
مع عودة الديمقراطيين الى البيت الأبيض، بانتخاب الرئيس جو بايدن، يمكن القول ان مخطط الشرق الاوسط الكبير عاد الى الواجهة، وإنْ مع بعض الرتوش في الشكل والأسلوب، لعله هذه المرة سيكون أكثر تركيزاً مما كان عليه ايام الرئيس باراك اوباما وقبله الرئيس جورج دبليو بوش.
هذه المرة المملكة العربية السعودية في قلب العاصفة وهي الهدف الاول للمخطط المذكور، وذلك بغض النظر عن التصريحات التجميلية والدبلوماسية الصادرة من واشنطن والرياض والتي تعطي انطباعا بأن التحالف بينهما قائم وعلى أفضل ما يكون. ولفهم المرحلة الجديدة التي نحن في صددها لا بد من إلقاء نظرة سريعة على السياسة الاميركية في المنطقة منذ سبعينات القرن الماضي.
1 – منذ توجه الرئيس المصري الراحل انور السادات نحو المعسكر الغربي في نهاية السبعينات، وتكريس الطلاق وانفكاك التحالف مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي خذل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والولايات المتحدة تعتبر ان نفوذها في الشرق الاوسط قد توطد وفي امان لأنها ضمنت الدول الاقليمية الكبرى الى جانبها في مواجهة المعسكر الشرقي.
فإلى جانب التحالف مع دول الخليج والاردن ومصر أضف انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية التسعينات والغزو الاميركي للعراق لتحييده واخراجه من البوطقة الشرقية واضعاف جيشه وافقار شعبه ودولته، تعزز اليقين لدى الادارات الاميركية المتعاقبة بألا خوف على نفوذها الاميركي في المنطقة.
2 – ومع تحول النظام العالمي الى الاحادية والقطب الواحد وتعامل واشنطن مع العالم على هذا الأساس، برزت مجددا منافسة القطب السوفياتي القديم من خلال روسيا الاتحادية على الساحة الدولية سياسياً وعسكرياً، في الوقت نفسه الذي ظهرت فيه الصين كقوة صاعدة تستطيع منافسة الولايات المتحدة على الساحة الدولية خصوصاً الشرق أوسطية.
وعندما تغيرت المعادلات على الساحتين الدولية والاقليمية مع عودة المعسكر الشرقي بحلة جديدة، الأمر الذي اثار قلق واشنطن من ضعف تأثيرها ونفوذها في المنطقة خصوصاً انها كانت في القسم الاخير من القرن الماضي تعاني من نقمة عربية اسلامية عارمة عليها بفعل دعمها ووقوفها الى جانب اسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني على الرغم من كل المؤتمرات والمعاهدات السلمية التي تمت ووقعت في تلك الفترة.
عندها قررت واشنطن وبشكل علني وصريح وضع خططها للشرق الاوسط الجديد على النار الحامية انطلاقا من ضرورة وأد اية عداوة لها من قبل شعوب المنطقة قبل الانظمة مع اخضاع الاخيرة كليا لمصالحها، فكانت ذريعة احداث 11 أيلول الشرارة للتدخل بقوة في المنطقة وفي سياسات الانظمة الإقليمية. وهذا المخطط ارتدى عدة تسميات أطلقت على لسان الساسة الاميركيين: من نشر الديمقراطية في العالم العربي الى دعم الحريات في العالم العربي، فالدفاع عن حقوق الانسان في العالم العربي، الى ما هنالك من شعارات وصولا الى ما أطلق عليه اسم الربيع العربي.
القاسم المشترك بين كل هذه الشعارات: خلق شرق اوسط جديد، ومن اجل ذلك لا بد من احداث فوضى في المنطقة، وما سمي بالفوضى الخلاقة.
3 – الهدف من الفوضى الخلاقة من منظار اميركي نشر حالة جديدة في الدول العربية تقرب الشعوب من المصالح الاميركية ردا على السؤال الكبير الذي لطالما طرح في واشنطن إثر احداث 11 أيلول، لماذا الشعوب العربية تكرهنا؟
فالفوضى الخلاقة تخلق اضطرابات في الحالات السياسية والامنية في الدول العربية فينتج عنها كيانات جديدة مهلهلة منقسمة على نفسها وضعيفة، فيسهل استباحتها والتدخل في شؤونها والسيطرة عليها لفرض استعمار اميركي جديد بحلة شعبية تطيح الانظمة الكلاسيكية المتكلسة وفق المنظار الأميركي، ومن خلال خلق او احياء ادوات محلية في كل بلد ترشح لتولي الحكم فيها وتكون حليفة لواشنطن. والغاية القصوى من كل هذه الفوضى: تقوية اسرائيل من خلال اضعاف المحيط العربي المعادي لها.
4 – اما ادوات المخطط فمتنوعة من دول اقليمية كتركيا وإيران، تحيي طموحاتها الامبراطورية في المنطقة العربية وتحتل اجزاء منها بالفعل من خلال وكلاء ومنظمات وميليشيات لا دولاتية (الاخوان المسلمين وحزب الله والحوثيين وغيرهم) فضلا عما يسمى بالمجتمع المدني الذي غالبا ما يعكس نظرة وفلسفة ليبرالية تطيح ارث وتاريخ الدول في المنطقة وتتلاقى مع مخطط الدولة العميقة في واشنطن ذات الغلبة الليبرالية وفي طليعة من يمثلها الديمقراطيون. تلك الادوات قوتها في انها تعمل من داخل الدول العربية لمصلحة تنفيذ المخطط الكبير، سياسيا وشعبيا واعلاميا ودعائيا وحتى عسكريا.
5 – رأس حربة التصدي لهذا المخطط: المملكة العربية السعودية التي نجحت في صد المخطط في مصر واعادة الحكم الى العسكر بعدما تمكن الاخوان المسلمين المدعومين من واشنطن من الوصول الى الحكم بدعم تركي، بانتخابات غلب فيها الطابع الشعبوي والاستخباري على الطابع الديمقراطي. وفي مملكة البحرين مع دخول قوة درع الصحراء لإخماد ثورة شيعية مدعومة ايرانيا لقلب نظام الحكم هناك، وصولا الى التسليم للروس بحماية نظام الاسد في سوريا بعدما تأكدت الانظمة العربية والخليجية من النوايا الخبيثة لحركات ثورية مدفوعة استخباراتيا وعسكريا ولوجستيا وحتى عقائديا.
فالسعودية تتمتع كموقع جيو سياسي وجيو استراتيجي بمكانة دينية وعسكرية واقتصادية مؤثرة جدا، وقد تآمرت المخابرات الاميركية مع المخابرات الانكليزية لضرب الوضع الداخلي في المملكة، لان المطلوب كان ولا يزال ضرب السعودية واضعافها وتصويرها على انها مفتتة ومجزأة وقابلة للتقسيم في ظل صراعات على السلطة. وكان مخطط الاميركيين بعد الانتهاء من العراق التوجه نحو السعودية لتغيير الاوضاع فيها. فالدولة العميقة في واشنطن لم تنس للسعودية تصديها لمخطط بوش الابن والذي بلغ ذروته مع اوباما وافشالها التغيير في مصر والبحرين.
6 – تذبذب المواقف الصادرة عن ادارة بايدن حيال السعودية دليل عدم صفاء في تعاطي واشنطن مع المملكة، فتناقضها في المواقف والتصاريح حيالها دليل ترتيبات جديدة ومراجعة حسابات تجري داخل الادارة الاميركية للإطلالة على السعودية بأسلوب هجومي جديد.
من جهة، تقول واشنطن انها تقف مع الرياض ضد الحوثي، ومن جهة اخرى وبتناقض فاضح تشطب الجماعة الحوثية من لائحة الارهاب وان بحجج انسانية لإيصال المؤن والمساعدات الانسانية الى اليمنيين الواقعين في مناطق وجود الحوثي، ثم تعود واشنطن وتجمد مبيعات الاسلحة للسعودية والامارات اللذين يحاربون الحوثي، ثم تعود وتصرح الادارة الاميركية بقرارها انهاء حرب اليمن التي هي في منظار السعوديين والاماراتيين حرب تحرير اليمن من الاحتلال الإيراني، لإعادة الشرعية الى اليمن.
7 – كل هذه المؤشرات والوقائع اعلاه اثبات على مضي الولايات المتحدة قدما في مخطط الشرق الاوسط الجديد واستهداف السعودية أولا، لما تمثله المملكة من نقطة ارتكاز هامة في المنطقة العربية. فأي اشعال لمسائل خلافية معها يضعف المعسكر العربي المصري ـ الاماراتي البحريني الخليجي، خصوصاً متى تناول الصراع المسائل العقائدية الحساسة المتعلقة بالولاية على الحرمين الشريفين، ما من شأنه اشعال حرب طائفية مذهبية ضروس ليست بعيدة من مخرج المخطط. فواشنطن لا يضيرها نشوء حرب طائفية ومذهبية في المنطقة حول ادارة الحرمين الشريفين يشارك فيها اتباع إيران وتركيا، كونهما يسعيان للاستحواذ على الحرمين لاسترداد طموحاتهما الاستعمارية والطائفية في المنطقة العربية والعالم الاسلامي.
8 – في حسابات واشنطن المسرعة باتجاه استرداد موجة التغيير مجددا على المنطقة العربية وتنفيذ المخطط للشرق الاوسط الجديد القلق من النفوذ الصيني والروسي، خصوصاً ان للسعودية علاقات جيدة مع الصين منذ عدة سنوات بالإضافة الى علاقات وتبادلات هامة بينها وبين روسيا على الصعيد الاستراتيجي تحديداً في ظل ازمة الثقة بين الخليجيين والاميركيين منذ اوباما والتي رممها الرئيس دونالد ترمب والتي عادت الى نقطة الصفر منذ تولي الرئيس بايدن زمام المبادرة وان كان من المبكر الجزم في اي من الاتجاهات تسير العلاقات الثنائية.
ترمب قالها يوما اثناء ولايته عندما سأله أحد الصحفيين عن السبب في بيع السعودية سلاحا متطورا، انه لو لن تفعل واشنطن ذلك فبإمكانها الشراء من الصين والروس الذين سيكونون بغاية السعادة وتعاقب واشنطن نفسها.
من هنا ليس من السهل على الاميركيين وعلى ادارة بايدن الجديدة تحديدا الامعان في سياساتها المتصلبة تجاه المملكة والخليج والعالم العربي لأنها قد توصلها الى معاقبة نفسها فضلا عن خسارة حلفاء تاريخيين استراتيجيين في المنطقة، خصوصاً بعد التطبيع الاسرائيلي الاماراتي البحريني المغربي ونشوء محور اقتصادي تنموي وسياسي واستراتيجي كبير من اليونان مرورا بقبرص ومصر والاردن واسرائيل وصولا الى الخليج على ابواب إيران.
وفي بال الاميركيين ان اي تعاون متقدم سعودي روسي صيني سيشجع دول عربية اخرى لاتباع خطى المملكة، ما سيؤدي الى ما كان الاميركيون يخشونه منذ الاساس اي زعزعة مصالحهم وحساباتهم في المنطقة بفقدان الحلفاء التقليديين وبالتالي تراجع نفوذها، وهو الامر الذي لا تقبل به الادارة العميقة في واشنطن.
