#dfp #adsense

أكبر خطر على لبنان رميه في حضن الشرق – 1

حجم الخط

الدكتور شارل مالك – “المسيرة” – العدد 1713

مبادئ عرض مصيريّ عام:

• المسيحية الحرة بيتها لبنان            • لا يمكن فرض نظام على لبنان بالقوة

• المطلوب ضمان دولي                   • أكبر خطر على لبنان رميه في حضن الشرق (1)

 

1- لبنان وطن للحرية والإنسان

نحن هنا في صدد عرض عام للمسائل التي يثيرها مصير لبنان. هذا العرض بمجمله ليس سوى خلاصة وبلورة لقناعات أساسية توصلتُ إليها وسبق لي نشر بعضها بشكل أو بآخر. غير أن جمع هذه القناعات في إطار واحد متسلسل قد يؤول الى بعض الفائدة.

لبنان مؤهّل، بتراثه وتركبيه، لأن يكون ويبقى وطناً للحرية والعقل والحقيقة والمحبة والإنسان.

الحرية الحق هي الحرية الشخصية الكيانية الإنسانية المسؤولة.

العقل هو قدرة الإنسان على القبض على الحقيقة، كل حقيقة، والتأكد منها.

الحقيقة هي ما هي الأشياء، كل الأشياء، في حد ذاتها.

المحبة، عند المسيحيين، هي محبة المسيح التي حددها بقوله: «ما من حبّ أعظم من حبّ من يبذل نفسه في سبيل أحبائه» (إنجيل يوحنا 15: 13)، والتي وصفها بولس الرسول في قوله: «المحبة تتأنّى وترفُق. المحبة لا تحسد ولا تتباهى ولا تنتفخ، ولا تأتي قباحة، ولا تلتمس ما هو لها، ولا تحتدّ، ولا تظن السوء، ولا تفرح بالظلم، بل تفرح بالحق، وتحتمل كل شيء، وتصدق كل شيء، وترجو كل شيء، وتصبر على كل شيء» (الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس 13: 4 – 7).

والإنسان هو ما يُستخلص من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن طبيعة الإنسان وكرامته وحقوقه وواجباته وحرياته الأساسية.

فما نعنيه بقولنا إن لبنان مؤهّل لأن يكون وطناً للحرية والعقل والحقيقة والمحبة والإنسان، هو أن الحرية كما حددناها، موجودة ومحترمة فيه، أن العقل بإمكانه عَقْلُ أية حقيقة تتكافأ مع قدرته والتثبّت منها وإعلانها فيه، أن محبة المسيح ممكنة تمامًا فيه، وأن القدر من كرامة الإنسان الذي يصوّره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان محقّق فيه بشكل يتميّز به عن غيره.

 

2 – لبنان دولة ومجتمع وانتماءات

لبنان دولة ومجتمع وانتماءات دينية ومذهبية وثقافية.

لبنان دولة سيدة مستقلة، عضو مؤسّس في الأمم المتحدة.

لبنان لا يتميّز بكونه دولة سيدة كسائر الدول السيدة، بل بنوعية مجتمعه. هذه النوعية هي كون مجتمعه مجتمعًا حرًا، منفتحًا، ديمقراطيًا، تعدديًا، بالمعاني الأصيلة لهذه الصفات الأربع.

المسيحية تحتل مركزًا خاصًا في لبنان، لأن لبنان هو البلد الوحيد في الشرقين الأدنى والأوسط الذي تجد المسيحية نفسها فيه حرة آمنة، وتشعر أنها فيه في بيتها تمامًا.

لا يُوظف المجتمع ولا تُوظف الإنتماءات من أجل الدولة، بل هي الدولة التي تُوظف من أجل حرية المجتمع وحرية الإنتماءات.

من أجل حرية مجتمع دولة لبنان، وحرية الإنتماءات الدينية والثقافية الموجودة فيها، يجب أن تكون وتبقى في شرقي البحر الأبيض المتوسط دولة سيدة مستقلة، غير مدموجة في غيرها، إسمها لبنان.

من أجل ما عناه ويعنيه لبنان لذاته ولمحيطه وللعالم، لا يجوز أن ينقرض، أو أن يُحجّم، مجتمع لبنان الحر، المنفتح، الديمقراطي، التعددي، لا في المستقبل القريب ولا في المستقبل البعيد، بحيث يتحوّل الى مجتمع توتاليتاري لا يعرف معنى الحرية والإنفتاح والديمقراطية والتعددية الحق.

بما أن لبنان يتفرّد بمسيحيته الحرة، فلا يجوز زوال هذه المسيحية من شرقي البحر الأبيض المتوسط، وبوجه التحديد من لبنان، أو هُزال وجودها، لا في المستقبل القريب ولا بعد مئة سنة أو بعد ألف سنة.

ديمقراطية لبنان لا تُبنى على العدد فحسب، بل أيضًا على التعدّد، لأن العدد وحده يُفرّط بحرية الإنتماءات التي يتألف منها المجتمع اللبناني. حفاظاً على الحرية التي من أجلها إنّما وُجد لبنان، وجب أن تكون ديمقراطية لبنان تعددية أكثر منها عددية.

مع الحفاظ على حرية الإنتماءات، يجب أن تُصهر كلها في وطن واحد وتخلص له.

 

3 – الحرية الكيانية المسؤولة

لبنان لا يتألف من سعة أرضه، ولا من جمال طبيعته، ولا من كثرة سكانه، ولا من ذكاء أهليه، ولا من إنتشار بنيه في العالم، ولا من مناخه العظيم، ولا من نظامه السياسي. هذه جميعًا لا شيء إلا إذا آلت الى شيء أعمق وأرفع وأبعد وأبقى منها. هذا الشيء الذي كل شيء آخر لا قيمة له إلا بقدر ما يتحيه ويسمح به ويحيطه بسياج عظيم، هو الحرية الشخصية الكيانية الإنسانية الفرحة المسؤولة. وبقدر ما تُغلب هذه الحرية على أمرها يضعف لبنان ويخبو. وبقدر ما تتأصّل وتثبت يعلو ويسود. كل شيء يُوظف ويتوظف من أجل هذه الحرية، أما هي فلا تُوظف من أجل أي شيء سواها. هي الحافز وهي الهدف في آن.

إذا عرفنا عيوبنا وإمكاناتنا بالفعل، عندئذ يصبح هدفنا الأول والأخير أن نبقى وأولادنا وذريتنا الى الأبد أحرارًا، أمناء للوديعة العظمى التي أُعطيناها، أعني الحرية الشخصية الكيانية الإنسانية الفرحة المسؤولة.

وهمٌ وخطل خلط الحرية بالفوضى. الحرية المسؤولة لاعلاقة لها البتة بالفوضى. الفوضوي عبدٌ لأهوائه ونزواته، أما الحر فيملك قدرة ضبط نزواته وأمزجته. حرية الفوضوي سلبتها منه أهواؤه وعاداته. صار عبدًا لها. الحر الحقيقي إنسان مسؤول. يُسأل أمام خمسة: يُسأل أمام ضميره، يُسأل أمام الغير المعاصرين، يُسأل أمام الأحرار في الماضي والحاضر، يُسأل أمام التاريخ، يُسأل أمام الله إذا كان إنساناً مؤمناً. الحر هو بالذات من لا ينجرّ وراء كل شيء يحلو له، وراء كل نزوة تعتريه. في كل فكر يخطر له أو عمل يقومه يسأل نفسه، عن وعي أو عن غير وعي: هل ضميري يرضى عنه، ماذا يقول عني الأحرار الآخرون بشأنه، ما هو حكم التاريخ عليّ بسببه، ما هو حكم الله عليّ بسببه؟ الحر دائمًا مسؤول أمام أربعة حَكم أو خمسة.

 

4 – مشكلة الأقليات

التمييزات الأساسية في الشرق الأوسط كلها ليست تمييزات عرقية أو قومية أو لغوية أو طبقية، بل تمييزات دينية. من هنا إن مشكلة الشرق الأوسط الدهرية هي مشكلة الأقليات الدينية. في هذه المنطقة يُعرف الإنسان عادة من مجرد إسمه هل هو مسلم أم مسيحي. توجد أسماء لا يُسمّى بها إلا مسيحيون وأسماء أخرى لا يُسمّى بها إلا مسلمون. وقادة السياسة والفكر لم يعطوا هذه المشكلة حتى الآن العناية التي تستحق.

عبث التطلع الى مستقبل في الشرق الأوسط يسود فيه السلم الحقيقي الدائم إلا إذا جوبهت مشكلة الأقليات مجابهة صريحة مسؤولة حاسمة.

