
لا الجوع ولا غضب الشارع، ولا الموت بكورونا وإقفال البلاد، لا الانهيار المالي والاقتصادي والمعيشي، ولا المبادرتين الفرنسية والبطريركية، تمكنوا من فكفكة العقد الحكومية، وتقريب وجهات النظر بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمكلف سعد الحريري. العكس هو الصحيح، الهوة تتسع بين الرجلين، ومقاربة الوضع السياسي، تكاد تكون بعيدة عن كل منطق انقاذي من شأنه أن يعيد البلاد الى السكة الصحيحة، فبعد أقل من شهر على فيديو الكمامة الشهير، الذي خرج من القصر الجمهوري متهماً الحريري بالكذب، موقف عالي النبرة لعون بحق الحريري ايضاً، عنوانه طائفي ـ دستوري، لكنّ مضمونه الفعلي حرب صلاحيات واتهامات بالعرقلة وتثبيت للأحجام تحضيراً للمرحلة المقبلة، ما استدعى رداً مفصلاً من بيت الوسط مفاده، “الحكومة من 18 وزيراً، وانتهى الموضوع”.
مصادر المستقبل: المشكلة في ذهنية عون
في السياق، تجزم مصادر قيادية في تيار المستقبل، أن ما يصدر عن الرئاسة الأولى في هذه الفترة يسيء الى العهد وسيده، قبل ان يسيء الى أي أحد آخر، وتشدد على أن المشكلة ليست في الاسماء المطروحة، إنما في الذهنية التي يتعاطى بها رئيس الجمهورية مع الرئيس المكلف، لأن عون وفريقه يتعمدان مصادرة صلاحيات الرئيس المكلف، ويحاولان فرض الحصص والتوازنات داخل الحكومة، على أن يسقطا الأسماء عليها لاحقاً، مؤكدة محاولتهما تثبيت تشكيلة تكون مئة في المئة لمصلحتهما، وموضوع الثلث المعطل خير دليل على ذلك.
وتوضح في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن الحريري اعتمد معيار الأخصائيين، ومعظم الأسماء المطروحة مصدر ثقة دولية، لافتة الى أن فريق العهد لن يرضى بنجاح حكومة الحريري وبأن تكون المساعدات والإنقاذ على يديها، وتضيف، “نية هذا الفريق انتقامية وحاقدة، وهو يحاول احتكار، حتى، فرص الانقاذ”.
وتشير المصادر الى أن عون هو من يتعدى على صلاحيات الآخرين، إن من خلال محاولة مصادرة صلاحيات رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، وإن عبر حجز الحكومة وعدم إحالتها الى مجلس النواب، معتبرة أن الحجج التي اعتمدها لرفض تشكيلة الحريري، تقع ضمن صلاحيات السلطة التشريعية، اذ تعطي الرئاسة الأولى رأيها في التشكيلة، على أن يكون قرار منحها الثقة من عدمه بيد مجلس النواب.
وإذ تتأسف لأن فريق العهد يعيش حالة انكار ويريد الانتقام من كل من له صلة باتفاق الطائف، تتوقف عند الازدواجية في التعاطي، إذ وصل عون الى قصر بعبدا بعد الطائف، لكنه مصرّ على ممارسة الصلاحيات الدستورية كما كانت قبل هذا الاتفاق.
وترى المصادر أن كلام عون عن رفض الحريري للتدقيق الجنائي، غير صحيح على الإطلاق، لأن هذا الأمر كان مطلباً أساسياً للحريري منذ سنوات، وأحد شروط مؤتمرات سيدر ودعم أصدقاء لبنان والمبادرة الفرنسية، بأن تكون حسابات الدولة اللبنانية شفافة ومتاحة ودقيقة، وخاضعة لرقابة قضائية محاسبية، مذكرة بأن الرئيس المكلف طالب أكثر من مرة برفع الغطاء عنه وعن أي شخص قريب منه، قد يكون موضوع مسائلة وفق تحقيق شفاف وموضوعي ومهني.
حمادة: عون يحضّر لمرحلة “ما بعده”
من جهته، يرى المحلل السياسي علي حمادة، أن إشكالية التمديد المطروحة عبر مجموعة تصريحات من نواب في “التيار العوني”، لا تتعلق بشخص الرئيس عون، إنما بتمديد الحالة العونية عبر محاولة تنصيب صهر الرئيس وخليفته المعلن من داخل العائلة، الوزير السابق جبران باسيل، في رئاسة الجمهورية.
ويصف، في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني هذه التسريبات بالخطيرة، لأنها تترافق مع محاولات ابتزازية، مفادها، “إذا لم يتم التمديد للحالة العونية، فإننا قد نشهد على محاولة رئيس الجمهورية، تطيير الانتخابات النيابية في ربيع العام 2022، التي تسبق الانتخابات الرئاسية في تشرين الأول منه، كما على ارتفاع منسوب الابتزاز المتعلق بمسائل طرح الفدرالية، والتقسيم، واللامركزية التمثيلية والسياسية، ومحاولة إثارة الغرائز الطائفية والمذهبية”.
يتوقف حمادة عند الطريقة التي يفكر فيها عون، ورغبته بأن يكون ممثل الحالة المسيحية والطرف الثالث في المعادلة السياسية القائمة، “فهو يعتبر أن ما ينطبق على الثنائي الشيعي يجب ان ينطبق عليه، أي التمديد له وللحالة المنبثقة منه، تماماً كالتمديد الدائم لرئيس مجلس النواب نبيه بري كممثل للحالة الشيعية، والعودة الدائمة للحالة الحريرية الى رئاسة الحكومة، مبدياً خشيته من ذهابه بعيداً في محاولة البقاء على الكرسي، إما بشخصه او عبر خليفته”.
ويشدد على أن الصيغة الحكومية التي رفعها الحريري الى عون، غير مقبولة لا من سيد بعبدا ولا من حزب الله، الذي يعتبر أنها لا تراعي مطالبه، وإذ يوضح أن التشكيلة المقدمة، كناية عن صيغة مصغرة مؤلفة من وزراء مستقلين، لديهم هوامش واسعة نسبياً، ولا يمثلون استفزازا مباشراً للقوى السياسية، يذكّر بأن حزب الله يطلب دائماً حكومات موسعة من الممكن أن يصل العدد فيها الى 30 وزيراً، لكي يُغرق رئاسة الحكومة وخصومه السياسيين، ببحر من الوزراء الذين ينتمون الى خطه.
ويلفت الى أن عون يريد حصة كبيرة مسيحياً، وهو يحضّر لمرحلة “ما بعده”، بحال حصل تطور حال دون قيامه بمهامه، إذ تصبح السلطات بيد رئاسة مجلس الوزراء، كما انه يسعى لأن يكون لديه ولفريقه القدرة التعطيلية بمعزل عن حزب الله، لأنه يخشى ذهاب الأخير الى حدّ دعم النائب السابق سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، جازماً بأن “التيار” سيخوض هذه المعركة حتى ضد حزب الله.
يتوقع حمادة، على الرغم من الشرخ الكبير، في لحظة ما، تسوية إقليمية – دولية تنعكس على لبنان، وإذ يشير الى أن هذه التشكيلة، لا تناسب حزب الله، الذي يريد فيها الأحزاب والتقنيين التابعين لها، والسيطرة الكاملة، وحكومة موسعة وعدم إغضاب ميشال عون، يبدي أسفه لأن الحريري غير قادر لا على التراجع ولا على التقدم.
