ماذا أعطي الموارنة وما المطلوب منهم؟ – 2

حجم الخط

الدكتور شارل مالك – “المسيرة” – العدد 1713

 

يقول المسيح: «إن من أُعطي كثيرًا يُطلب منه الكثير». لقد أعطي الموارنة كثيرًا ولذلك يُطلب منهم الكثير.

موضوعنا «الكثير المطلوب» من الموارنة. لا أعرف مِحكاً ولا أتعرّف على محكّ غير محكّ الحقيقة. الحقيقة أن لبنان في محنة مصيرية وأن الموارنة هم المسوؤلون الأُول فيه. ليس أمرًا بسيطاً أن يكون لبنان في محنة، ولبنان هو ما هو وما عنى وما يجب أن يكون ويعني. وإذا كان أحد مفاتيح هذه المحنة، إنْ لم يكن مفتاحها الحاسم، ما أُعطي الموارنة وما يُطلب منهم، فعليّ ـ إن كان يهمني لبنان، وهو يهمني جدًا، وإن كنت أُعنى بالحقيقة، وأنا أُعنى بها قبل وفوق كل شيء ـ أن أبحث هذا الأمر بالدقة العلمية التامة. أرفض المحاسبة على أساس أني «فخّمت» الموارنة وأنا غير ماروني. إنّ دافع هذا الصنف من المحاسبة غير دافع الهمّ اللبناني وغير دافع الحقيقة. إذا كان المحاسب ـ مارونيًا كان أو أرثوذكسيًا أو مسلمًا ـ بالفعل مهتمًا بلبنان، فمن واجبه هو أيضًا أن يتحرّى الحقيقة المارونية. أما أن يحاسبني، ومحاسبته غير مبنية على الانهمام لمصير لبنان ودافعه، أيًا كان، غير دافع الحقيقة، فمحاسبته لا تعني شيئاً. دافعه مشبوه…

ما أسهل التفلسف على الموارنة. من لا يتفلسف عليهم اليوم؟ مَنْ مَنْ أعداء لبنان وحرياته وقيمه لا يعاديهم ولا يحاول تسويدَ إسمهم وتفكيكهم بعضهم من بعض؟ إنّ هذا لفخر لهم. إنه دلالة دامغة على مركزهم وأهميتهم. ومع ذلك هم صامدون. «يا جبل ما يهزّك ريح».

وقد يكون سهلاً كذلك تحليل ما أُعطوه. وما محاولتنا هنا، على حدودها ونقائصها، إلا أحد التحاليل الممكنة.

المهم ليس تحليلهم ولا التفلسف عليهم بل أن يتساءل اللبنانيون الآخرون، غير الموارنة:

1- هل نقدّر بالفعل، بلا تحيّز ولا وراب ولا حكم مسبق، ما أُعطي للموارنة حق قدره؟

2- أيًا كان ما أُعطيه الموارنة، فماذا أُعطينا نحن؟

3- كيف نقدم أو نوظف ما أُعطيناه نحن عطاء منا؟

4- كيف نسند الموارنة في ما أُعطوه وكيف نصبّ ما أُعطيناه نحن مع عطائهم في سبيل الحقيقة والحرية والإنسان والقيم الأخيرة ولبنان؟..

ألخص الكثير المطلوب من الموارنة بما يلي:

1- تقبّل ما أُعطوه بتواضع تام، وبخوف ورعدة. الموقف الصحيح والأخير هو: «ليس لنا يا رب، ليس لنا، لكن لاسمك أعطِ المجد، من أجل رحمتك، ومن أجل حقك».

2- الشكران المتدفق عطاء بلا حساب ـ الشكران للمُعطي الجواد.

3- قدِّر كل وزنة من الوزنات العشر المُعطاة حق قدرها، وتأمل عظمتها بانكسار تام، وبخوف وخشوع، واستخلاص كل ما تنطوي عليه من تحديات.

4- الحرص الشديد على كل واحدة من هذه الوزنات، وتعهُّد إنمائها الى أقصى حد.

5- التأكد من أن لوجود الموارنة وبقائهم مغزًى وسرًا عجيبين، وتلمُّس هذا السر بتطلع شغف.

6- التأكد من أن هذا السر الدفين لا ينكفئ على لبنان فحسب، بل يتعداه الى أبعد وأعمق منه بكثير.

7- الإيمان المطلب (أ) بالحرية الكيانية الشخصية الإنسانية المسؤولة كأقدس شيء في الوجود، (ب) بأنها تختصر وتجسّد جوهر الوزنات العشر كلها التي أُعطيها الموارنة، (ج) بأن لبنان مؤتمن عليها أزليًا، ليس لنفسه فحسب، بل للمشرق كله، (د) وبأننا إذا خسرناها سيخسر الموارنة، وسيخسر لبنان معهم، جميع الوزنات التي أُعطوها، وسر بقائهم سيزول، وهكذا كل مبرر لوجود لبنان. وعندما يزول مبرر الوجود يزول الموجود.

8- أن يتأملوا، بخوف ورعدة وباتكال على رحمة الله، مثل العبد الصالح الأمين والعبد البطال الكسلان. العبد الصالح لم يحافظ على وزناته فحسب بل ضاعفها. أما العبد البطال فخاف ودفن وزنته في الأرض. لقد كان الموارنة حتى الآن أمناء على الوزنات التي أُعطوها، وقد ضاعفوها. ولا شك عندي أن السيد المُعطي إذا حاسبهم اليوم يقول لهم ما قاله للعبد الصالح: «أحسنت أيها العبد الصالح الأمين، قد وُجدت أميناً في القليل فسأقيمك على الكثير. أدخل الى فرح ربك». صلاتي الحارة أن لا يأتي يوم، وثقتي التامة أن يومًا لن يأتي، يقول فيه السيد المُعطي ما قاله للعبد البطال الكسلان: «خذوا منه الوزنة وأعطوها للآخرين، لأن كل من له يُعطى فيزداد ومن ليس له يؤخذ منه ما يتوهّم أنه له».

(انتهى)

إقرأ أيضاً: ماذا أعطي الموارنة وما المطلوب منهم؟ – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

خبر عاجل