Site icon Lebanese Forces Official Website

إبراء مارون

 

كنب المحلل السياسي الياس الزغبي، إنّ التطوّرات العاصفة حول لبنان، وفيه، الآن وإلى مدى غير منظور ، تفرض على المسيحيّين، والموارنة من بينهم تحديداً، رفع سقف الوعي السياسي التاريخي، والإرتقاء من “جهادهم الأصغر” في شؤون الحصص والتعيينات والصفقات ولعبة الصلاحيات، وحالة الخَدَر العقلي الناتج من الخوف والتخويف، إلى “جهادهم الأكبر” في تجديد رسالتهم العريقة وتفعيلها، كي يبقى لهم حضورهم الخلاّق في الولادات السياسيّة، وتحوّلات محيطهم وبيئتهم.

لا يحقّ لأهل الرسالة الحضاريّة أن يحتفلوا بعيد شفيعهم هذا العام، كفولكلور سنوي يقتصر على القداديس وبروتوكولات التهنئة والتباري في مزايدات الإيمان والالتزام، فيعجّ ٩ شباط بالتصريحات، ثمّ يستعيدون في اليوم التالي رتابة دورانهم على أنفسهم ، والتهافت على اقتناص الفرص لتسجيل نقطة سياسيّة هنا، أو قطف عطف شعبوي هناك.

الأداء الذي قدّمه بعض أعيان الموارنة الممسكين بزمام الحكم، في الآونة الأخيرة، لم يكن مثاراً للإعتزاز، بل كَشَفَ تهافتهم على الكسب السياسي السريع، مرّةً بالرهان على فريق أو آخر، وثانية تحت هاجس الشراكة كلعبة أرقام جافّة وخاوية، وثالثة باستعداء معظم الشركاء في الوطن.

وكأنّهم ينزلقون بدون إدراك إلى إثارة نزاعات لم تكن سابقاً، وإقفال الباب على تاريخ المسيحيين في تطوير العلاقات وتفعيلها بين الأطياف والطوائف، وإفساد خميرهم في إنضاج الحداثة على امتداد محيطهم العربي.

أخطر ما يرتكبه هؤلاء هو تحويل المسيحيّين إلى مجرد أقلية مرتعدة تبحث عن حماية “حلف أقليات” بأي ثمن، ولو كانت من ميليشيا ذات مشروع قاتل، وجعلهم رقماً حسابياً في دفتر الحياة السياسيّة، وفي مصير لبنان والشرق .

والأشدّ خطورة هو الإنحدار بخطابهم من زمن كبارهم وعقلائهم إلى غفلة صغارهم ومهووسيهم من سكارى الكراسي، والانزلاق من صناعة الحضارة ونشر القيَم إلى لوثتَي السلطة والمال، كفيروس ممتنع على التلقيح والشفاء.

الأسوأ في حالة الموارنة الراهنة هو العَوَر الذي أصاب بعضهم، فلا يرون من مواقف الكرسي الرسولي ومبادرات بكركي سوى النيل من تسلّطهم وتفرّدهم وأطماعهم باسم “حقوق المسيحيين”.

ويرون أنّ الحجّ إلى بْراد النظام السوري تقوى وعودة إلى الجذور، فيما الإنفتاح على البيئة العربيّة والإسلاميّة الأوسع يشكّل ردّة محرّمة وكفراً.

يأخذون من الإرشاديْن الرسوليّين “لا إله”، ويهملون “إلاّ اللّه”: يتحالفون مع الأقليّات ويستعدون الأكثريّة. يصنّفون أنفسهم مع الأقوى بالسلاح في وجه الأقوى بكلّ الموازين الأخرى، وأهمّها الجغرافيا والديمغرافيا.

يُقفلون على أنفسهم ويتشرنقون في “محور” محكوم بالانهيار، ويحاولون جرّ المسيحيين وسائر اللبنانيين إلى هاويته.

هذه الشيزوفرانيا التي ضربت الجسم المسيحي، منذ “تفاهم” ٦ شباط ٢٠٠٦، هي التي يجب وضعها على مشرحة العلاج، في ذكرى مار مارون، لئلاّ تتمدّد ٦ شباط على ٩ شباط، وتخنقها.

ولا يغيّر أسفهم على “عدم نجاح التفاهم في بناء الدولة” شيئاً من خطورته، لأنه نجح فعلاً في هدم الدولة وتسليمها لقرار السلاح غير الشرعي.

ذات مقال قبل سنوات، كتبت أنّ على القيادات المسيحيّة الذكيّة والواعية (المارونيّة تحديداً)، أن تلتزم قاعدة ثلاثيّة في التعامل مع المسلمين: لا تخوين للسنّة، لا تخيير للشيعة، لا تخويف للدروز.

فليس للمسيحيّين أيّ مصلحة في التحالف مع طائفة ضدّ أخرى، كما فعلت “ورقة ٦ شباط”، وقد رأينا وعشنا آثارها السلبيّة المدمّرة، من الإعتصام وانقلاب الدواليب إلى حرب تمّوز و٧ و ١١ أيّار وقمصان الحكومة والإغتيالات المتمادية فصولاً والتورّط في حروب المنطقة… إلى تقديس سلاح “حزب اللّه” البريء من دم المدنيّين والعسكريّين!

وطالما أن البند العاشر من “ورقة التفاهم” صامد ومحترم ومقدّس، وهو الذي يكرّس سلاح “حزب اللّه” في حماية لبنان واستقلاله وسيادته إلى مدى مفتوح، وبدون أي إشارة إلى الجيش اللبناني، فلا أمل يُرجى من أي تعديل في البنود الفولكلورية الأخرى التي يتغرغرون بها.

إن خير ما يفعله الموارنة اليوم، وهم يستلهمون رسالة شفيعهم، هو أن يوقفوا هذا الإنحراف الخطير عنها.

فليس مستحيلاً “إبراء” ذمّة القدّيس مارون من شذوذ بعض أتباعه الأبالسة، وشعوذتهم.

ولا بدّ من اندفاع المسيحيّين في المسار الخلّاق الذي انتهجته بطريركيتهم المارونية برعاية من الكرسي الرسولي، لإنقاذ لبنان من أزمته المصيرية بعناية دولية مركّزة، وحضانة أممية تصل إلى تكريس حياده الفاعل عن صراعات الدول وتلاطم المصالح.

Exit mobile version