
اعتبارا من بداية العام الحالي بات من الضروري التركيز الدقيق واليومي لمتابعة الوضع الاقليمي الممتد من افغانستان الى جنوب لبنان مروراً بالعراق وسوريا واليمن وما بينها، كي نستقرئ طبيعة المرحلة التي دخلتها المنطقة وتداعياتها على مجمل الاوضاع في الشرق الاوسط ولبنان.
القصف الذي تعرضت له اربيل منذ ايام رسالة ايرانية ثلاثية الابعاد: البعد الأميركي، والبعد التركي، والبعد العراقي
أولاً: البعد الأميركي، رسالة ايرانية الى الرئيس الأميركي جو بايدن وادارته الجديدة. قصف أربيل في إقليم كردستان العراق ومطار ابها في السعودية، وجهان لعملة واحدة، باتجاه ادارة بايدن، إذ إن إيران ومنذ دخول الديمقراطيين البيت الابيض ترفع سقف تصعيدها وكل المؤشرات تشير الى ان هذا التصعيد اخذ بالتفاقم منذ الان حتى حزيران المقبل موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الايراني.
رفع السقف الايراني النووي والاقليمي يتزامن مع تصعيد سياسي ودبلوماسي بلغ بطهران حد التهديد بتوقف العمل بالبروتوكول الاضافي لاتفاق 2015 ومنع المفتشين النوويين الدوليين من دخول المنشآت النووية الايرانية ومواقعها.
إيران ترفع السقف وتصعد لأنها صدمت بسياسة بايدن تجاهها لغاية الآن، وقد أبرزت الادارة الاميركية سيف العقوبات مسلطاً فضلا عن عدم الاستعجال الاميركي في العودة الى الملف النووي، واستبدال ذلك بالتركيز الاميركي على الملف الاقليمي من باب اليمن، فيما طهران لا يهمها الذهاب منذ الان الى الملف الاقليمي.
طبعا لن يرد بايدن على التصعيد الايراني لان واشنطن تدرك خطورة اللعبة الايرانية لجرها الى حيث تريد طهران. واشنطن لن ترد على هجوم أربيل لسبب رئيسي الا وهو ان ادارة بايدن تراهن على الانقسامات الداخلية المستعرة في إيران داخل التيار المحافظ. فبالامتناع عن الرد تريد الادارة الاميركية مضاعفة الارتباك الداخلي في طهران خصوصاً لجهة التباين في طريقة التعاطي مع السياسات الاميركية الجديدة بين تيارين أحدهما يمثله الرئيس السابق احمدي نجاد واخر يمثله محسن رضائي.
فضلا عن ذلك، يراهن بعض من في الادارة الاميركية على امكانية ان يصل الى سدة الرئاسة الايرانية أحد الشخصيات من التيار الاصلاحي يقبل بالتفاوض اقله على الملف الاقليمي (بداية من اليمن وسوريا). فالأزمة الداخلية في إيران تحمل الايرانيين ومن اجل التغطية على عمق الانقسامات، الى رفع سقف التصعيد الخارجي، وكلما اشتدت الازمة السياسية الداخلية كلما اشتد التصعيد الايراني الخارجي ورفع السقوف الايرانية.
قد يصل رضائي الى الرئاسة في حزيران المقبل وهو الاكثر تشددا، لكن هذا لا يخفي حدة الصراع القائم بين تياري او جيلي الثورة: حالي ومستقبلي، وهذا الانقسام مرشح للمزيد منذ الان لغاية حزيران المقبل، وكلما زاد المرشد الأعلى علي خامنئي من عمره يوم في موقعه.
من هنا نجد ان واشنطن التي تركز على الداخل الايراني يبقى هدفها اقليمي اولا. وبايدن وادارته غير مهتمين في هذه المرحلة بالملف النووي عكس ايران التي تربط كل شيء ببت هذا الملف. إزاء انسداد الافاق، تلجأ طهران للتصعيد، فتقصف اربيل بعد قصف مطار ابها السعودي، وقد تقصف اكثر من موقع وترتكب اكثر من عملية خلال الفترة المقبلة سواء داخل العراق او سوريا او اليمن او حتى لبنان، فالاختراق الايراني الامني والعسكري وارد في اي وقت.
واذا تكللت الانتخابات الايرانية بمجيئ محسن رضائي، ستكون المنطقة مقبلة على صيف حار وربما شتاء حار أيضا، إذ إن رفع السقف الايراني الحالي تمهيدي محتمل لصيف ساخن بما يذكرنا بصيف 2015 مع عاصفة الحزم وتدخل الروس في سوريا وما بينهما اتفاق 2015 النووي، وفي كل هذه الاستراتيجيات هدف اساسي: اخراج ايران من سوريا واليمن، وقد يكون هذا الهدف في اساس الصيف والشتاء الساخنين المقبلين.
اذاً، خيار الحرب على الطاولة، والحرب تسرع في إنضاج التسويات والترتيبات أحيانا، وواشنطن لغاية الان غير مقتنعة بالرد على إيران والذهاب الى ملعبها.
ثانياً: البعد التركي، من طهران وإيران في العراق الى تركيا
زيارة رئيس الوزراء العراقي الكاظمي الى تركيا، أخيراً، وارسال الرئيس رجب طيب اردوغان وزير دفاعه خلوصي آكار إلى بغداد، ماراً بأربيل، اقلق الايرانيين الذين يعتبرون أربيل ـ سنجار خطاً احمر ساخن لهم. وقد وقع اتفاق سنجار بنية التخلص من ميليشيات إيران والمدعومة منها، امثال حزب العمال الكردستاني والحشد الشعبي.
سنجار تؤدي الى كركوك وهنا الخط الاحمر الإيراني، لأن سنجار تؤدي الى قنديل أيضاً وهي منطقة العمليات المتقدمة لطهران ودرع حمايتها. ففي حين تريد انقرة قطع ظهر قسد و”العمال الكردستاني” يبرز مثلث سنجار قنديل كركوك حصنا منيعا يشكل أخطر مثلث استراتيجي ليس فقط اقليمي بل دولي يمنع على اي فريق اقليمي تركي او غيره من التفرد به، إذ إن محور سنجار محور معركة دولية لأنهم يريدون تحريرها من إيران.
وبين اخذ ورد تركي ايراني حول القضية الكردية تبرز اربيل النموذج الاقليمي لأية تسوية، وبذلك تريد طهران افهام الاتراك والمجتمع الدولي ان لا اتفاق ولا تسوية بمعزل عنها حول المنطقة الاكثر ثراء والمحور الاستراتيجي والجيو سياسي الاكثر حساسية في المنطقة واسيا الغربية.
علماً ان الاتفاق بين تركيا وإيران على إقليم كردستان العراق العام 2017 بعد الاستفتاء الشهير لم يعد اليوم كافياً لضمان امنهما القومي خصوصاً ان إيران اتفقت مع “العمال الكردستاني”، إذ إن التدخل التركي في سوريا اضر بإيران بقدر ما تدخل ايران اضر بتركيا شمال سوريا، ما ادى الى تبدل وتغير تركي في التعامل مع العناصر اللادولاتية التابعة لإيران في المنطقة (الحشد الشعبي وداعش وسواهما).
ثالثاً: البعد العراقي، لعب طهران على التناقضات العراقية
إيران تلعب على التناقضات بين بغداد وأربيل لأنها لا تريد ان تقف اربيل مع بغداد لما في ذلك من اضعاف لنفوذ طهران في العراق. فالرسالة التحذيرية الايرانية الى أربيل، مضمونها عدم الذهاب مع أنقرة في تفاهم حول سنجار لأنه خط احمر إيراني، وذلك خوفاً من وصول أنقرة الى قنديل ووصول اربيل الى كركوك، والأخيرة ام القضايا في العراق والمنطقة. ومن له كلمة في قضية العراق والمنطقة يسيطر على كركوك.
من يطالع ردود الفعل الاقليمية والدولية على هجوم اربيل يدرك مدى اهمية اربيل للمنطقة والعالم، فبغداد تنسق مع اربيل والرياض في مواجهة ميليشيات وارهاب المنطقة. لذا، تشير التوقعات الى ان اي خرق ايراني سيحصل في العراق اولا.
والقضية الكردية ستحيي النزاعات بين الدول الإقليمية المعنية، لأن الاكراد موجودون على امتداد إيران وتركيا وسوريا والعراق، وتأثير قضيتهم بالتالي عابر للحدود وهو يصل الى حد التأثير الدولي، اذ في حال تخل الروس والاميركيون عن الكرد سيخسر الكرد، تماما كما لو تخلت تركيا وإيران عن الكرد فهم ايضا سيخسرون.
فطالما هناك خلاف تركي ايراني على الأكراد، الاكراد رابحون، وطالما استمر الصراع بين الاميركيين والروس على الاكراد، الاكراد رابحون.
علما ان اكراد العراق يتمتعون بإقليم كردستان المميز بالاستقلالية النسبية منذ الانتداب البريطاني واول دستور عراقي، ثم جاء الاميركيون وأكملوا المهمة تجاه كردستان بعد دخول العراق الى الكويت.
النظام الفدرالي أصبح مطروحا بقوة للعراق، والعين يجب ان تبقى مركزة على الحدود السورية ـ العراقية لان تلك المنطقة هي منطقة صراع دولي بأهمية سنجار، وصولا للبو كمال والحسكة.
ما حصل في أربيل، أخيراً، كان من اجل الا تتحرر سنجار من “العمال الكردستاني” والحشد الشعبي المواليين لإيران، والمعركة المقبلة اذا كتب لها ان تحصل ستكون تحرير سنجار لطرد ايران، وهو اخطر مثلث حدودي بين تركيا والعراق وسوريا، وصحن المصالح الايرانية الحيوية.
المنطقة في ساعة الغليان التصاعدي، والحرب وسيناريوهات المواجهة الى تصاعد في لحظة تضارب المصالح الاقليمية والدولية وتشابكها عشية التسويات الكبرى.
