التغيير آتٍ لا محالة

لا يمكن اليوم أن نفهم بعض الأصوات الدّاعية الآن إلى إسقاط الرئيس في ظلّ وجود الأكثريّة نفسها إلا تجديد لمدّة سنوات ستّ للنّهج نفسه. فإذا تمّ إسقاط الرئيس حتمًا ستلتئم هذه الأكثريّة نفسها لتعيد إنتاج رئاسة أولى تشبهها إذ لا يمكن أن تسمح بأيّ انتخابات تطيح بها. فهل ستسمح بتنفيذ أجندة التغيير؟ أم أنّنا سندخل في دوّامة تعطيليّة جديدة قد تمتدّ إلى ما بعد 31 تشرين الأوّل 2022؟

صارت الصورة واضحة وانقشع الضباب السياسي الذي كان يمنع التغيير. والهدف الأوّلي في هذه المرحلة هو إسقاط هذه الأكثريّة ومنعها من تعطيل البلاد أكثر. فبتغييرها تعود قدرة التغيير إلى يد التغييريّين الحقيقيّين الذين استطاعوا رسم خارطة تنطلق من أكثريّة جديدة لإعادة إنتاج سلطة سياسيّة جديدة. ولن يستطيع أيّ طرف سياسي اليوم أن يسير بعكس هذه الطريق لأنّه بذلك يكون متواطئًا مع هذه الأكثريّة على إعادة إنتاج ذاتها بذاتها وبالأسلوب عينه.

ولن ينفع بعد اليوم أيّ تحايل على الدّستور، ولا أيّ التفاف على القوانين. ولعبة الصلاحيّات الممجوجة لم تعد تنطلي على أحد. لقد اكتفى اللبنانيّون فذلكات دستوريّة على قياس الأشخاص والتيّارات ضربًا بعرض الدّستور والقوانين. المطلوب اليوم تغيير المنظومة الحاكمة بالكامل. هذه المنظومة التي ادّعت شيئًا قبل الحكم ومارست عكسه تمامًا في أثنائه. هي التي تحايلت على الأحلاف والقانون الانتخابي لتنتج نفسها، مع عدم توانيها أيّ لحظة في استعمال وهج السلاح غير الشرعي الذي يمتلكه عرّابها ومديرها حزب الله الايرانيّ الولاء.

من هنا، لا بدّ من اقتناع دعاة التغيير الحقيقيّين بأنّ الطريق الأساسيّة تمرّ من بوّابة تغيير هذه الأكثريّة الحاكمة. ويخطئ مَن يظن بأنّ الأكثريّة الموجودة اليوم هي قادرة على إعادة إنتاج ذاتها بذاتها. فالنّخب السياسيّة التي تمّ إقصاؤها خلال هذه المرحلة والتي أبعدت ذاتها عن الساحة السياسيّة، هي قادرة اليوم باتّحادها مع القوى السياسيّة الكيانيّة على إحداث الخرق السياسي التغييري المطلوب. ويجب أن تقتنع هذه النّخب بأن لا يمكن لها إلا أن تنخرط في الجبهة السياسيّة مع الكيانيّين الذين أثبتوا نزاهتهم في الأداء السياسي لتستطيع الوصول إلى غاياتها.

في هذه الحالة فقط يستطيع اللبنانيّون بالديمقراطيّة استعادة ما تمّ سلبهم إيّاه بالتّحايل والانقلاب على هذه الدّيمقراطيّة عينها. وعندها فقط تصبح عمليّة التغيير ككرة الثلج التي تمتلك القدرة على جرف كلّ من يقف بوجهها. ولن يتمكّن أحد من صدّها، حتّى إن ملَك أسلحة وصواريخ الكون كلّه. فهذه كلّها تصبح بلا قيمة. وللخائفين من أيّ ردّ فعل في هذه الحالة يكفي ملاحظة تزايد الاهتمام الدّولي، لا سيّما من بوابتي الفاتيكان وباريس بالقضيّة اللبنانيّة؛ إضافة إلى ذلك بدت بكركي في كامل جهوزيّتها لمواجهة أيّ مشروع يقضي على الكيانيّة اللبنانيّة التي أرستها عبر السنين في هذه البقعة الجغرافيّة.

لا التهديد ينفع ولا التّعطيل. المواجهة آتية لا محالة وإن تأجّلت. ولا بدّ من قراءة جديدة في الواقع السياسي اليوم على ضوء ميثاقيّ، يساهم في انتاج سلطة حداثيّة تستطيع مواكبة حداثة العصر الذي بات فيه الذهاب إلى المرّيخ بالنّسبة إلى بعضهم نزهة، بينما الذهاب من بيروت إلى جونية أو صيدا أو زحلة هو سفر، قد لا يسلم منه أحد نتيجة للمخاطر المحفوفة بطريقه.

ولتلافي هذه الخارطة التغييريّة يبدو أن لا مناص أمام الأكثريّة الحاكمة سوى باتّباع نهج الديمقراطيّة التعطيليّة الذي لطالما اتّبعته وأمّن لها ما صبت إليه. لكن ما كان قبل 4 آب لن يكون كما قبله. فالنّاس كسرت حواجز الخوف والظلم والجوع والاضطهاد والملاحقة ولم يعد لديها أيّ شيء لتخسره. لذلك التغيير آتٍ لا محالة. وسيتوصّل الكيانيّون كلّهم إلى قناعة بخارطة الطريق التي أعدّتها القوّات اللبنانيّة. ومخطئ مَن يظنّ أن لا قدرة لأحد على تنفيذها.

دوليًّا وإقليميًّا ومحلّيًّا المناخ مؤاتٍ للتغيير بعكس ما تسوّق له هذه الأكثريّة الخاطِفة، ولكن المطلوب ترجمة هذا المناخ بالأداء السياسي للتوصّل إلى امتلاك القدرة السياسيّة على التّغيير. والمطلوب عدم إضاعة الفرصة الجديدة بين القدرة والأداء. وأيّ تعطيل يلوح في الأفق سيواجَه بانتفاضة جوع جديدة لن تتمكّن الأكثريّة المعطِّلة من مواجهتها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل