الانعزالية ونَفَس القوّات

العودة الى بدعةِ تصنيف النّاس، بحسبِ الأعدادِ والمُعتَقَدِ والأُصول العِرقية، بين أكثريّاتٍ وأقلّويّات، ومذاهبَ ولَهجات، وانفتاحٍ وانغلاقات، تَطرحُ، من جديد، قضيةَ التنوّعِ، ومسألةَ التفاعلِ بين المجموعاتِ المُتعايِشة، استناداً الى تَوَغّلِها في الحضارة، فقط. ويحضرُنا، اليوم، ذلك الموقفُ الذي يؤشّرُ الى الإنفراديّةِ المُشَوِّهةِ للموضوعيّةِ الوطنيّة، والتي تعملُ على إعادةِ عقاربِ الزّمنِ الى عصورِ الظلام، عَنَينا، تحديداً، اتّهامَ فئةٍ من النّسيجِ الوطنيّ بالإنعزاليّةِ الرجعيّة.

الانعزال في اللغة، هو التَنَحّي، والإبتعادُ، واتّخاذُ خطٍّ مُخالِفٍ للمجموع. والانعزالية في السياسة هي أن تتَّبعَ جماعةٌ ما اتّجاهاً مخالِفاً لِما يُجاورُها من جماعات. وقد أُطلِقت هذه التسميةُ على دولٍ، ومُجَمَّعاتٍ سياسيةٍ أو إثنيةٍ، خلال القرونِ الماضيةِ، وفي ظروفٍ متباينة، أبرزُها عندَما تمَّ وَصْمُ المسيحيين في لبنان، بتهمةِ الانعزال، بعدما قرّروا مواجهةَ المُخطَّطِ الرّامي الى استبدالِ فلسطينَ بلبنان. وقد خالفوا بموقفِهم، وقتَذاك، الإجماعَ الدّاخليَّ، والإقليميَّ، وأيضا الدوليّ، ودفعوا غالياً ثمنَ “انعزالِهم”، شهداءَ، وتهجيراً، وتنكيلاً. لكنّ فِعلَ انعزالِهم أخرجَ الوطنَ من جَوفِ الحوت، وأعادَ إليه الأملَ بالبقاء.

وعلى هذا الأساس، بَدَّلَ المسيحيون، بعنفوانِهم غيرِ المسبوق، مفهومَ الانعزالِ بالإستنادِ الى نتيجتِه، فأصبحَ إيجابياً، بعدما وصَفَه اليساريّون وما سُمِّيَ بالحركةِ الوطنية، حينَها، بأنّه الخيارُ البغيض.

وبعدما انطوى الكلامُ، في هذا الموضوع، لمسافةٍ زمنيةٍ طويلة، حتى كدْنا ننسى أنّه كان موجوداً في الأساس، يُحاولُ بعضُ مَن ارتُهِنوا للسّكاكينِ أو للتّآمر، استرجاعَ القاموسِ البائد، والنَّكشَ عن مفرداتٍ عَفَّ عليها الزمن، واستنهاضَ الذاكرةِ المُفَخَخة، لأسبابٍ يعرفُها الجميع، وتصبُّ في إطارِ التّشويهِ المُغرِضِ لفئةٍ لم يَيبَسْ نشيدُ الإستقلالِ على شِفاهِها، ولم تَنتَسِبْ للوطنِ إصطناعيّاً، هي القوّات اللبنانية.

أما الأهدافُ التي يرمي إليها المُستَرجِعُ، ومَنْ يقفُ خلفَه، ويحرّكُه، فلم تَعُدْ مُمَوَّهة. رَميُ القواتِ اللبنانيةِ، ومَنْ يتعاطفُ مع توجّهاتِها، بتهمةِ الانعزال، يَعني صَبغَ هذهِ الفئةِ السياسيةِ بِلَونِ الإنحرافِ عَمّا يُرادُ فَرضُهُ على أرضِ الواقعِ السياسيّ، والأمنيِّ، في لبنان. ويَتوهَّمُ بعضُهم أنّ أكثرَ اللبنانيينَ يُجمِعُ على هذا الواقعِ “المَفروض”، وذلكَ، من دونِ القواتِ اللبنانية التي تُغرِّدُ، منفردةً، خارجَ السَّرب، وتُعَرِّضُ، بحَسبِ هذا البعضِ الغاشِم، الساحةَ الوطنيةَ عموماً، والمسيحيةَ على وجهِ الخصوص، لاهتزازاتٍ خطيرةٍ تتحمَّلُ، وحدَها، نتائجَها الوخيمة. وهذا الإتهامُ يُشكّلُ، أيضاً، رسالةً الى بعضِ الأفرقاءِ البَلَديّين، لكي يَتجنّبوا هذا “الوباءَ” الانعزاليَّ، لئلّا تنتقلَ اللّوثةُ إليهم، بالعَدوى. وهكذا، يتمُّ إقصاءُ الفئةِ الأكثرِ إزعاجاً، فتَنكفئُ، وحيدةً، ويَخفتُ وَهجُها، بشكلٍ تدريجيّ، فتخلو الساحةُ لِمَنْ يَستبيحُها، ولِمَنْ يُراودُهُ حلمُ العودةِ للإمساكِ بها، ورقةً تفاوضيةً، أو جائزةَ ترضيةٍ تعويضيةً مكتنِزَة، أو ذراعاً لإمبراطوريّةٍ راكدة.

إذا كان “الإجماعُ” المُتَوَهَّمُ يريدونَه مُلزِماً في القضايا المُسَمّاةِ خِلافية، وهي مشروعُ قيامِ الدولةِ القادرة، وإمساكُ القوى الشرعيةِ بمسؤوليةِ الأمنِ والتفرُّدِ باقتناءِ السلاح، وبَسطُ سلطةِ القانونِ فوقَ مساحةِ الوطن، وامتلاكُ الدولةِ قرارَ السِّلمِ والحرب…، وهي القضايا التي تَتَّخِذُ منها القواتُ اللبنانيةُ موقفاً مبدئياً، استراتيجياً، وتُجاريها الغالبيةُ الوطنيةُ في هذا المَنحى، ما يَجعلُها عاصيَةً على التَّدجين، وغيرَ آبهَةٍ للتَهديدِ الذي يُلَوِّحُ به مَنْ يَمتلكُ السلاحَ، ومَنْ يلطى خلفَه، في كلِّ مناسبة. وإذا كانَ مَنْ يُخالفُ هذا الإجماعَ يَتمُّ رَشقُهُ بِتهمةِ الإنعزاليةِ المَمجوجة، عندَها، تُصبحُ القواتُ اللبنانيةُ أكثرَ المُتَقبِّلين لهذهِ التّهمة، باعتبارِها رايةَ فَخرٍ، لا وَصمةَ عار، لا بل تُعلنُ القواتُ عن نفسِها، جِهاراً، بأنَها الفئةُ الانعزاليةُ الطليعيةُ، ومن دونِ مُنازع. ولا تتوانى، بالتالي، عن القيام بالدَّورِ الوطنيِّ المسؤول، أيّاً تَكُنْ خصائصُه، ومهما كانَ ثَمَنُه، والذي، لطالما، أَدَّته باندفاعٍ مَشهود، إذا خُيِّلَ للبعضِ أنَ استبدالَ حيثيةٍ قائمةٍ بأخرى مُستَوردَة، يُمكن أن يُفرَضَ بالقوة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل