عرس قانا… العرس السماوي

ينفرد يوحنا الإنجيلي، بذكر خبر عرس قانا والآية الأولى التي صنعها يسوع في قانا الجليل في اليوم الثالث من بدء دعوته بعد عماده على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن، فأظهر مجده وآمن به تلاميذه.

الملفت في هذه الآية أنها تختلف كثيراً عن المعجزات التي وردت في الكتاب المقدس حيث تكون واضحة وأمام الملأ وهناك مَن هو مُستفيدٌ منها، بينما يوحنا لم يأتِ على ذكر أي تفاصيل تتعلق بالعرس ولا بالعروس والعريس ولا بأهلهما ولا المستفيد من هذه الآية، ولا نملك أي معلومات عن علاقة يسوع ومريم بهذا العرس وأهالي العروسين، لذلك فهذه الآية ليست من النوع الروائي أو التأريخي، وعلينا أن ننظر إليها بالمنظار اللاهوتي والرمزي العميق.

من المفيد الإشارة الى أن إنجيل يوحنا والأناجيل الأخرى كُتبت جميعها بعد قيامة المسيح بأكثر من ثلاثين سنة، أي أنه لم تبدأ كتابة الأناجيل قبل سنة 65 ميلادية، ما يعني أن الرسل كتبوا الأناجيل على ضوء القيامة بعد أن شهدوا قيامة المسيح وحملوا البشارة الى كل العالم.

اليوم الثالث: يروي لنا يوحنا بأن عرس قانا كان في اليوم الثالث بعد عماده على يدّ يوحنا المعمدان. اليوم الثالث عند يوحنا يرمز الى اليوم الذي قام فيه يسوع المسيح من بين الأموات، كما جاء في إنجيله عندما قال يسوع للفريسيين، اهدموا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيام، والتي لم يفهمها التلاميذ إلا بعد القيامة.

الأجران: مقابل إهمال ذكر كل ما له علاقة بالعرس في قانا، نرى أن يوحنا يغوص في ذكر تفاصيل كثيرة عن الأجران التي أمرهم يسوع بأن يملؤوها ماءً.

فهذه الأجران عددها ستة ونوعيتها من الحجارة وتستعمل لتطهير اليهود وسعة كل واحدة مطرين أو ثلاثة وهي فارغة لا تحتوي شيئاً.

لماذا يُخبرنا يوحنا بكل هذه التفاصيل عن الأجران بينما تمّ إهمال باقي الأحداث الأساسية في العرس؟

هذه الأجران مخصصة لتطهير اليهود وعددها 6 وهو يرمز الى النقص (7-1)، وهي ترمز الى العهد القديم ولا يمكنها أن تعطي الخلاص لأنها فارغة. ها هي الأيام المسيحانية قد دنت وملأت الأجران حتى فاضت لتعطي الخلاص الى البشر، مقابل القحط الذي عانى منه أبناء العهد القديم، وحلّت عطية الخمر الجديد أي دم المسيح الخلاصي، مكان مياه التطهير وعادات وتقاليد اليهود.

العرس: استعمل الإنجيليون كلمة عرس ليرمزوا بها الى الخيرات الموعودة، فكل الناس مدعوة للذهاب الى العرس لتُقيم مع العريس السماوي. فمتى في بداية الإصحاح 22، يُشبّه ملكوت السماوات بملك صنع عرساً لابنه وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين الى العرس… وفي الإصحاح 25 يتكلم عن العذارى العشر والعرس والعريس، وعرس الحمل في رؤيا 19، ولأن يسوع هو العريس السماوي، فلا مبرر لذكر أي عريس آخر بوجوده.

المرأة: ما لي ولك يا امرأة. هناك العديد من نظريات الشراح في تفسير هذه الآية، فهل تُعبّر عن قلة احترام يسوع لأمه؟؟ يقول القديس يوستينوس إن استعمال كلمة امرأة تشبه صورة المرأة في رؤيا 12 حيث نجد أن المرأة التي تلد الطفل ترمز الى الكنيسة.

كما نجد أيضاً أن يسوع يستعمل كلمة امرأة أيضاً عند الصليب، وأيضاً التطابق بين العذراء وبين المرأة التي وردت في التكوين 3 والتي سيسحق نسلها رأس الحية. لذلك لا يمكننا أن نقول إن يسوع قلل من احترام أمه، بل أن لغة يوحنا الرمزية تطابق بين العذراء وبين امرأة التكوين وامرأة الرؤيا.

الساعة: لم تأتِ ساعتي بعد. ظنّ الكثير من الشراح التقليديين أن عبارة لم تأتِ ساعتي بعد، تدلّ على أن ساعة المعجزات لم تأتِ بعد. ويذهب العديد من الشراح المتعبدون لمريم العذراء للقول بأن مريم قرّبت الساعة لأن يسوع استجاب لرغبات أمه مع أن الساعة لم تكن قد أتت بعد.

لنغوص قليلاً في إنجيل يوحنا لنعرف جيداً ما هي الساعة وماذا كان يقصد عندما قال: لم تأتِ ساعتي بعد.

في يوحنا 7:30 و 8:20، لم يمسكه أحد لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد. وفي يوحنا 12:23، قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان. وفي يوحنا 12:27، نجّني من هذه الساعة، لكن لأجل هذا أتيت. وأخيراً في يوحنا 13:01 هو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم الى الآب.

إذا كيف قرّبت مريم الساعة ويسوع يقول ولغاية الفصل 12 أن الساعة لم تأتِ بعد؟ أما في الفصل 13 فيتبين لنا أن الساعة هي ساعة انتقال المسيح الى حضن أبيه السماوي، وعندها فقط يمكنه أن يُعطي الخمرة الجيدة على الصليب الى المدعوين الى عرس الحمل.

أراد يوحنا أن يؤكد لنا أن العهد القديم وأدواته ورموزه قد زالوا بوجود المسيح، ولم تكن الساعة قد أتت بعد ليفدم دمه مشرباً للمدعوين الى العرس السماوي، فقط عندما أتت الساعة، ذهب يسوع الى الآلام ومات على الصليب وأعطى دمه خمرا جيدة وأبدية للمدعوين.

يرمز عرس قانا الى انتهاء الزمن القديم والأجران الفارغة وبداية زمن الخليقة الجديدة التي افتديت بدم يسوع على الصليب وأعطاها الحياة الأبدية بموته وقيامته، ويقول القديس بولس في رسالته الى أهل غلاطية، لأنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة، بل الخليقة الجديدة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل