كهفِ الإستئثارِ، والنَّهب، والتَّحريض، وهي خلطةٌ موبوءةٌ جعلَت البلادَ في حالةٍ متهالكةٍ، قلّصَت مساحةَ الثّقةِ، حتى بينَ المواطنِ ونفسِه؟ من هنا، باتَ ضروريّاً، وبِإِلحاحٍ صارخٍ، طلبُ سَنِّ قانونٍ يُجَرِّمُ التّلاعبَ بالمصائر.
على أرضِ الواقعِ تَحَسُّنٌ عارِمٌ في فسادِ أَشباهِ الرِّجالِ المسؤولينَ في السّلطة، الذين عرقلوا الحُلولَ بالأنانيّةِ، والمحسوبيّةِ، والمُحاصَصَةِ، والإنتفاعات، ما أدّى، حُكماً، الى تَوتيرٍ عموميٍّ قضى على ما تَبَقّى من رجاءٍ لاستعادةِ الوطنِ من بين أنيابِهم المسمومة.
وقد أَسّسَ هؤلاءِ الذين يقترفونَ بِحَقِّ الناسِ جرائمَ يوميّةً، ومن دونِ رادِع، لإستراتيجيّةِ القهرِ، والإجحافِ، والظّلمِ، والتَّجويعِ، والتّهجيرِ، تحتَ أكذوبةِ الإصلاحِ المنشود، ومارسوا الحُكمَ الذي افتقرَ، معهم، الى أبسطِ معاييرِ الحُكم، وبَسطوا سلطانَهم على مفاصلِ الدولةِ بالقوّة، وبالتَّرهيبِ، وبالتَّهديدِ، وعاموا فوقَ ثرواتٍ من مشاريعَ مشبوهةٍ، وتلزيماتٍ مُلَفَّقَة، امتصَّت تعبَ الشَّعبِ البائس. والأدهى، أنّ بعضَ هذا الشَّعبِ، والموصوفَ بالإِستِزلامِ الأَحمَق، قد سلّمَ، مجّاناً، كَفَّيهِ المُصَفِّقَتَينِ بِغَباء، وحنجرتَه المُصَوِّتَةَ بالتشَوّهات، ورقبتَه التي نَحَرَها الإِذلالُ، الى ثقافةِ الفَسادِ، والى المُفسِدينَ المُقَنَّعينَ الذين شكّلوا كابوساً مَريراً للوطنِ، وزَمناً أسودَ للناس. ولم يكتفِ المُصَفِّقونَ بنزوةِ غبائِهم، لكنّهم قابلوا، بالتشنّجِ والرُّعونةِ القبيحةِ، كلَّ وقفةٍ نقديّةٍ لسلوكِ مَنْ في السّلطة، فحَصَّنوا، بذلك، سياسةَ الإِطباقِ على الدولةِ التي باتَت، بهم، ذَبيحةً مُدَنَّسَة.
سقطة الوطنِ التراجيدية لم تكنْ بمشيئةٍ تفوقُ إرادةَ البشر، بل بفِعلِ زُمَرِ السيِّئينَ مُشَوَّهي القيمة، أولئكَ الذين لم تكن ممارساتُهم السلطويّةُ سوى نَزَواتٍ خبيثةٍ أَتلَفَت مَنْ وما تبقّى من وطن. من هنا، فالسّقطةُ لها “أَبطالٌ” ذَوو قاماتٍ مَرضى، للفسادِ عِرقٌ في أَنسابِهم، تعودُ إليهم مسؤوليةُ تدميرِ البناءِ الكيانيِّ، وإجهاضِ أَيِّ أملٍ بقيامةِ لبنان.
من حقِّ الناسِ المُعلَّقينَ على وَتَرٍ فوقَ جهنَّم، أن يشعروا بالخوف، فالخوفُ ليس مُتخَيَّلاً، بل هو انعكاسٌ لبشاعةِ الحقيقةِ التي افتعلَها المُحَنَّطون في السُدّاتِ، بسمسراتٍ متنوّعةٍ، وبأذرعٍ أخطبوطيّةٍ عَجماء، ومن دونِ ندمٍ. هؤلاءِ المُسوخُ الذين تقنَّعوا بالعفّةِ، واعتصموا بِشَملةِ الفضيلةِ، ووَعَدوا بالأعيادِ، قد نَحروا سمعةَ الوطنِ بممارسةٍ مُعيبةٍ قوامُها عجزٌ، وعُطلٌ، وحقدٌ، وفسادٌ، وكّذِبٌ، وسوءُ إدارة، داسَت وجعَ الناسِ، ورفعَتهم على خشبةٍ من لَحمِهم ودَمِهم، وسمَّرَتهم على فُوّهةِ البَشِعِ من المَصائر… أَوَلَيسَت هذهِ مادةَ اتّهامٍ حاسِمةً لاستِحضارِ “الباشا”، وتَعليقِ المشانق؟