يستحيل بعد الآن، خاصة بعد قيام دولة إسرائيل، طمس مشكلة الأقليات في الشرق الأوسط أو التغاضي عنها.

إن قمع الأقليات أو قهرها لم ينجح في الماضي ولن ينجح، على الأخص، في المستقبل.

لبنان مدعو، بطبيعته وتاريخه، الى حل مشكلة الأقليات حلاً نهائيًا، بحيث لا توجد فيه أقلية تشكو أو تُستعبد، أو أكثرية تطغى وتستبدّ.

ونظرًا لأن مشكلة الأقليات هي المشكلة الأولى الدهرية المستعصية في الشرق الأوسط، فدعوه لبنان لحلّها، وقدرته على حلّها، حلاً نهائيًا عادلاً ليست بالدعوة أو القدرة البسيطة الطارئة: إنها دعوة عيّنتها له العناية ذاتها ومكّنته من تحقيقها. ودعوة كهذه لا أندَر منها ولا أعزّ وأشرف.

 

5 – حرية المسيحية وأمنتها

أمام خطر زوال حريتها وأمنتها، تولّدت لدى المسيحية في لبنان خمسة مواقف أساسية:

1 – أنها لا تريد لنفسها أكثر مما تريده لغيرها. هذا أمنع موقف أساسي يمكن أن تقفه. إنه برهان قاطع على وجود نية حسنة لا تطمح الى السيطرة والتسلّط.

2 – أنها لا تقبل لنفسها بأقل مما يريده غيرها لنفسه.

3 – أن حريتها وأمنتها لا تختصان بمنطقة معينة، بل تشملان كل مسيحي وكل مجتمع مسيحي في كل لبنان.

4 – أن حريتها وأمنتها لا تتوقفان على أي إعتبار ديموغرافي أو أي إتجاه سياسي أو عقائدي.

5 – وأن الإحترام الحقيقي التام المتبادل، وسعة الصدر، بين جميع الأديان والمذاهب والثقافات، هما الشرطان اللازمان لوجود لبنان أصلاً ولثبات الحرية الحق فيه.

حرية المسيحية تعني أنها لا تخضع لأي ضغط سياسي أو مجتمعي أو إيديولوجي من خارج ذاتها، بل إنها، تمامًا، سيدة قيمها وتراثها ومصيرها وتنظيمها وطقوسها وعلاقاتها الحرة العضوية بالمسيحية العالمية. المسيحية في لبنان جزء لا ينجزئ من المسيحية العالمية.

أمنة المسيحية تعني أن سيادتها على ذاتها، قيمًا ومصيرًا، مضمونة داخليًا، قانوناً وعُرفاً، وأن تحظى هذه الأمنة الداخلية أيضًا بضمان دولي.

في وجه ما يُبيّت للبنان اليوم، في الخفية وفي العلن، أصبح واضحًا تمامًا لدى العالم كله أن مصير المسيحية فيه في كفة القدر، بمعنى أن حريتها وأمنتها مهددتان بخطر الزوال التام من الوجود.

تقيس المسيحية في لبنان كل إجراء، سياسيًا كان أم بنيانيًا أم ثقافيًا، من زاوية حريتها وأمنتها. فبقدر ما يؤول الإجراء الى تأمين هاتين الحرية والأمنة وترسيخهما، ترحب به، وبقدر ما يفضي الى تقويض المسيحية الحرة الآمنة في لبنان أو إضعافها، ترفضه وتقاومه بشتى الوسائل.

تحرص المسيحية في لبنان، أشد الحرص، على أن تكون بالفعل حرة آمنة، سيدة تراثها وقيمها ومصيرها، تمامًا كفي أي بلد آخر في العالم هي فيه بالفعل حرة آمنة، سيدة تراثها وقيمها ومصيرها.

لذلك لا تقبل المسيحية في لبنان أن تكون حرة آمنة، سيدة تراثها وقيمها ومصيرها، أقل مما تتمتع المسيحية به في بون وباريس وبرمنغهام وبوسطن وبرزباين وبوانس أيرس.

المسيحية اللبنانية الحرة، بتنوّع إنتماءاتها، بعدم تعدّيها على أحد، بسبب تأصّلها الثقافي في تربة هذا المشرق، وبسبب علاقاتها العالمية التاريخية العريقة، تكون مصدر نعمة وثراء، ليس لذاتها فحسب، بل للإسلام ولليهودية وللعالم معًا.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل