بكركي في الحقيقة

 

ما دفع بي الى دعوة معصوبي العقول للكف عن الهلوسة الستالينية، هو غصن الزيتون الذي لا يزال سيد بكركي يرفعه، آملاً في أن ينتج زيت الشفاء لوطنٍ ينبغي أن يعود “نعيماً” كما يرتجيه البطريرك والذين يمحضون لبنان ولاءهم.

إن واقع الحال الذي آل الوطن اليه، من خلال الأداء المعوج، قصداً، للقيمين على الحكم فيه، ومنْ يلوذون بهم، هو، بالذات، ما حدا بالبطريرك الى إعلان المبادرة الإنقاذية، وهي نسيج وحدها لاستعادة لبنان من جهنم، ولتنقيته من الحالات الهجينة التي استقوت عليه بوسائل مشبوهةٍ مرفوضة، ولنجدته من القلق على الكيانية التي يراد لها أن تختم بفعلٍ تدميري عنيف.

إذا عادت بنا الذاكرة الى زمنٍ مضى، واسترسلنا في كشف صفحات بكركي، في موضوع ارتباطها بكيان الوطن، لا يمكن أن نغفل عن وقفاتٍ مجيداتٍ لمن تعاقبوا على سدتها، اولئك الداعين الى تحصين مشروع الدولة، والى النهوض بلبنان السيد المتميز، والى التشبث بالنموذج الديمقراطي الفريد الذي يصون الحريات، والى طي صفحة الخصام وطلْي قبر الحرب بالكلس ليسجن ذكرها، مع ثقافة الموت، الى الأبد. وإنْ دلت المواقف، هذه، على شيء، فعلى النضال الوطني في مشيئة بكركي التي هالتها هلهلة سقف الدولة، فانبرت، كعادتها، لتتبوأ الدور الطليعي في نصرة حق لبنان الذي نريد أن نحيا فيه ليحيا بنا.

أمام تعليق الوطن والمواطن على وترٍ ضعيفٍ فوق هاوية، وأمام بشاعة الحقيقة التي افتعلها المسؤولون الطارئون بأذرعٍ أخطبوطيةٍ، وبدون ندم، وأمام نحرٍ معيبٍ للوطن، بالفساد، والتقصير، وسوء الإدارة، لم يعد الخوف وهماً. لذلك، لم تقفْ بكركي جليدية الحركة تجاه السقطة التراجيدية للبلد، وتجاه وجع الناس. وكانت صرخةٌ للبطريرك الراعي، لم تحملْ تهديداً، أو تهويلاً، كما يحلو لبعض “الخائفين” أن يوصفها، بل هي دعوةٌ حرةٌ، صادقةٌ، لنصرة الحقوق والكرامة، عملاً بمفهوم الدستور، وبمبادئ الحق بالحياة الكريمة الآمنة المتطلعة لغدٍ أفضل، وهذا، بالذات، ما أكسب بكركي أن تكون، كما دائماً، ضمير لبنان.

إن مصلحة لبنان، كما ظهرتها بكركي، تكمن في حياديته وتبنيه موقفاً يبعده عن التكتلات والمحاور المتواجهة، تجنيباً لارتداد سلبيات الصراعات عليه، والتي لا يحتملها. فعدم الانزلاق في حدة هذه الصراعات بين المحاور، يوقي الوطن من نزاعاتٍ، ومحنٍ، وشرورٍ، تضعضع استقراره، وتضاعف خسائره، بشراً وحجراً، وتودي بتوازنه، وتفتح المجال، واسعاً، لتدخلاتٍ غريبةٍ ترسخ فيه الخلاف والمنازعات… إن الحياد يحصن الوطن، داخلياً ودولياً، فبدلاً من الشقاق والتقاتل، وتحويل البلد ساحةً لتصفية حسابات المحاور، يجهد المواطنون، جميعاً، في المجال التنموي لبث ثقة الأجيال بالوطن رائداً حضارياً، ومجالاً آمناً لتحقيق مستقبلٍ مشرق.

إن مصلحة لبنان، أيضاً، تكمن في طرح قضيته على المجتمع الدولي، بعد أن خاب أمل الناس بمسؤوليهم الذين انتهجوا الأنانية، والمصلحة الشخصية، والذهنية الإلغائية، وانتهاك الحق بالظلم، والإنغماس في الفساد، وإجهاض المبادرات الخارجية للمساعدة في الحلول الإنقاذية، وجعلوا الوطن يتجول في كفنٍ نازفٍ بعد أن ساقوا أهله الى الذبح على حد أكاذيبهم… هذه الخيبة المبررة، والمتكررة، والتي مدت سلاسل حول رجاء الشعب وحولته كبش محرقة، قرأتها بكركي واجباً الى الاحتكام لموقفٍ أممي ملح، داعمٍ لقضية لبنان، لانتشاله من الزمن الرديء، ومن دائرة النار، ليستعيد الأمن، والنظام، والحكم السديد، والنهوض الاقتصادي، والسيادة على كامل الأرض، ومذاق الحرية، وبذلك، يعود المشهد اللبناني، كما كان، انتصاراً للإنسان.

إن موقف بكركي الصلب، والمتصدي، بحزمٍ، لمن يريد تمريغ لبنان بالجوع، والفقر، والتبعية، لم يكن عبثياً، كما حاول بعض المهرطقين تصويره، فمنهجية الطرح تلبس موضوعيةً وطنيةً تحدث نقلةً نوعيةً في التعاطي الجدي مع قضية لبنان الشائكة. أما التنطح لتحديد ما يحق لبكركي وما لا يحق لها، والتهويل المتكرر الذي أطلق بوجه التدويل، فهما حيثيةٌ أكلها الصدأ، ولم يعدْ يعول عليهما كتجارةٍ مربحةٍ في أسواق التعاطي الوطني.

لقد علمتنا بكركي، بوعيها الصريح للأصول الوطنية، ألا نكون دمعةً يصفعها اليأس، وجباهاً يكسرها الذل، لذا، فلْيطمرْ غيرنا وحل الأرض.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل