
بعد فترة من الانكفاء العربي تجاه لبنان، بدأ المشهد يتبدل، إذ تشهد الساحة اللبنانية حراكاً دبلوماسياً عربياً لافتاً، أولى خطواته عودة السفير السعودي وليد بخاري إلى بيروت بعد غياب “ضبابي” لثلاثة أشهر ونيّف، تزامناً مع زيارة مفاجئة لنائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى لبنان، في الوقت الذي لا يزال فيه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري في جولته المكوكية بين أنقرة، ودبي، والقاهرة، وباريس.
المقاربات العربيّة للأزمة اللبنانيّة، التي طفت الى الواجهة مجدداً، تتزامن مع ثلاث محطات: تفويض الإدارة الأميركية لفرنسا متابعة قضايا لبنان وإن بشروط، فوسّع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هامش تحرّكه المتعلق بالملف اللبناني، ويحطّ في الخليج منتصف الشهر الحالي. الصرخة التي أطلقها البطريرك الماروني بشارة الراعي، الداعية إلى التدويل بعد الفشل والعجز اللبنانيين، إضافة الى الجولة العربية والدولية التي يقوم بها الحريري، لاستمزاج المزيد من سبل الحلول.
يرى المحلل السياسي الكاتب الياس الزغبي، أنه خلافاً لما توقعته هذه السلطة، لم تكن زيارة الموفد القطري على مستوى أمالها، لأنه سارع الى وضع زيارته وتحركه ضمن اطارين، الأول سياسي، والثاني مالي ـ نقدي.
ويلفت، في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، الى أن تحرك الدوحة غير مناقض للتحرك الفرنسي والدولي والعربي الخليجي عموماً والسعودي تحديداً، لا سيما أن الدبلوماسي العربي أعلن بكل شفافية أن قطر ليست في وارد دعوة الأطراف اللبنانيين الى اتفاق الدوحة 2، أو الى حوار جديد في العاصمة القطرية، مشيراً الى أنه في ما يتعلق بالمستوى النقدي ـ المالي، أبلغ بن عبد الرحمن آل ثاني، السلطات اللبنانية، أن قطر لا يمكن أن تقدم مساعدات مالية، الا بناء على برنامج اقتصادي متكامل، ما يعني أن قطر كسائر العالم، تنتظر ولادة حكومة فعالة، تستطيع ان تقدم برنامجاً اقتصادياً يقتنع به العرب والعالم.
ويشدد الزغبي على ان تحرك الدوحة ليس منقطعاً عن سائر المساعي الدولية، وتحديداً المسعى الفرنسي، لافتاً الى أن الموفد القطري خيّب آمال الرئاسات الثلاث، بقوله إن تحركه هذا لا يتناقض بتاتاً مع الفرنسي. يضيف، “حاولت السلطة اللعب على وتر خلق تناقض بين التحركين (القطري والفرنسي)، فما كان من قطر إلا أن قطعت بالكامل، الشك باليقين”، معتبراً أن السلطة برموزها، خصوصاً العهد وتياره، راهنوا على أن قطر هي أقرب الى المسعى الإيراني منها الى الموقف السعودي، إلا أنها وجدت نفسها أيضاً أمام خيبة أمل كبيرة، بعدما تبين لها أن قطر على مسافة واحدة، لافتاً إلى أنه “صحيح أن قطر ليست بعيدة من الموقف الإيراني لكنها لا تستطيع التفرد عربياً، لا سيّما بعد المصالحة الخليجية التاريخية في العلا السعودية”.
يؤكد الزغبي أن التحرك القطري هو نوع من التواصل الدبلوماسي، إلا أنه غير قادر على بناء حالة منفردة، مستطرداً، “حين استضافت قطر الحوار اللبناني الذي نتج عنه اتفاق الدوحة، إنما فعلت ذلك، بعد المواقف الدولية الداعمة، لا فرادة”، مشيراً الى أنه ليس هناك اليوم ما يؤشر الى دوحة 2، بل الى أوسع بكثير من ذلك.
وإذ يجزم بأن العمل بدأ لمؤتمر دولي خاص بلبنان، يكشف عن اتصالات بعيدة من الأضواء في هذا الخصوص، مشيراً الى أن الفاتيكان ليس بعيدا مما يتم الإعداد له، وهو يحتضن الموقف التاريخي لبكركي المُطالب بحياد لبنان الناشط والإيجابي. ويرى الزغبي أن الامور تتجه لتكاتف وتضامن في الحراك الدولي، ما بين باريس وواشنطن والسعودية والامارات وقطر ومصر وتركيا التي لن تكون خارج هذا المربع العالمي، لتطويق النفوذ الايراني المتنامي في المنطقة، فيكون لبنان ضمن حلقات الحل، وينتج عن ذلك تأسيس مؤتمر دولي لإنقاذه.
إزاء هذا الحراك الدولي ـ العربي الشامل، هل تتعظ السلطة وتفتح كوة في جدار الازمة؟
يتأسف الزغبي لأن السلطة، برمزها الأول تحديداً، اصيبت بنوع من التكلس السياسي والذهني، فدخلت في شرنقة سياسية وأصبحت اسيرة محور ضيق يبدأ بطهران وينتهي بالضاحية. ويشدد على ان هذه المنظومة باتت عاجزة عن استعادة الوهج اللبناني الدبلوماسي، ما جعل الآخرين يملؤون فراغ الرئاسة الاولى في التحرك الخارجي والدولي، وبينما كان على الرئاسة الاولى أن تقوم بدورها التاريخي معززة رسالة لبنان، فإذا بها تتقلص وتنحصر في المدى الجغرافي والسياسي، وتصبح رهينة مواقف لا تستطيع الخروج منها. ويضيف، “حتى بكركي التي يَئِست من هذه الممارسات، بادرت الى طلب مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان، من الأمم المتحدة، وهذا الموقف التاريخي لسيد الصرح، يدل على مدى فشل الرئاسة الأولى والمعنيين الآخرين في السلطة الحاكمة في ادارة شؤون البلاد”.
ويؤكد المحلل السياسي أن كل المبادرات من بكركي الى باريس وواشنطن، فالاتصالات العربية ـ الدولية، تدور في حلقة مفرغة، وتصطدم بثنائي بعبدا ـ الضاحية الجنوبية، الذي شكل العائق الأكبر والسد الأخطر في وجه انقاذ لبنان، مشيراً الى أن الخلاص لم يعد ممكناً الا بمؤتمر دولي، مروراً بإمكان وضع لبنان تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، وصولا الى الحياد الفعال الذي لا بد ان يكون المنقذ الوحيد للحالة اللبنانية.
