
“المرحلة التي بلغناها تحملنا إلى توجيه هذا النداء: نناشد فخامة رئيس الجمهورية العمل على فكّ الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحرّ. ونطلب من الدول الصديقة الإسراع إلى نجدة لبنان كما كانت تفعل كلما تعرّض لخطر. ونتوجّه إلى منظَّمة الأمم المتّحدة للعمل على إعادة تثبيت استقلال لبنان ووحدته، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلان حياده”.
هذا الكلام سمعه اللبنانيون من البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في 5 تموز 2020، كلام كانوا يتوقون الى سماعه، بعدما بلغت الأمور حداً لا يطاق. ظنوا ان النبرة العالية لسيد بكركي ستهزّ السياسيين، لكن… على من تقرأ مزاميرك يا داود؟
وقع انفجار المرفأ، سقط أكثر من 206 قتلى وآلاف الجرحى، هُدمت بيروت فوق رؤوس ابنائها، حضر الرئيس الفرنسي مرتين الى لبنان وأطلق مبادرة إنقاذية لتشكيل حكومة اختصاصيين، فما كان من السلطة اللبنانية إلا مزيداً من التعقيد والمحاصصة والاغتيالات.
مرة جديدة، وجدت بكركي أنه من واجبها الوطني والتاريخي الدخول مجدداً على خط الإنقاذ، بعدما صارت البلاد بمهب الانهيار المالي والاقتصادي والتهديد السياسي والأمني، فكان الموعد في عظة الأحد 7 شباط، قبل يومين فقط من الاحتفال بعيد مار مارون. صرخ الراعي فلاقاه المطران الياس عودة بصرخة مدوية أخرى، لكن هذه الصرخات لا بد أن تترافق مع خطوات عملية تنقذ الوضع.
في عظة 7 شباط، كان الراعي أكثر صراحة، “لبنان يستوجب أن تطرح قضيته في مؤتمر دولي خاص برعاية الأمم المتحدة، يثبت لبنان في أطره الدستورية الحديثة التي ترتكز على وحدة الكيان، ونظام الحياد، وتوفير ضمانات دائمة للوجود اللبناني، تمنع التعدي عليه، والمس بشرعيته، وتضع حداً لتعددية السلاح، وتعالج حالة غياب سلطة دستورية واضحة تحسم النزاعات، وتسد الثغرات الدستورية والإجرائية، تأميناً لاستقرار النظام، وتلافياً لتعطيل آلة الحكم عدة أشهر عند كل استحقاق لانتخاب رئيس للجمهورية ولتشكيل حكومة”.
تؤكد مصادر قريبة من بكركي، أن سيد الصرح وجد أنّ الدعوة الى مؤتمر دولي هي الحلّ الأخير، بعدما أقفلت الأبواب الأخرى، ووصلت المبادرة الفرنسيّة الى طريق مسدود، لافتة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن الراعي يرى أنه من واجب الأمم المتحدة والجامعة العربيّة أن يتحركا، لأن لبنان وهو عضو في هاتين المؤسستين الدوليتين، بات مستقبله مهدد بالزوال اذا استمر الوضع على ما هو عليه.
من جهتها، تؤكد مصادر سياسية مطلعة أن دعوة البطريرك الراعي الى مؤتمر دولي من اجل لبنان، هي دعوة طبيعية تأتي في سياق من يبحث عن حل الازمة اللبنانية، بعدما لمس أن وساطته، كما الوساطة الفرنسية لم يتمكنا من حل مشكلة من طبيعة حصصية حكومية بين طرفين، لإقناعهما بتشكيل حكومة في لحظة ينهار فيها البلد وهو احوج ما يكون الى الحكومة.
وترى في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنه كان يفترض في هذه الظروف، أن تتشكل حكومة خلال 24 ساعة، موضحة أن ما يحصل اليوم يدلّ الى استحالة توصل القوى السياسية الى اي حل للازمات الوجودية الذي يشكو منها الشعب اللبناني.
وتشدد المصادر على الا حلّ في لبنان الا من خلال كف يد الدول الخارجية بالتدخل في شؤون هذا البلد، وتحديداً الدولة الإيرانية. وإذ تعتبر أن كل ما عدا ذلك هو مضيعة للوقت، تلفت الى أن كل من يعتقد بأن امكانية الحل متوفرة من خلال حوار لبناني ـ لبناني هو واهم، تضيف، “إذا لم يتبلور موقف خارجي حاسم لحل القضية اللبنانية، فهذه الأخيرة ستبقى في مهب الريح، تراوح على ما هي عليه منذ العام 1969 حتى اليوم”.
تشير المصادر الى أن الراعي بصرخته هذه، إنما أراد دعوة المجتمع الدولي الى تحمل مسؤولياته، والعودة الى الشرعية ومنطقها، مشددة على أهمية توقيت الدعوة، التي تزامنت مع إعادة الإدارة الأميركية الجديدة، البحث في هندسة المنطقة برمتها، والحراك والحيوية والزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، على وقع السلام العربي ـ الإسرائيلي، مشددة على ان الراعي يصرّ على الا تكون القضية اللبنانية منسية، وعلى وجوب اخذ هواجس اللبنانيين في الاعتبار، للوصول الى حلول جذرية، وتضيف، “منطق التسويات الشكلية لم تؤدِّ الا الى مزيد من الانهيارات، وحان الوقت للذهاب الى تسوية في العمق والجوهر”.
وتشرح المصادر بأن موقف الراعي، إنما هو موقف البطاركة التاريخيين الذي يتحركون في لحظات مفصلية، إن من أجل تأسيس لبنان وإن لإعادة تثبيت دوره التاريخي، لافتة الى أن سيد الصرح يرفض أن يكون لبنان على مقايضات طاولة المفاوضات حول ملف إيران النووي أو صواريخها البالستية أو دورها، إنما يريده أن يكون حيثية بحد ذاتها، للوصول الى حل نهائي للأزمة اللبنانية.
لكن ماذا عن المخاوف المترافقة مع التدويل، وماذا عن اتفاق الطائف والإملاءات الخارجية؟
تؤكد المصادر أن أي مخاوف في هذا السياق هي بغير محلها، بدليل ان اتفاق الطائف تمَّ برعاية دولية، علماً أن البطريرك الراعي لم يوجّه الدعوة الى أي اتفاق جديد، انما الى تثبيت ما تم الاتفاق عليه لجهة الحياد وتطبيق الدستور ومرجعية الدولة والسيادة، مشددة على أن سيد بكركي، يدعم مطالب من يريدون تطبيق قرارات الشرعية الدولية.
وتأسف لأن من يحرص على أن يردد اللازمة نفسها كل الأوقات لجهة تطبيق الطائف والشرعيتين العربية والدولية، يذهب باتجاه مواقف غير مفهومة ومخاوف في غير محلها، عندما يقترب البطريرك من هذا الهدف، مضيفة، “من لديه القدرة على حل هذه الازمة فليتفضل”.
وترى أن هدف بعض المواقف مسايرة هذا الفريق او ذاك، مذكرة بأن الطائف لم يطبق، منذ لحظة اقراره في العام 1989، وعلى الرغم من ذلك، وإذ توضح أن مشكلة بكركي هي مع من يستخدم لبنان كساحة ومع من لا يطبق الدستور، تجزم بضرورة إيجاد آلية تبدأ من تحييد لبنان لمنع تدخل الخارج وصولا الى اتفاق على الآليات الداخلية.
وتدعو المصادر الى وجوب ملاقاة البطريرك بخطوات عملية بدلاً من ابراز مخاوف في غير محلها لاعتبارات سياسية قد تكون مفهومة او غير مفهومة وتنم عن رسائل مزايدة، وتضيف، “هذه الدعوة الوحيدة القادرة على اخراج لبنان من أزمته، ولا حل للازمة اللبنانية الا في التدويل وفي ان يضع المجتمع الدولي يده على لبنان، وخلاف ذلك، سيُبقي لبنان ساحة مستباحة، ويسقط الشهيد تلو الشهيد، بانتظار حل لهذه المسألة”.
