#dfp #adsense

هلال إيران يترنح… قلب الطاولة “محتّم”

حجم الخط

مع وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، بدأت مرحلة جديدة وحاسمة في الشرق الأوسط تشهد خلط أوراق كبير وإعادة برمجة لتسويات وترتيب تحالفات إقليمية ودولية، سيكون لها تأثير على مستقبل المنطقة والعالم.

المنطقة مقبلة على تطورات كبيرة وجذرية، تبدأ من العام الحالي ولا تنتهي قبل العام 2023. وخلال هذه الفترة، سيجهد كل طرف إقليمي ودولي من أجل إعادة ترتيب أولوياته ومكتسباته وتعزيزها وتقويتها تمهيداً لمرحلة فرض التسويات النهائية.

من هنا يمكن إبداء الآتي:

أولاً، عاشت إيران بين اللاحرب واللاسلم منذ 40 عاماً إلى اليوم، وتمكنت بفضل منظومة ثورية عابرة للحدود من أن تتجنب المواجهة المباشرة مع دول المنطقة. اليوم لم يعد هذا النمط الإيراني مقبولاً، لا إقليميا ولا دولياً، ولا حتى داخل إيران.

فالنظام الدولي الجديد الصاعد من انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة، يحمل ملامح تغييره الكبير، إذ نلاحظ، من الرئيس الأميركي جو بايدن، وصولاً إلى الصين، مروراً بالعالم وأوروبا والمنطقة العربية والشرق الأوسط برمته، نمطية جديدة في مقاربة الأمور وأجندة جديدة لحسم مواقع صراعات إقليمية في طليعتها الشرق الأوسط، أو غرب آسيا بالمفهوم الاستراتيجي الأميركي.

حتى إسرائيل ودول الخليج لم تعد كما كانت أيام الرئيسين السابقين باراك أوباما ودونالد ترمب، وقد تبلور تحالف إقليمي ـ دولي يمتد من اليونان فقبرص فالأردن فمصر فالخليج، وإسرائيل في وسطهم. وهذا الهلال الإقليمي الدولي، لم تكن إيران لتتوقعه في الأمس القريب حتى.

ثانيا، دول الخليج سبقت كل اتفاق محتمل مع إيران. وحتى بايدن غير قادر على تخطيها، وهو لا يستطيع أن ينقضها لأن لإسرائيل دورها معها وأصبحت كلمتها في وسط الخليج والمنطقة العربية، وهي في القيادة المركزية الوسطى في المنطقة. وإسرائيل باتت تحيط بهلال طوق بإيران، في مقابل هلال إيران المترنح في كل من العراق وسوريا وصولا إلى لبنان.

من هنا الأهمية الجيو ـ سياسية والجيو ـ استراتيجية للتحالف العربي الإسرائيلي، وانعكاساته على الأمنين الإقليمي والدولي.

ثالثا، بموازاة التغيرات الجذرية أعلاه، نلاحظ أن المنطقة العربية تستعد للمستقبل بالانتقال من نموذج حوكمة بشعارات تجاوزها الزمن حالياً، وختمت التطورات زهاء أكثر من 70 عاماً من اجترارها في كل مناسبة وموقف ومؤتمر.

ثقافة إقليمية كاملة بدأت تتبدل: من مفاهيم مقاتلة العرب للصليبيين إلى مفهوم مقاتلة إيران وحروبها الإمبريالية، ونظريات كمثل تجزئة المجزأ، وعائلة الأسد في سوريا تدخل لبنان لاحتلاله تحت شعار القضية الفلسطينية، والعراق يدخل الكويت لاحتلالها ومصر تدخل اليمن تحت شعار القضية ذاتها… كل هذه المنظومة الفكرية والموروث التاريخي السياسي سقط وانتهى اليوم أو قاب قوسين، لأن كل المشهد الإقليمي وحتى الدولي بدأ يتغير، وهو يتغير، ونحن أمام منطقة أخرى كلياً، إذ لم يعد بإمكان الإيرانيين الدخول إلى 4 عواصم عربية جديدة بحجة القضية الفلسطينية، فتلك المعادلة لم تعد تقنع حتى أربابها.

رابعاً، السلام العربي الإسرائيلي أحدث وسيُحدث المزيد من الارتدادات والتغيرات والتبدلات غير المتوقعة. فالصين اليوم لم تعد الصين أمس، وروسيا اليوم لم تعد روسيا الأمس (الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منشغل بموسكو وفي جنوب القوقاز ووسط أسيا)، حتى أوروبا لم تعد كما كانت مع الإيرانيين ولا إيران ستجد أوروبا التي تعرفها إلى جانبها كما كانت قبلاً.

هذا من دون أن ننسى الاحتمالات الكبيرة بحصول اتفاق أميركي ـ صيني يطيح آخر آمال إيران في إحداث توازنات تحالفية في آسيا بشقيها الغربي والشرقي. فمثل هذا الاتفاق إن حصل سيغير، ليس فقط المنطقة، بل العالم والنظامين الإقليمي والعالمي على حد سواء.

خامساً، دول الخليج أمسكت مجدداً بزمام المبادرة وتصالحت مع ذاتهاـ أقله في الأساسيات التي تخدم الانتقال بالمنطقة إلى حالة أفضل من التراص والتنسيق. فتلك الدول فرضت التأثير المباشر على نظام الأمر الواقع الإقليمي منذ 70 عاماً، من أول انقلاب لبدر صدقي وحسني الزعيم أو من أول حرب العرب مع إسرائيل إلى آخر التحالفات، 70 سنة ذهبت اليوم بكل شعاراتها وخطاباتها وادبياتها.

دول الخليج أمنت لنفسها منظومة أمن من فوق إلى تحت، ومنظومة اقتصاد من تحت إلى فوق، كما كانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت تتنبأ في تقريرها قبل انتخاب ترمب. بالتالي باتت كل مقومات إضعاف الموقع الإيراني متوافرة في إعادة لتشكيل المنطقة بما يخنق تمدد وتأثير طهران.

فأمام إيران 3 خيارات حالياً:

1ـ إما تسجيل اختراق في الملف النووي (فما نسمعه من وزير الخارجية الأميركي الجديد أنطوني بلنكين ورئيس الأركان الاسرائيلي من أن إيران ستضع القنبلة النووية خلال أشهر، يعزز الاعتقاد بوجود سباق مع الوقت لا تريد إيران تضييعه للاستقواء وانتشال ذاتها من المحاصرة، ولا يريد الأميركي وحلفاؤه في المنطقة تفويته لمصلحة إيران).

2ـ مواجهة إيران لتحديات انفصالية، مع طلائع بدء مرحلة الانقراض القومي الفارسي لحساب اثنيات تأسيسية للكيان الإيراني والوقوع في الحرب الأهلية. لكن العالم في هذه الجزئية لا يريد إلى الآن أن تذهب إيران إلى الحرب، لكن لا شيء يضمن من ألا تُضطر لخوضها.

3ـ عشق الفرس طبيعياً للموت وتفضيلهم إياه على الاستسلام، قد يحملهم على خوض المواجهة الكبرى حتى النهاية، ما يعني بقاؤهم كما هم حتى سقوطهم واقفين.

في النهاية، وكما خرج الإسلام السياسي من النظام المصري منذ كامب ديفيد، هكذا يتوقع أن يخرج الإسلام الشيعي من إيران من خلال “كامب ديفيد إيراني أميركي”، ما سيتطلب تغيير القيادة الإيرانية الحالية، لأن المطلوب من طهران ليس التوقيع على اتفاق نووي جديد، بقدر ما المطلوب منها توقيع كامب ديفيد يقيها من التقسيم والحرب والنووي لتخرج بذلك من منظومة المنطقة.

سادساً، إذاً، نحن أمام حلف إقليمي جديد يجعل المنطقة تضع إيران في عين العاصفة. وفي قراءة معبرة عن الموقف الحالي، نذكر بأن مع الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش دخل الأميركيون والإيرانيون إلى العراق، ومع الرئيس أوباما خرج الأميركيون من العراق فيما تمكنت إيران منه، وفي ربيع سوريا أدخلت إيران إلى سوريا فيما أميركا لم تتدخل بل أجرت اتفاقاً مع طهران فيما التي تدخلت كانت إسرائيل، فوصلنا حصيلة كل هذه السياسات إلى: لوزان مع إيران عام 2015 وإلى دخول إسرائيل الى سوريا.

ومع وصول ترمب أُرغمت إيران، بقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس، ثم العالم النووي محمد فخري زاده في طهران، وتشددت العقوبات وانسحبت واشنطن من الاتفاق النووي وأجرى ترمب مصالحات بين العرب وإسرائيل، بحيث أصبحت إيران أكثر عزلة وتطويقاً إقليميا، ما سيستجرها الى كامب ديفيد إيراني آجلا أم عاجلاً، وهذه استراتيجية بايدن في المرحلة المقبلة.

في الختام، إيران محاصرة إقليمياً والكلمة الرادعة تقودها اليوم تل أبيب في مواجهة طهران، مهما حاولت واشنطن وأوروبا التخفيف من الوطأة، ما يحتم على إيران أن تعود إلى فارسيتها دولة بلا قضية، تماماً كما خرج العرب من قضية فلسطين، ما يستتبع تغييراً ما في النظام الإيراني لأن المنع النهائي والمحظور الأكبر يبقى ألا تقع إيران في غير الحضن الأميركي.

المنطقة امام ناتو إقليمي (إسلامي ـ مسيحي ـ يهودي) ما سيرغم النظام الإيراني على التراجع. فليس بإمكان واشنطن أن تقوم بغير إدارة الأزمة مع إيران لمرحلة، لأن المنطقة تغيرت ولعبة المصالح الإقليمية تبدلت وإيران محشورة لأن الحصار بات على بابها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل