#dfp #adsense

الموارنة من أجل الحرية والأرض يموتون واقفين -1

حجم الخط

كتب الأب ميشال حايك في “المسيرة” – العدد 1713

 

«من البديهي أن كلمة أرض في العنوان تعني لبنان ولكن بدل «الكنيسة المارونية» أفضّل إستعمال «المارونية» حتى لا أستبعد أي وجه من وجوه الحياة والفكر عند الموارنة، هذه الوجوه متعددة ومتنوّعة وسأتطرق الى أكثرها تأثيراً على تشكيل صورة «المارونية» في خلال القرون الخمسة عشر من تاريخها.

*في البدايات ظهرت «المارونية» كطريق قداسة اختّطها المتوحد مارون وتبعه مجموعة من تلاميذه.

*في القرن الخامس، في زمن الإشكالات حول طبيعة المسيح، فرضت نفسها كمدرسة لاهوتية سيطرت على مجمع خلقيدونية وعلى مجمل انطاكيا (حسب تقسيم الولايات الرومانية) في مستهل القرن الثامن ومع تشكيل بطريركية تحولت الى مؤسسة كنسية مستقلة،

*خلال القرون الوسطى، كانت «المارونية» مسيحية بالمعنى الوسيط (Medievale).

*بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، في زمن الإمارة، كانت تجربة خصبة للدولة العصرية.

*في زمن المتصرفية (1864-1914) كانت نظرية وحركة سياسية سورية-عربية.

*أما في ظل الإنتداب الفرنسي والإستقلال فبدت متماهية مع القومية اللبنانية.

لا يمكن إذن حصر «المارونية» بكنيسة: ولا تبدو أيضاً محصورة بأرض لأنه بالبعد الكوني (universalisme) لإيمانها الكاثوليكي وبانتشارها الجغرافي في القارات كلها، وبتنّوع تعبيراتها الثقافية، تتخطى حدود أي إقليم قومي، المارونية بكل أوجهها تحمل في جوهرها معنى كونياً.غير أن هذه الثروات كانت لتتبدد من دون شك والشخصية المارونية كانت لتتفكك لولا بقاء نقطة ارتكاز في مكان ما يؤمن الوحدة ويحافظ على الإلتحام. هذا المركز هو لبنان.

يمكن القول إن إنتقال الكرسي البطريركي الى يانوح، في أعالي الجبال المحيطة بجبيل العام 939 م كان بمثابة زواج غير قابل للإنحلال لعلاقة الحبّ التي تربط الماروني والأرض اللبنانية. من هذا الزواج ولد شعب وبلد. لأنه من غير الماروني لكانت الأرض عاقراً وخاوية ولأنه من غير الأرض، كان الماروني تائهاً من باب الى باب حتى فقدان مكان يقف عليه.

لن أحدثكم عن الشغف الكبير الذي يربط الماروني بالأرض، وفي هذا المجال أكتفي بالقول إنه منذ الف عام شعلة الحب مّتقدة دائماً، إن عمليات الأبعاد الجسدية التي فرضها العنف لم تنجح إلا في زيادة الحنين وبتقوية الوفاء. أولاً: التشابه إذا كان التناغم بينهما كاملاً فلأن التشابه بينهما كاملاً، سأكلمكم في شكل خاص على التشابه الخفي بين التاريخ القديم لهذه الأرض والتاريخ الحديث لهذا الشعب، بين جغرافية الأرض وشخصية الماروني: المصيران كانا مقدّرين للتلاقي والإتحاد التام.

 

أ‌- مشروع الكونية Projet d’universalisme

ما يمّيز تاريخ هذه الأرض، منذ البدايات هو الكونية، هنا، على هذا الشاطئ القارات الثلاث تلاقت: أفريقيا الملتهبة، آسيا الغامضة وأوروبا المصّنعة. هنا، أكثر من أي مكان آخر، الأعراق تلاقت في مهرجان، بقي منه المجموعات التي تعيش فيه، كمعالم أثرية حيّة. هنا، على هذه الأرض، تمت عبادة أكبر عدد من الآلهة، آلهة اليونان وروما التي أضيفت الى أكثر من خمسة آلاف شخصية إلهية إخترعتها الشعوب السامية. ولهذا ليس مستغرباً وبنتيجة حاجة ملحة، أن يكون اللبنانيون الأوائل اخترعوا الأبجدية، أولى أدوات السلام لتأمين التواصل بين المجموعات المتنوّعة. حمل دعوة لبنان الكونية، كان قدر الموارنة. وهكذا حاولوا منذ البداية، أن يكونوا أوفياء من الزاوية العقائدية والإجتماعية: الوفاء لسوريا التي شكلوا جزءا منها، الوفاء لبيزنطية التي طبعتهم بثقافتها والوفاء لروما التي يعتبرونها المرجعية العليا للإيمان. على رغم كل التضحيات، لم ينجحوا في عملية المصالحة الإنسانية والمسيحية، ولكنهم على الأقل حاولوا عند قدومهم الى لبنان أن يصالحوا الأرض مع ماضيها بكامله الذي ينتمون إليه بشكل كامل. كما بحثوا عن شركاء وإقامة عهود مع المجموعات كلها، مسيحية كانت أم غير مسيحية بشرط أن تكون مستعدة لتقبل التعددية. لبنان المعاصر ولد من العهود التي تعيد الى الأرض اللبنانية وجهها الأزلي، غير أنهم بدأوا يخسرون رهانهم الأخير، فبعدما خسروا رهاناتهم القديمة على بيزنطية، الفرنسيين والعثمانيين والغربيين والعرب يبقى لهم على الأقل عزاء بأنهم كانوا دائماً أوفياء لأنفسهم وللأرض.

إلا أن فشلهم على مستوى التعددية السياسية عوّضوا عنه بالنجاح على المستوى الثقافي. نجاحهم الأفضل هو في هذا المجال وفي كل زمن. مار مارون نفسه كان يتكلم لغتين وفي أي حال رهبان بيت مارون كانوا يتقنون لغتين: كانوا يحتفلون بالليتورجيا باللغة السريانية، لغة إبن الله المتأنس، وكانوا يوقعون الرسائل الرسمية الى البابا أو الى الإمبراطور باليونانية (…) والإلمام بحقول علمية متنوّعة الذي لا نعرف عنه إلا بعض الومضات في القرون الوسطى، بدأ يصبح أكثر وضوحاً مع إنشاء المدرسة المارونية في روما العام 1584 ومدرسة عين ورقة العام 1789.

العلماء المتخرّجون من هذين الصرحين قاموا بعملية نقل ثقافة هائلة لا نظير لها بالإمكانات المتواضعة التي كانت متوافرة، هؤلاء هم الذين كانوا أول من أطلع الغرب على ثروات الشرق وكانوا طلائع النهضة في الشرق. هكذا نجح الموارنة، قرناً بعد قرن، في بناء الجسور بين الشرق والغرب وفي الحفاظ على التبادل الإنساني على الرغم من المخاوف والصعوبات. لم يبقوا غريبين عن أي من الثقافات الكبرى لا اليونانية أو السريانية أو اللاتينية أو العربية أو الإيطالية أو الإنكليزية أو الإسبانية أو البرتغالية. مؤتمرنا هو تظهير لنوع من هذه العنصرة، موهبة اللغات هي من مواهب الروح القدس، والإمتياز الذي أعطاه الخالق للأرض اللبنانية هو أنه وضعها في نقطة التقاء الحضارات والقارات. ومنذ ذلك، كل من يرفض احدى هذه الثقافات التي من أجلها اخترعت جبيل الأبجدية، يبدو وكأنه ساقط من هويته اللبنانية. من هذا المنظار الكوني، عبارتا ماروني ولبناني يمكن أن تحل كل واحدة مكان الثانية.

 

ب- التماثل بين الجغرافيا والإنسانConformat geohumain

إن الأبحاث المعاصرة في مجال علم النفس توضح المكوّنات البسيكولوجية للشعوب إنطلاقاً من المعطيات الطوبوغرافية. الأرض المسطحة غالباً ما يقابلها نفسية مسطحة ووعي واضح وأفكار سهلة ومتجانسة. أما الأرض المكوّنة من وديان ومغاور فيقابلها في شخصية الإنسان، لاوعي وبقايا الأنا التي تتشكل من وجود مستتر، في حين أن الجبل يقابله في علم النفس الكائن المثالي (le surmoi) الذي يريد أن يتماثل معه كل إنسان، ويحلم أن يحققه. طوبوغرافياً، لبنان مكوّن من جبال ووديان، هي جبال معكوسة. وهكذا إنه يمثل العمق والقمة جغرافياً وروحياً أيضاً بالنسبة الى المشرق. في كل الأزمنة مارس جاذبية قوية على البلدان المحيطة به التي وجدت فيها أوهامها المخيفة وأحلامها المتبلورة. ففي مغاوره الحيّة سرقت نبتة الحياة (إشارة الى أسطورة جلجامش) ومن على قمم حرمون وصنين يستعد الحبيب في نشيد الأناشيد للظهور الى هنا تأتي لتختبئ وتعيش تفتّحها بسكينة، الأرواح العميقة الكبيرة التي تمثل المجموعات الثقافية والدينية الحاملة شتى أنواع القلق والتوق الى المطلق في هذا المشرق الذي يكمّ ويخنق ويكبت. من بين كل هذه المجموعات، العنصر الأكثر تمرداً هو الماروني القاطن منذ القدم الجبال والوديان الذي لم يخضع لاملاءات الأمبراطوريات وان كان دائماً خائفاً منها. إنه يختزن أوهام الباطن وأحلام الكائن المثالي، من هنا هذا الإختلاط لديه بين الحماسة والإحباط، بين الحرمان والإسراف. ويمكن ملاحظة بصماتها على تاريخه، وعلى مجمل إنجازاته السياسية الاجتماعية، الجمالية ومن خلال بعض رموزه مثل جبران وشربل: الأول مطبوع من النظرة العميقة لقاديشا ويتوق الى الذوبان في الحلولية الكونية، والآخر، شربل، يتابع على القمم مسيرته نحو اللانهاية. فيهما ترتسم صورة الطبيعة التي أنجبتهما ومنها أنتجوا كل الحب الجنوني والعنف والإفراط. هذا الأفراط نفسه الذي دفع مار مارون الى التعرّض وحيداً على هضبة من هضاب قوروش (تركيا اليوم – أنطاكيا أمس) الى مزاج الطبيعة، هو ما دفع شربل الى الصومعة على قمة عنايا، وهو ما دفع الشبان الى تعريض أنفسهم للقتل على الحواجز على هضبة الأشرفية، وهو ما دفع المهاجر الى المغامرة في أصقاع العالم. طبعاً الأسلوب والظروف يختلفان غير أنه، في كل الأحوال الرجل نفسه الذي يذهب الى نهاية حدود ذاته. الشعب الماروني لا يعرف نفسه إلا من خلال هذا الإفراط، إنه لا يجد مقياسه الحقيقي ألا في الأوضاع الأكثر حدّة، الا في الذروة، إذ إن أبناء الجبل ورثوا من الجبل قسوته وحدّته (…).

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل