#dfp #adsense

كيفَ تُعَذَّبُ عيونُنا وآذانُنا

حجم الخط

تُطالعُنا، يوميّاً، الشّاشاتُ الزّاهرةُ بِمُستَقبَلين، غالبيّتُهم من ذَوي الأَلقابِ في السياسةِ والإِعلام، هم أَقربُ الى الكوابيسِ التي تَحشدُ الغرائز، منهم الى الإتّزانِ الذي ينبغي أن يُغلِّفَ عَضَلَةَ اللّسان. ويَحضرُنا، في هذا الصَّدد، ما ينصحُ به عِلمُ النّفسِ الإِدراكيّ أصحابَ الفكرِ الهوائيّ، وما أكثرَهم عندنا، بوجوبِ تقريبِ المسافةِ بين العقلِ والصّوت، وإِبعادِها بين الصّوتِ واللّسان. ما يعني، بالصّورة، الإسراعَ الى تركيبِ رقبةٍ طويلة “زَرافيّة” ليعبرَ الكلامُ فيها على مَهل، قاطِعاً غربالاً بعدَ غربال، ليتبخّرَ، في أكثرِ الحالات، فلا يُفرَجُ عنه، وذلك ما يَقي المستمعِين الترّهات، ويُعفي النّاطِقَ بها من الشّتم.

هؤلاء الذين يغزون الشّاشات، في أيّامنا الموبوءةِ بهم، لا يعرفونَ أنّ للإطلالةِ الإعلاميّةِ دَوراً، هو رِياديٌّ في المجتمعاتِ الديمقراطيّةِ الرّاقية، كونَها تؤدّي الى تكوينِ رأيٍ عامٍ، بكلّ مندرجاتِه، والى تَرشيدِه، نظراً للتّماسِ المُباشَرِ مع النّاس. لذلك، اعتبرَ بعضُ المرجعيّاتِ في عِلمِ السّلوك، أنّ الطلَّةَ الإعلاميّة عِلمٌ قائمٌ بذاتِه، له أُصولٌ وقواعدُ. أمّا الوقائعُ المشهودةُ، مع “المُتَلفَزين”، فتُثبِتُ أنّ المعاييرَ والأُصولَ، مع هؤلاء، كالسفينةِ على أرضٍ يابسة، ولا عجب، ففاقِدُ الشيءِ لا يُعطيه.

الضَّرَر التّشويهيّ الذي ينالُ من سلامةِ عقولِ المُستَمِعين/ المُشاهِدين، فيتأتّى من المُطالَعاتِ المُلَوَّثَةِ التي يدَّعي صاحبِها بأنّه الوحيدُ على صَواب، وأنّ الآخرينَ، جميعاً، على خَطَأ، وذلك من دونِ أن يقدّمَ برهاناً مقبولاً ثابِتاً يدعمُ ادّعاءاتِه. أمّا قاعدةُ الصوابِ والخطأ، فيحدّدُها المُستضافُ انطلاقاً من حَشْوٍ في جمجمتِه، وليسَ، أبداً، مِمّا تَوافقَت عليه القوانينُ والأنظمةُ، وحتى العِرفُ الشَّعبي، ما يُظهِرُ وكأنّ رَذاذَ موجاتِ الفَهمِ والمنطقِ لم يُبَلِّلْ مُخَّه.

والأدهى، نَشوبُ المَديحِ المتبادَلِ بين طَرَفَي ” الغَزَل “، أي بينَ المُضيفِ والمُضافِ إليه، فيُغدِقُ كلٌّ منهما على الآخرِ سَيلاً منَ التَّقريظِ بالجُملَة، وألقاباً مُتَمَلِّقةً من مثلِ ” تُحفةِ الخُبراءِ في عِلمِ السياسة” أو ” صاحِبِ الفكرِ السياسيّ الفَذّ”، يُقابلُها “الإعلاميُّ الأَلمَعيّ” و”أسطورةُ الإعلامِ في لبنانَ وسائرِ المَشرِق”… ما يُحدِثُ دماراً شاملاً في عقولِ مَنْ تَصلُ الى مَسامعِهم، بالصِّدفةِ أو لِمَلْءِ الفراغ، من الذين جَنَوا على آذانِهم بهذا الضّجيج.

هؤلاءِ “البَصّارون” المُلَقَّبونَ مرجعيّاتٍ في السياسة أو الإعلام، هم ذَوو فَراسةٍ موصوفة، فقدوا آلةَ الرّشد، فانطلقَت ألسنتُهم بتوقّعاتٍ همايونيّةٍ “خُنفُشاريّةٍ” لا تُثيرُ سوى السّخريةِ، وتبيّنُ أنّهم غائبونَ عن الوَعيِ العقليّ، مُبَرمَجونَ، بإتقان، ومُسَيَّرون من جانبِ الوَصِيِّ أو الوَلِيّ، لاستباحةِ الحقيقةِ وتَخريبِها، و”بَخِّ” الزَّيَفِ على أنّه، وحدَه، الحقيقة. وهذا بالذات، تَخطيطٌ مُغرِضٌ يأتيهِ مَن هم وراءَ الشّاشة، ينفّذُه أكثرُ المُستَضافين، في إطلالاتِهم، من دونِ استيعابِ أنّ ما يأتونَه تَمريرٌ مُؤامراتيٌّ خطير.

اللسانَ هو تُرجمانُ العقلِ، واستقامةُ القلب، ويُؤَشِّرُ إفلاسُه لإفلاسِ الفكرِ والرَوِيّة، ويفضحُ إِسفافُهُ آفاتِ الخُلُق. من هنا، كان الصَّمتُ، في الكثيرِ من الأحيانِ، باباً من أبوابِ الجنّة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل