Site icon Lebanese Forces Official Website

حارس المرمى… والضباب

كنت أشاهد، منذ يومين، أحد البرامج التلفزيونية، عُرض خلاله تصريح لأحد المسؤولين في أواخر الثمانينات يشرح فيه أنه سيكون آخر مَن يغادر لكنه لن يغادر لأنه القبطان وسيُدفن في مركز قيادته.

صودِفَ أنني كنت أقرأ عن قصّة رائعة حدثت يوم عيد الميلاد العام 1937 خلال مباراة لكرة القدم بين فريقَي تشارلتون أثلتيك وتشيلسي في ستاد ستانفورد بريدج في مدينة لندن الإنكليزية.

تحكي القصة عن سام بارترام حارس مرمى أثليتيك، عندما غطى ضباب كثيف جداً الملعب خلال المباراة، ما دفع الحكم الى إطلاق صفارة الإلغاء، وبسبب صخب الجماهير لم يسمع بارترام صفارة الحكم. خرج اللاعبون والحكام جميعاً من الملعب تاركين وراءهم حارس المرمى الذي بقي في موقعه لمدة 15 دقيقة تقريباً وهو يحدق عبر الضباب وينتظر هجوم الخصم، ظنّاً منه أن فريقه يهاجم طوال الوقت، الى أن وصل إليه ضابط شرطة وأخرجه من الملعب، وأعرب لاحقاً عن حُزنه الشديد لأن رفاقه نسوه وهو يحرسهم.

لن أقارن بين هذا الحارس الشجاع الذي بقي واقفاً على الرغم من كل شيء، وبين ذاك المسؤول الذي لم يقف على الرغم من كل العراضات والعنتريات، فالصورة واضحة والتاريخ معروف، وأصلاً الكلام في هذا الموضوع أصبح ممجوجاً ومكرراً مئات المرات وواضحاً وضوح الشمس.

ما يهمني هنا هو التشابه الكبير بين مَن تركوا حارسهم عند أول مفرق ضباب، وبين الشعب الذي طعن حارسه أيضاً عند أول ضباب ـ سراب، الشعب الذي انبهر بمن باعه الأوهام والوعود ثم تبين لاحقاً أن كل الوعود لم تكن أكثر من ضباب كثيف تلاشى عند هبوب أول نسمة ريح.

عندما كان حرّاس المناطق المحررة يحرسون على كل الجبهات وفي الداخل، ومع كل التضحيات والجهود التي كانت تُبذل، كان عدد كبير من القاطنين في هذه المناطق، وعلى الرغم من الأمان والبحبوحة اللتين كانوا يعيشونها، كان كل همهم التحريض والتخلص من هؤلاء الحراس لألف غاية في نفس يوضاس، وانتظروا ذاك المسؤول الذي أغرقهم بالوعود والانتصارات الوهمية، فوضعوا كل ما كانوا يملكون في تصرُفه، فكانت الكارثة ـ النكبة التي قضت على كل شيء.

كنا نقول ربما تفاقمت الأخطاء والتجاوزات ودفعت هؤلاء للارتماء في حضن منقذ ما، مع أن كل ذاك الهوس لم يكن مبرراً لأن الهمّ الأكبر كان الحفاظ على تلك المناطق خارج سيطرة العدو، إضافة الى أنّ عنوان المكتوب كان مقروءا وبوضوح.

لكن الكره والحقد والضغينة لم ينفع معها زوال الضباب وانقشاع الرؤية، فظلّ هذا الشعب، أو معظمه، متمسكاً بهذا السراب ويأبى أن يقتنع بأن ما بان لم يكن ما كان في الحسبان.

مرّت السنون ووصلنا الى ما وصلنا إليه اليوم.

فشل ذريع على كافة المستويات لم يشهد لبنان مثيلاً له منذ نشأته. فساد مُستشرٍ من أعلى مراكز الدولة الى أصغرها. مجتمع مُنهك بنسبة فقر تخطّت دول العالم الثالث وعلى شفير الانفجار. وعود رنانة لعشرات السنين تبخرت في السرقات والسمسرات والتوريث وخرق القوانين وتقويض الدولة لصالح مشاريع هجينة. بالمختصر، وصلنا الى قلب جهنم ونتمتع بكل العروضات التي تقدمها لزبائنها.

حقدكم وقلّة إدراككم وخفة تفكيركم أوصلت لبنان واللبنانيين الى هذا الجحيم. عسى أن يتعلم أبناؤكم والأجيال المقبلة كيفية المحافظة على حرّاسهم برموش العين، ولا يكرروا خطيئتكم المميتة بالانجرار وراء الدجالين والمنافقين والمخادعين.

وعدٌ منّا لكم ولمن لفّ لفّكم، مهما جارت الأيام وكبرت المظالم وتجبّر المتجبّرون وتكالب المتكالبون… نحن سنبقى وأنتم وهم ذاهبون، مثل كلّ الذين مرّوا ودنّسوا هذه الأرض المقدسة منذ فجر التاريخ وحتى الأمس القريب.

Exit mobile version