Site icon Lebanese Forces Official Website

أحفاد البطريرك الراهب يوحنا مارون

كتب الأب مارون عوده في “المسيرة” – العدد 1713

رحلَ رُهبان مار مارون عن سهول سوريّة الخصيبة، بعد استشهاد إخوتهم الرهبان الثلاثماية وخمسين سنة 517 ميلاديّة، إلى جبال لبنان الصخريّة طمعًا بالحريّة وحبًّا بالمسيح يسوع. هاجروا إلى شعبٍ يشبههم وفضّلوا العيش في العراء، في سفوح الجبال أو داخل المغاور في قعر الوديان معرّضين لأعتى الكوارث الطبيعيّة والعواصف من أجل سلامة حريّة معتقداتهم. جاؤوا إلى أرضٍ لم تعرف الحرث يومًا ولم تجرِ فيها مياه السواقي، ولأنّهم أهل الهِمَم، ضربوا محراثهم في تلك الأرض واستجرّوا المياه إليها، فأصبحت بساتين تفيض منها الخيرات لتُطعم كثيرين ممن أرادوا اتباع نهج عيشهم، عيش رهبان حريّة الإيمان. لذا وبعد أن جاؤوا تلاميذًا رُحّل، أصبحوا جماعات ديريّة وقَرويّة لا تحصى ولا تُعدّ، وانتسبوا جميعًا إلى جماعة بيت مارون، أي الموارنة. كان عليهم من جهة أن يجتمعوا في كيانٍ واحدٍ ينظّم ويطوّر جماعاتهم الديريّة والقَرويّة المتعدّدة، وأن يدافعوا من جهة ثانية عن كيانهم في وجه الفتح الإسلامي يومذاك وحملاته.

إنتخبوا من بين الرهبان يوحنا مارون بطريركًا عليهم سنة 685، ليرأس كيانهم الكنسيّ البطريركيّ. فضّلوا الكيان الكنسيّ على باقي الكيانات الملكيّة أو القَبليّة أو العشائريّة أو الإقطاعيّة، لأنّ رسالة الكنيسة هي العناية بكلّ فردٍ بمفرده، كونه يشكّل قيمةً مضافةً بحدّ ذاته أمام الربّ يسوع وفي الجماعة الكنسيّة؛ والتي يرأسها شخص البطريرك حتّى يقودها إلى السهول الخصيبة، حيث تجد الغذاء الروحي والجسدي معًا. والبطريرك هو الراعي المدافع عنها بعصًا من حديد، والمستعد للجَود بنفسه في سبيل استمراريتها وسلامة معتقداتها، خافقًا قلبُه دومًا لوحدة شعبه وعيشهم بسلام وطمأنينة. والجدير ذكره أن لا يرث البطريرك كرسيّه من خلال القرابة الدمويّة أو يحصل عليها عنوة وبالقوّة، بل يُنتخب انتخابًا حرًّا من قِبَل أساقفة الجماعة الكنسيّة، فيصبح رأس هرم الكيان الكنسيّ؛ لا يقدّم الطاعة إلّا للربّ يسوع المسيح وإلى رأس الكنيسة الجامعة المقدّسة، ولا يخضع إلّا لتعاليم المجامع المقدّسة وللقوانين الكنسيّة.

حين كان الشعب الماروني تحت جبّة البطريرك يوحنا مارون قاوَم الفتح الإسلامي وصمد وانتصر، وحين كان خلف البطاركة الموارنة، خلفاء يوحنا مارون وتحت جبّتهم ذهب إلى معظم القرى اللبنانيّة ونسبها إلى بيت مارون. وأصبحت القُرى من جهة، قُرى مارونيّة تتحصن بين الجبال حيث لا يطالها حصان جيشٍ معتدي ولا يجرؤ طاغية على الدخول إليها، وتميّزت من جهة ثانية، بتطور مقومات العيش فيها من تصنيع الإنتاج الزراعي والإنتاج الحيواني، أي مجتمع رهبانيّ يتمتع بالإكتفاء الذاتيّ. لكن حين كان الشعب يطالب بحكّام كسائر القبائل والمِلَل، كان يُستعبد ويسقط تحت أهواء هؤلاء الحكّام. أمّا قلب البطريرك فلم يتوقف يومًا عن الخفقان تجاه شعبه، فكان يثور على الطغاة وينتزع كرامة شعبه من هؤلاء ويعيد لهم الحريّة، ولم يكن ليستكين أو ينام إلّا بعد عودة جميع أبنائه إلى حماية جبّته وسلامها. إنّه الراعي الصالح الذي يعرف قطيعه وخرافه تعرف صوته، وهو ليس بأجيرٍ بل بطريركًا على رعيَّته.

