الانتخابات المبكرة ليست موسم ألغام

عندما انصرفَ أهلُ الحاضرِ، في السّلطةِ العقيمة، عن استفتاءِ أصحابِ الحكمةِ والدّرايةِ، وعن مراجعةِ ذَوي الأَلبابِ الضّاربةِ قيمتُهم في المعرفةِ والتبصّر، وصارَ الحكّامُ لا يبالون بما حرَّمتِ الشّرائعُ في إدارةِ الدّولة، خطفَ عُهرُ هؤلاءِ المُسْتَولينَ على الحجرِ والبشر، أملَ الناسِ، بلُذوعيّةٍ مكروهة، ما أَفلَتَ، من عَيني الوطنِ المَلدوغِ، قدرتَهُ على اللّامَوت.

وبعدما عَجِزْنا، داخليّاً، عن التبرُّكِ من أعتابِ الثورةِ، فأُجهِضَ مسعاها الى جَعلِ ذهنيّةِ الميليشياتِ الإستقوائيّةِ مجرَّدَ ذِكرى، وحُرِّفَ، قَصداً، سبيلُها للوصولِ الى كَمِّ فوَّهاتِ السّارِقين، وتحطيمِ التّماثيلِ المُحَنَّطَةِ اللّاطِيَةِ خلفَ أَلقابِها؛ وبعدَ تعجيزِ المجتمعِ الدّوليِّ، وبأدواتٍ بَلَديّة، عن إعادةِ إحيائِنا من رُفاتِ الإفلاسِ الوطنيّ، والإنهيارِ الإقتصاديّ؛ ولمّا أصبحَت يوميّاتُنا، يَستدعي مشهدُ القُبورِ، فيها، مشهدَ قُبورٍ آخر؛ وبعدَ مؤامراتِ زعزعةِ إيمانِنا بوطنٍ واحدٍ؛ وبعدَ إحباطِ مشروعِ قيامِ الدولةِ المُتَفَرِّدةِ بالسّلطةِ على كاملِ التّرابِ الوطنيّ؛ وبعدَ سيطرةِ حالاتٍ هجينةٍ تستقوي بوسائلَ مشبوهةٍ لنَحرِ الكيانِ، وتَرهيبِ الإنسان: لم يَعُدْ، أمامَنا، سوى واحدةٍ من حالتين: فإمّا حالةُ فِراقٍ أو طلاق، استدعَتها سَقطةُ الوطنِ التراجيديّةُ على أيدي مَن سَمّروا الناسَ على فوَّهةِ فتنةٍ، وأَلصَقوا تطلّعاتِهم بالبَشِعِ من الخوفِ والظّنون، وإمّا المَضِيُّ الى انتخاباتٍ تعيدُ، ديمقراطياً، إنتاجَ مُناخٍ وطنيٍّ مُنَقّىً، وهذا، بالذات، ” الخرطوشةُ ” الأخيرةُ قبلَ أَسوإِ الحَلال.

من حقِّنا، نحن المُعَلَّقين على وَتَرٍ فوقَ هاوية، وقد فقدنا رصيدَ حياتِنا فكُتِبَ مصيرُنا القاتِمُ بِخَطٍ عريض، ألّا نعتبرَ قضيةَ وجودِنا مسألةً تفصيليّة. من هنا، فالجُثَثُ المتجَوِّلةُ، نحن، نستظلُّ اليأسَ، لأنّ إِفطارَ الأملِ، معنا، أُقيمَ على خبزٍ يابِس، ولم يعدْ بين قلبِنا وبينَ الرّجاءِ نَهدات. إنّ هذا الواقعَ المَهمومَ تُلصَقُ مسؤوليّتُهُ بأولئك الممسوسينَ الذين حوّلوا السياسةَ، بممارساتِهم المُنحَلَّة، صحراءَ عَوراءَ، فابتُلِينا بعُيوبِهم التي يُنسَبُ لها فَضلُ السَّبقِ في تَيئيسِنا، وفي تدميرِ البلادِ.

الواقعُ الرّاهنُ يحملُ مشروعاً مَدسوساً يسعى الى تدجينِنا، وإلغاءِ حيثيّتِنا كشريحةٍ مشاركةٍ في أداءِ الوظيفةِ الوطنيّة، لنُصبحَ رعايا لهيمنةٍ إستعماريّةٍ نيوإمبرياليّة، متوسِّلةً التّخويفَ الذي، وحدَه، يُذبِلُ غُروسَ الحريّةِ والأرضِ والأمل. وما التَّناقضُ المقصودُ في إعلاناتِ أصحابِ الهيمنة، بين ادّعاءِ الوطنيّةِ وبين الإنقضاضِ عليها، سوى سلوكٍ مُريبٍ لتمريرِ مؤامرةِ السيطرةِ على الدولةِ والكيان، وهو كابوسٌ آسِنٌ يُحطِّمُ كلَّ مسعىً لعودةِ الوطنِ الى الوطن.

لقد بتنا، اليوم، ونحن نعيشُ حالةَ التَشَظّي، بحاجةٍ ماسّةٍ الى مِطرقةِ الضرورةِ التي تُنهي جلساتِ الجحيم. فمعاناةُ الأيام، وكَسادُ الرّجاءِ من سلطةٍ فاسدةٍ أَمعنَت في إِنهاكِ البلدِ حتى لَفَظَ رَمَقَه، ووَقعُ اليأسِ والتَأَسّي لدى شعبٍ صارَ الحسُّ بالحياةِ، معه، ذِكرى، كلُّ ذلك يدفعُ الى السؤال: هل يمكنُ، بعدُ، صيانةُ الحُطامِ، والرَّميمِ، وأطلالِ وطن؟ أمامَ رفضِنا لعَقدٍ مشبوهٍ، ومُستَورَدٍ، يسعى الى فَرضِ آليةٍ للحكمِ بطريقةِ القَهرِ، والإمساكِ بمقاليدِ القرارِ الذي يودي بنا الى المزيدِ من الموتِ، لا نرى إلّا الذّهابَ الى انتخاباتٍ فوريّةٍ تُنتِجُ صورةً جديدةً للسلطة، تُخرجَ الأزمةَ من عُنقِ القُمقُمِ، وتعيدُ مدمكةَ جغرافيةِ لبنانَ السياسيةِ، والأهليّةِ، والإداريّة، والمَناطقيّة… وصولاً الى حيثيّةٍ آمِنةٍ تضمنُ وجودَنا، واستمرارَنا، وتحفظُ كرامتَنا الوطنيةَ والإنسانية، في وطنٍ نَزَفنا أَكفاناً في سبيلِ أن يبقى، ويبقى رائداً.

ليسَ من أَحَدٍ يجهلُ أنّ الدولةَ مشلولةٌ، ومؤسّساتِها مُعَطَّلَةٌ، والحكمَ مُهتَرِئ، والمسؤولينَ كلامُهم قَعقَعةٌ من غيرِ نَفع، وميثاقَ العيشِ مُنفَرِط، والتَّسوياتِ عقيمةٌ، والمُبادراتِ الإنقاذيةِ أُجهِضَت…وقد عايَشنا، على مدى عُقودٍ، تَحايُلاً مَقيتاً على الصّيغة، أدّى الى سَفكِ دَمِ الوطنِ، وهَدرِ سيادتِهِ وبقائِه، وأَوصلَ لطرحِ العودةِ الى مرحلةِ العُصورِ البِدائيّة، لإمساكِ البلدِ بِيَدٍ حديديّةٍ تحتَ شِعاراتٍ غريبة، وقد ترافقَ ذلك مع تفعيلِ الأَدلَجَةِ الرّوبوتيكيّةِ، وترويجِ بروباغانداتٍ مفضوحةٍ نواياها، فكَثُرَ المُصَفِّقونَ لسلوكِ القَمعِ، والتّرهيب، وشَلِّ الرأيِ الآخر، وتصفيةِ حقوقِ الإنسان، والإستيلاءِ على رزقِ الناس…و”الهَوبَرة” لاستعمارٍ جديدٍ يفرضُ نظاماً ثيوقراطيّاً مُستَورَدَاً، يُرَوَّجُ له بشعاراتٍ مُكَرَّرَةٍ.

الانتخابات النيابيّة المُبكِرة، الحرَّة والمَضمونة أُمَمِيّاً، سنفرضُ لها شِعاراتٍ مُلزِمةً، بحيثُ لا تُعيدُ إنتاجَ صعاليكَ للسّلطة، وناهِبينَ لعَرَقِ الفقراء، ومُشَرِّعينَ لسلاحٍ مُستَقوٍ على القانونِ والحقّ… فهذه المَشبوهاتُ لن تَمرّ، ولن تكونَ عائقاً أمامَ إنتاج سلطةٍ وطنيّةٍ قادرةٍ على انتشال الوطنِ من محنتِهِ القاتلة، والتَّوقِ الى عيشٍ كريمٍ، ومَضمونِ المستقبلِ في وطنٍ غيرِ مُهَشَّم.

نحن في ظَرفٍ مفصَليّ، فإمّا انتحارٌ على مقصلةِ الخَوفِ، والخُنوعِ، والقَبول، وإمّا مَضِيٌّ الى إنشاءِ وطنٍ، لنا، نُريدُهُ كما يَليقُ بنا العَيشُ فيه، مهما قَسا علينا التّراب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل