فكر البطريرك الحويك ودوره – 1

“المسيرة” – العدد 1713

الخوري إسطفان إبراهيم الخوري – من كتاب «وثائق البطريرك الياس الحويك السياسية»

فكر البطريرك الحويك ودوره:

لم نعش لذاتنا بل لخدمة الكنيسة والوطن (1)

 

في إطار سعي المركز الماروني للتوثيق والأبحاث لإبراز فكر البطريركية المارونية التاريخي، الوطني والسياسي، والدور الذي اضطلعت به في هذا المجال، وبما أن البطاركة الموارنة هم المرجع الماروني الأعلى والناطق الرسمي باسم كنيستهم والمعلن موقفها الوطني والسياسي، كانت العودة الى النصوص السياسية الصادرة عن هؤلاء البطاركة ونشرها.

ولما كان لا بد من إختيار أحد هؤلاء البطاركة لنشر وثائقه أولاً ثم نشر وثائق الآخرين، وبما أن الموارنة إرتبطوا تاريخيًا بلبنان وارتبط تاريخهم بتاريخه وتاريخه بتاريخهم، وبما أن إعلان لبنان الكبير سنة 1920، هو «الحدث الأكبر والأكثر تأثيرًا في تاريخ هذا الوطن» على حد قول البطريرك الحويك، وبما أن البطريرك الحويك تبوأ المقعد الأول في ذاك الإحتفال بسبب الدور الريادي الذي اضطلع به، لهذا السبب وقع الإختيار الأول على البطريرك الحويك (1843 ـ 1931) وهو البطريرك الماروني الثاني والسبعون، الذي امتدت حبريته الطويلة من 1899 حتى 1931 أي زهاء 33 عامًا.

والوثائق التي ننشرها تُبيّن فكر البطريركية المارونية في الشؤون السياسية والوطنية والدور الذي اضطلعت به في هذا المجال من خلال شخص البطريرك الحويك كما يلي:

 

أولاً: على صعيد الفكر

1 – الدوافع

عايش البطريرك الحويك البطريركين بولس مسعد ويوحنا الحاج، ولازم البطريركية المارونية منذ عام 1872 ككاتب أسرار ثم كنائب بطريركي، وساهم في الخفاء بدور البطريركية في الشأنين الوطني والسياسي الى أن تولّى المهمة شخصيًا، فأدرك أن هناك «أفكارًا أساسية وجّهت البطاركة الموارنة وهدت خطاهم كما وجّهته وهدت خطاه»، وأن للبطريركية المارونية سلطة معنوية كبيرة في لبنان، ورأى أن دور البطريرك الماروني الوطني أصيل وعريق وملازم لدوره الكنسي الماروني، واعتبر هذين الدورين بمثابة أمانة واحدة إستودعه الله إياها كما استودعها أسلافه «ومذ استخلفنا الله في هذا الكرسي البطريركي كما استخلف من سبقنا من سلفائنا البطاركة، قد آلينا على نفسنا القيام بعونه تعالى بما استودعناه من الأمانة في سبيل خدمة الكنيسة وخدمة الوطن».

ولأنه أدرك أن لهذا الدور جذورًا تاريخية عميقة، ولأنه لم يخرج عن خطة أسلافه، رأى أن كل ما أنجزه في عهده ليس إلا إمتدادًا للنضال المسيحي التاريخي ونقطة البلوغ الحتمية لملحمته. واعتبر أن القضية اللبنانية «تختصر بالواقع نضال المسيحية منذ إثني عشر قرناً».

وهناك أمران إثنان زاداه يقيناً بصحة الدور الذي يضطلع به وأحقيته فيه وهما:

أنه «الشيخ العارف في بلاده أفضل من غيره والعالم بما تحتاج إليه».

أنه الوحيد المفوّض من كل اللبنانيين للتكلم باسمهم والسعي لتحقيق مطالبهم ولم يسحبوا تفويضاتهم. فاللبنانيون على اختلاف طوائفهم ومناطقهم، إتفقوا عام 1919، رسميًا وشعبيًا، على المطالبة باستقلال لبنان وتوسيع كيانه، وفوّضوا البطريرك الحويك كتابةً متابعة تحقيق مطالبهم هذه. ولقد أولى أهمية كبرى لهذا التفويض وراح يذكّر به في كتاباته ومراسلاته وخطاباته، وقال للرئيس كليمنصو «لا أمثل أمامكم بصفتي رئيسًا دينيًا، إن التفويض الذي أحمله منبثق من الشعب اللبناني، من الجماعات المسيحية كما من الجماعات غير المسيحية: مسلمة ودرزية ويهودية. إن هذا التفويض لم يُعهد به لبطريرك جماعة دينية بل للأكثر أقدمية في هذا الشعب».

هذه هي الدوافع ـ القناعات التي جعلت البطريرك الحويك يتعاطى الشؤون الوطنية والسياسية ويدافع عن حقه هذا في وجه المواقف الغربية التي كانت تدعو الى صد رجال الدين عن ذلك، ويُعلن صراحة وبكل ثقة «أنا هو بطريرك لبنان».

والفكرة الأولى التي وجّهت البطريرك الحويك وهدت خطاه هي «القضية المقدسة».

 

2 – «القضية المقدسة»

هي الهمّ الذي قاد حركة تاريخ الموارنة وجبل لبنان. ولقد قال البطريرك الحويك «إن جدودنا وآباءنا ما ارتضوا بهذه الجبال الجرداء ينزلونها معتصمين إلا وهمّهم الوحيد حماية حريتهم وحقوقهم، فلا تصل إليه وإليهم يد الغزاة الفاتحين»، وأن «الأجداد الأماجد آثروا الإعتصام بجبلهم المنيع مفضّلين أراضيه الصخرية على السهول الخصبة محافظة على وديعة الإيمان الثمينة».

همّ المحافظة على الذات والوجود وصون الحرية الدينية ووديعة الإيمان وحماية الكرامة والمساواة في الحقوق قاد حركة تاريخ الموارنة والجبل اللبناني، وحدّد في نظر البطريرك الحويك أسس القضية اللبنانية التي كتب عنها عام 1924: «القضية التي أعتبرها مقدسة، بالمعنى الحرفي، إنها تختصر بالواقع نضال المسيحية منذ إثني عشر قرناً»، أي منذ قيام البطريركية المارونية التي جاهدت دومًا بغية إيجاد وطن يعيش فيه المسيحيون بسلامة وتُحفظ فيه حرياتهم وكراماتهم وحقوقهم. ولقد كتب «إن الفكرة الأساسية التي سادت تكوين الدولة اللبنانية كانت تكوين دولة ـ ملاذ لكل مسيحيي المشرق»، إلا أن «المسيحيين، على رغم أنهم أكثر عددًا في الدولة اللبنانية الجديدة، لا يطلبون أي إمتياز لكنهم يحرصون بحق على أن يُعاملوا على قدم المساواة نفسه لمواطنيهم».

 

3 – «الوديعة الثمينة»

هي الوحدة اللبنانية التي أرست ميزة لبنان. كتب البطريرك الحويك أن الموارنة «حمَوا الطوائف الأخرى التي لجأت الى لبنان حمى العدل والحق، وعاشوا في سلام مع من احترموا حياتهم وحقوقهم، وأحبوا جيرانهم وإخوانهم في الوطنية، وما تعمّدوا أذية أحد منهم لا في الماضي ولا في الحاضر إلا بتحرشات أجنبية». واعتبر أن هذه الطوائف اللبنانية التاريخية لجأت الى جبال لبنان للأسباب نفسها التي لأجلها لجأ الموارنة الى جباله والهدف نفسه ما ولّد بينها وبينهم إتفاقاً على صون الهدف المشترك وتلاقيًا ووفاقاً، الأمر الذي سمّاه البطريرك الحويك «الوحدة اللبنانية»، وكتب أنها «وديعة ثمينة كرّس قسمًا هامًا من جهوده وصلواته لصونها». هذه الوحدة اللبنانية إستبقت الميثاق وهيأت له.

والوحدة اللبنانية أرست بنظره أسس الميزة اللبنانية التي قال عنها إنها «ذات نتائج كبيرة وتنمّ عن تطور عميق والتي، الأولى في الشرق، تُحِلّ الوطنية السياسية محلّ الوطنية الدينية. وبسبب هذا يمتلك لبنان وجهًا خاصًا وشخصية يتمسك بالمحافظة عليها فوق كل شيء».

 

4 – الرؤية ـ الحل

أدرك البطريرك أن لبنان التاريخي تعرّض من قبل السلطنة العثمانية لمنيّتين: الأولى ضرب وحدته التاريخية بزرع الفتنة بين طوائفه التاريخية الحليفة. والثانية ضرب اقتصاده وحيويته بسلخ أراضيه الخصبة والتاريخية ومنع التجارة الخارجية عنه، ما سبّب هجرة مواطنيه ثم موتهم الفظيع بسبب المجاعة المُدبّرة من قبل العثمانيين لإبادتهم. واعتبر أن الهدف منهما كان القضاء على إمتيازات لبنان وعلى طوائفه التاريخية. فتكوّنت لديه رؤية واضحة لحل الأزمة اللبنانية ومواجهة كلٍ من هاتين المنيّتين تقوم على:

– إعادة ترميم الوحدة اللبنانية باحترام الحريات الدينية، وعدم تدخل السلطة في الشؤون الدينية، وبتحقيق المساواة بين الطوائف، وبإحقاق العدل، وعدم التساهل مع متجاوزي القانون.

