لا شيء جديد تحت الشمس. فالوضع استقرّ على اللااستقرار على الرغم من بعض التسريبات عن الاتصالات التي تدور بين أتراب الصفّ الواحد لتحرير الحكومة إرضاء للمجتمع الدّولي. وذلك بعدما ركن هذا الفريق إلى ما يعتقد أنّه أراده في السياسة الدّوليّة. ويبدو أنّ أزمة الثقة قد استجدّت بين أطراف هذا الفريق. لكن من المستبعد ألا يقدر المايسترو فيه ممارسة سياسة العصا والجزرة على حليفه. فهل سيستطيع حزب الله الضغط على حليفه لتحرير الحكومة من أدراج إمارة النّسيان، أي بعبدا؟
يحاول تيار النائب جبران باسيل دائمًا اللعب على وتر حقوق المسيحيّين حتّى مع حلفائه. فيظهر لهم عدم ثقته ليتمّ استرضاءه فيظهر بمثابة الرجل المسيحي القوي الذي أعاد حقوق المسيحيين التي كانت حروب تياره العبثيّة المفتاح الأساس في العبث فيها. فهذه مسرحيّة ممجوجة بين الحلفاء للضحك على البسطاء. ولم تعد تنطلي على أحد. فعليه، وعليهم اللعب على غير هذا الوتر.
فالكلّ يعلم بنهاية المطاف أنّ الولاء الذي تمّ إعلانه في 6 شباط 2006 غير قابل للعزل أو للفصل نظرًا للقدر الكبير من الارتهان لقاء المكسب الذي كان مترقبًا وتحقّق. والحجّة كانت دائمًا الواقعيّة السياسيّة إذ لا نستطيع أن نعارض أمر السلاح الواقع، لذلك بُرِّرَت عمليّ الرضوخ هذه بكلمات منمّقة مثل كلمة “التفاهم”. لكنّ الطرف الأقوى في هذا الاتّفاق أي حزب الله، لا يعطي من فائض قوّته لحليفه إلا بقدر ما يسمح له بإبقاء سيطرته المطبقة عليه. فيما يتباهى التيار البرتقالي بما منّ به عليه الأصفر على أنّه انتصار لمبدأ استرجاع حقوق المسيحيين الممجوج.
من هذا المنطلق، تأتي المقاربة الحكوميّة اليوم. فعلى ما يبدو أنّ عمليّة التقاسم والتحاصص هي الأساس في التشكيل وليس هموم الناس وجوعهم. هذه النّاس التي تصرخ وتئنّ يوميًّا مطالبة بكبح جماح اللصوص والمهرّبين. في حين ينبري بعض المتملّقين في السلطة لينتقدوا القوّات اللبنانيّ لمطالبتها بترشيد الدّعم وبإقفال الحدود على التّهريب بالكامل. وبلغت وقاحة بعضهم إلى حدّ تبرير عمليّة التهريب الحدودي وتشبيهها في بعض العمليّات التي تعتبر طبيعيّة (مع التحفّظ) بين بعض الدّول. إلا أنّ فاتهم أنّ الاعتراض ليس على مواطن فقير يتحايل على الجمارك في طريق جرديّة ليهرّب عشرين ليترًا من المازوت على بغله ليدفّئ بوساطتها أطفاله في الشتاء القارس. بل الاعتراض على التهريب المنظّم الذي بات قطاعًا أساسيًّا يقوم عليه اقتصاد النّظام السوري.
إضافة إلى ذلك كلّه، لا يبدو أنّ الاتّصال الذي جرى بينالرئيسين بايدن وماكرون عن ملفّ الأزمة اللبنانيّة بقي في إطار الزمة فقط ولم يرقَ إلى ملفّ القضيّة اللبنانيّة. وهذا ما يجب التمييز بينه في هذا السياق. فالفارق كبير بين القضيّة والأزمة. فالأزمة اليوم تنحصر في الملفّ الحكومي والممارسة السياسيّة بينما القضيّة تتعدّاها إلى ما هو كيانيّ يرتبط ارتباطًا مباشرًا في العمليّة الممنهجة التي يقودها حزب الله وبغطاء برتقاليّ لضرب الكيانيّة اللبنانيّة برمّتها والتي هي علّة وجوهر كيان لبنان وليس وجوده وحسب.
بغضّ النّظر عن المؤشّرات التي ترسل رسائل شبه مؤكّدة بضرورة إنهاء الملفّ الحكومي، فبالوادر كلّها تدلّ أنّ هذا الملفّ لن يفكّ ارتباطه إلا بفكّ بعض المكاسب الدوليّة بين إيران وأميركا. ويبدو أنّ الأضواء الخضراء لا تلحق أن تشتعل حتّى تعود وتنطفئ بفعل الأطماع والمحاصصات في الدّاخل. وسط ذلك كلّه، النّاس تموت من كورونا ومن الجوع، ولا تزال هذه السلطة تبحث عن مصادر لتمويل نهبها وتهريبها إلى سوريا؛ وليس آخرها تصريف الهبة الممنوحة من الجهات المانحة في الأمم المتّحدة للنّازحين السوريين، إضافة إلى القرض الممنوح من البنك الدّولي لبرنامج العائلات الأكثر فقرًا والذي قيمته 246 مليون دولار، على أن تصرف كلّها سعر جديد، وليس بحسب المنصّة، يقال إنّه سيكون 6000 ليرة للدولار. فهل من أمل يرتجى مع هكذا سلطة بعد؟