عُرف البطاركة الموارنة بإيمانهم الكاثوليكيّ الصافي والقاطع، إذ لم تعرف الكنيسة المارونيّة الفتور في الإيمان الذي توارثته عن أجدادها، بل كانت عميقة الإيمان وصلبة في عقائدها ومبادئها المسيحيّة. كما تميّز هؤلاء البطاركة بحكمتهم السياسيّة وفطنتهم في معالجة تلك الأمور واستبصار الحلول لها. على الرغم من أنّ البطريرك الياس الحويك كان مؤسّس دولة لبنان الكبير، والمساهم الأكبر في تنظيم المؤسّسات الحكوميّة، فإنّه رفض توظيف نفسه والأساقفة والكهنة في ملاك الدولة أسوة برجال الدين الآخرين، وذلك حتّى لا يخضع يومًا لأهواء رئيسٍ من هنا  أو وزيرٍ من هناك، فالحريّة لا تقدّر براتب شهريّ ولا بتعويض نهاية الخدمة، لأن البطريرك الماروني والحريّة صنوان لا يفترقان، هذا ما عُرف عليه البطريرك عبر التاريخ بأنّه رمزٌ للحريّة وأستاذها. من هنا عندما طُرح موضوع المـُفاضلة بين الحريّة والعيش المشترك على البطريرك نصر الله صفير أجاب قائلًا: «إن خُيّرنا بين الحريّة والعيش المشترك، نختار الحريّة». وها هو البطريرك بشارة الراعي اليوم، صوتٌ صارخٌ في بريّة الإستغلال والزبائنيّة، يرمي جبّته البطريركيّة على شعب لبنان  كي لا تقوى عليه قوى الشرير، ويضرب بعصاه بوجه كلّ من يريد خنق حريّة شعبه، فكلّ مواطنٍ يُشكّل قيمةً مضافةً عند البطريرك مسيحيًّا كان أم مسلمًا.

تجاوز عمر المؤسّسة البطريركيّة المارونيّة 1336 سنة منذ البطريرك يوحنّا مارون وحتّى كتابة هذه السطور، وهي لم تعرف الفراغ يومًا على الرغم من استشهاد بعض بطاركتها، فهي تستمد استمراريتها من قوّة إيمانها بيسوع المسيح القائم من الموت، ممّا جعلها عصيّةً على أبواب الجحيم. وقد ساعدت دائمًا شعبها على اجتياز معظم المخاطر والمطبّات التي أعترضته طوال هذه السنين، لأنّها عملت دومًا على تطوير ذاتها علميًّا وتقنيًّا،  حتّى يكون أبناؤها رواد علمٍ واختصاصات تقنيّة حديثة، أينما ذهبوا وأيّ مصاعب حياتيّة واجهوا. وقد تعاملت مع الثورة الصناعيّة بالمثل، فكانت ثورةً على صعيد الصناعة اللبنانيّة واستطاعت تصدير منتوجاتها إلى خلف البحار والمحيطات.

كثر حاولوا السيطرة على أحفاد البطريرك يوحنا مارون من بطاركة ورهبان وشعب، وأكثر منهم حاولوا استمالتهم نحو معتقدات غريبة عن بيئة بيت مارون، أمّا الأحفاد فحافظوا على إرث جدّهم يوحنا مارون، وانتصروا على جميع التجارب مهما كانت حيلها. هؤلاء الكثر زالوا جميعًا من الوجود بينما الأحفاد كتبوا التاريخ اللبناني وسكنوا صفحاته، وذلك يعود إلى كون قلب بطريركهم لم يتعلق إلّا بوحدة شعبه وسلامته. في النهاية خلّدت صخور نهر الكلب ذكرى رحيل هؤلاء الكثر، أمّا صرح البطريرك الماروني في بكركي فكلّل ب»مجد لبنان أعطي له».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​

Exit mobile version