– إنماء الشعور الوطني بسعي الدولة لتأمين خير الشعب، ولتحسين أحوال البلاد الإدارية والاقتصادية، وبتسليم التنظيم والإدارة والقضاء في البلاد للأهلين، وتمثيل الطوائف في الدولة على أساس نسبي.

– إستقلال لبنان التام عن أي حكومة عربية دينية أو إسلامية مجاورة له لاعتبارات تاريخية، سياسية، ثقافية، في الواقع والقانون، حفاظاً على ميزته التاريخية ولعدم طغيان طائفة على أخرى.

– توسيع حدود جبل لبنان بإعادة أراضيه ومرافئه التاريخية والطبيعية التي سُلخت عنه لكي يعود قابلاً للحياة، ولاحتضان مواطنيه وتأمين لقمة عيشهم في أرضهم، فلا يهجرون وطنهم، ولا يكونون مرهونين لأي بلد آخر في حال بقَوا فيه. واعتبر أن في هذا الأمر شيئاً من التعويض الذي يحق للبنان.

 

5 – الإستعانة بفرنسا ومسألتي الإنتداب والسيادة

لقد رأى البطريرك الحويك في فرنسا وجه الأمّة الصديقة والأم الحنون المحسنة الى اللبنانيين عبر التاريخ، وملاذ الموارنة وحاميتهم ومنقذتهم، كما كان معجبًا بوجهها الليبرالي الراقي نصير الحرية في السياسة والاقتصاد، وأراد أن يحافظ على العلاقة التاريخية الفرنسية ـ المارونية ـ اللبنانية التقليدية المطبوعة بالعطف الفرنسي الأكبر والحماية والمساندة وبالوفاء الماروني عرفاناً بالجميل، وفاء لا يتبدّل. إن هذه العلاقة ساهمت بشكل مباشر بحصول لبنان على إعتراف رسمي ونهائي باستقلاله إستقلالاً تامًا عن سوريا عام 1919 من خلال وعد كليمنصو الخطي، ثم في 1/9/1920 من خلال إعلان قيام دولة لبنان الكبير على يد الجنرال غورو. ولكن الأزمة المزدوجة السياسية والاقتصادية التي كان يمر بها العالم، وحاجة لبنان الى مساندة قوة عظمى غربية ومساعدتها جعلتا البطريرك الحويك يتراجع عن مطلبَي الإستقلال التام وملء السيادة الداخلية والخارجية اللذين عبّر عنهما في خطابه الذي أعدّه في لبنان وألقاه في فرنسا أمام الرئيس كليمنصو عام 1919. ورغم قناعته بأن لبنان كان يستحق أن يكون دولة ذات سيادة تامة داخلية وخارجية، عاد وقبِل بأن يخضع لبنان لمبدأ الإنتداب، على أن لا يُقيّد هذا الإنتداب حق لبنان بالسيادة، بل أن يُهيّئه لها، وطالب بأن تكون فرنسا هي الدولة المُنتدِبة، وهذا ما عبّر عنه في المذكرة التي أعدّها في فرنسا  وقدمها الى مؤتمر الصلح في 25/10/1919، والتي راح يُذكّر بها ويُحيل إليها على أنها النص الرسمي المعبّر عن رأيه ومطالبه ومطالب اللبنانيين الذين فوّضوه التكلّم باسمهم.

 

6 – دستور يعبّر عن الذات اللبنانية ويحافظ على وحدة طوائفها وحقوق أبنائها وتطلعاتهم

بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، رأى البطريرك الحويك أن ثمة محورين نقيضين يحاولان فرض سيطرتهما على لبنان وتغيير خصوصيته التاريخية وضرب وحدته القائمة على توافق طوائفه: محور تيوقراطي ديني متمثل في مشروع فيصل الوحدوي السوري الإسلامي، ومحور لا ديني متمثل في مسؤولين فرنسيين ملحدين علمانيين مناهضين للدين. فرفض المحور الأول رفضًا قاطعًا، وناهض الفرنسيين الذين حاولوا إسقاط أفكار ملحدة معادية للدين على المجتمع اللبناني التعدّدي والمتديّن. وكتب: «في اختصار، تكسب السلطات كثيرًا وتتجنّب أمورًا مؤسفة إذا امتنعت عن التدخل في كل ما يمكن أن يتعلّق بالديانات ولا ترغب أحياناً في تشجيع تحرّر لا مكان له في الشرق». ولأنه كان يعي ميزة لبنان وفرادته والبُعد التاريخي الذي أوجد نظامه الخاص الطوائفي التوافقي الميثاقي وأسبابه الدينية، أراد مع الأحبار الموارنة أن يشدّد على أهمية المحافظة على الوحدة اللبنانية وأن يوجّه الأنظار إليها، وربطها «بخلو الدستور من كل نائبة لا دينية وباحترامه الدين وتصريحه بتسامي الخالق ووجوب إكرام الذات الإلهية»، وبناها على الواقع اللبناني، إذ إن البلاد «ليس فيها ربوة لا يعلوها كنيسة أو جامع أو خلوة». وطالب بدولة مؤمنة غير ملحدة وغير متديّنة بدين معيّن، فكانت المادة التاسعة في الدستور. وطلب أن يكون شكل الحكومة جمهوريًا، وأن يكون التمثيل النيابي طائفيًا لأن البلاد ـ وفق قوله ـ «تتألف من طوائف مختلفة، وهذه الطوائف لا تختلف بعضها عن بعض في العقيدة الدينية فقط، بل تختلف أيضًا في التقاليد والعادات والأخلاق والرأي في الأمور الإجتماعية. فالإنتخاب على قاعدة الطائفية يمثل هذه الطوائف على نسبة معيّنة في ذلك المجلس، فتتعارف فيه وتتآلف ويُضحّي كل منها بشيء من مطلبه بحكم الأخذ والعطاء، ويؤدي ذلك تدريجيًا الى الإمتزاج وتوحيد السياسة، حال كون إلغاء القاعدة الطائفية في الوقت الحاضر يزيل التوازن فترجّح طائفة على أخرى وينتج عن ذلك التحاسد والتباغض، ولذلك نرى أن يكون التمثيل طائفيًا»، علمًا أن الطائفة الأوفر عددًا في تلك المرحلة كانت الطائفة المارونية. وشدّد على المحافظة على نظام الأحوال الشخصية لأسباب تاريخية، إجتماعية، ودينية. ولقد أكد في أكثر من وثيقة أن قبول اللبنانيين، وبخاصة الموارنة، للدستور يمنحه الشرعية، وطلب بأن يكون دوره ودور العناصر الأخرى التي يتكوّن منها اللبنانيون فعّالاً في صياغة الدستور.

 

7 – أولوية «القضية المقدسة»

لقد بقيت «القضية المقدسة» تتقدم في نظر البطريرك الحويك على «الوديعة الثمينة» و»العلاقات التاريخية» وتحتل الأولوية المطلقة في نظره. فلما أصرّ بعض المواطنين اللبنانيين من الطوائف الأخرى على السير في المحور الوحدوي السوري وفرض توجهاته على لبنان واعتمدوا أسلوب الحرب والفتنة والثورات والنكبات، ولم يرتدّوا عن غيّهم على رغم التنازلات وكل محاولات تأمين البلاد، طرح البطريرك الحويك فكرة تبادل الشعوب بين لبنان وسوريا، فينتقل إليها مَنْ يرغب في الإنضمام إليها والعيش تحت لواء فيصل والحكم العربي الإسلامي، لكي يبقى لبنان كما أريد في الأساس وطن الإستقلال والحرية، المساواة في الحقوق والمحافظة على الوجود، ملاذاً لكل مسيحيي الشرق. هذا الموقف من شركاء الوطن الرافضين للإستقلال والعيش بسلام كان قد سبقه موقف من الأصدقاء الفرنسيين المترددين في موضوع الإستقلال. ففي خطابه التاريخي في الديمان، قال البطريرك الحويك للجنرال غورو: «نحن نثق بك ونثق بفرنسا لكن يجب أن لا تُمد يد الى إستقلال لبنان. وإذا مُسَّ يومًا فأنا أؤكد لكم أن البلاد تهبّ بل تشتعل على مسّه إحتجاجًا»، و»أقول لك أن اللبنانيين لأشد تشبثاً اليوم بالإستقلال منهم في كل زمان مضى، ولئن كان عندك أقل شك في الأمر فأنا باستطاعتي في أربعة وعشرين ساعة أن آتيك بالبلاد كلها شهادةً وتأميناً».

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل