
تعليقا” على المؤتمرين الصحافيّين في 14 و 21 شباط كتب الدكتور شربل عازار بعنوان، “بين دولته ومعاليه، غرام وانتقام فوق أرضٍ محروقة.”
منذ وصول الحريريّة الى السلطة في العام ١٩٩٢ ميّزتُ بين الحريريّة السياسيّة المعتدلة والمنفتحة على الشرق والغرب والتي شرّعت آفاق لبنان على استثمارات داخلية وخارجيّة خاصة خليجيّة ما استجلب للوطن، الخارج من الحرب، إزدهارا” ملموسا”،
وبين الحريريّة الإقتصاديّة التي تسبّبت بإشكاليات كثيرة للأسباب التالية:
١- المجيء بحاكمٍ لمصرف لبنان يعمل بتوجيهات الرئيس الشهيد، وهو الذي كان يُدير محفظته الماليّة، فافتُتِحَت السياسة المصرفية والماليّة العام ١٩٩٢ بعملية “رُبى فاحش” تُحظّرها القوانين حتى في العلاقات بين الأفراد، بحيث أصدر المصرف المركزي سندات خزينة بفوائد جاورت ال ٤٦ بالمئة سنويا” يوم كان الشعب اللبناني لم يبلغ بعد درجة الوثوق المطلقة بدولته، فلم يجرؤ بمعظمه على الإكتتاب بهذه السندات.
إلّا أنّ القِلّة القليلة، أيّ صاحبة القرار السياسيّ والماليّ وشركائها من نافذين ورجال أعمال، كانت تعرف ما تقوم به فأتت بمليارات الدولارات من لبنان والخارج وباعتها على سعر ٣٠٠٠ ل.ل. لينزل سعر الصرف بعدها بأشهر الى ١٥٠٠ ل.ل، فتضاعفت أموالهت وبقيت لسنين عديدة تأخذ من مصرف لبنان، يعني من جيب المكلّفين اللبنانيّين، فوائد الربى المرتفعة جدّا” بحجّة رفع حجم الأموال المودعة في المصارف اللبنانيّة كدليل ثقة بلبنان، تلك الثقة التي كلّفت الخزينة ما كلّفتها من فوائد هائلة على مدى سنين طويلة.
٢- كلفة إعادة الإعمار، على ضرورتها وحتميّتها، كانت أضعافا” مضاعفة عن الكلفة الحقيقيّة للمشاريع وهذا ما تؤكّده جميع المكاتب الإستشاريّة في لبنان والخارج، ما جعل الإنجازات تفقد بريقها وتصبح حِملا” أمام هول المديونيّة التي رتّبتها على الخزينة.
٣- الأدهى من كلّ ذلك أنّه تمّ الإستيلاء على العاصمة بيروت التي استُبدِل اسمها التاريخي باسم سوليدير، وهكذا صارت عناوين المحلات والأماكن والمصارف، فرع أول سوليدير.
وهذه ال سوليدير أصبحت أسهما” تَمَلَّكها الحكّام أنفسهم مع شركائهم. وهذا ما قيل أنّه حصل في سوكلين وفي المنطقة الحرّة في المطار وفي شركات الخليوي وغيرها…. يعني تملّك المرافق المنتجة في الدولة.
فكيف يجوز، لأي مسؤول وفي أي موقع كان من أعلى الهرم الى أسفله، ان يكون له مصالح مباشرة أو غير مباشرة مع الدولة؟
هذا حتما” ممنوع ومستحيل في كل بلدان العالم المتحضّر والأمثلة على ذلك عديدة، من برلوسكوني إيطاليا الى ترودو كندا الى كينيدي وبوش وترامب وبايدن في اميركا.
فكلّ القوانين تمنع المسؤولين من استغلال الموقع والاستفادة من المال العام لشخصهم ولشركاتهم ولأقاربهم بأي شكل من الأشكال.
هذا عن الحريرية.
أمّا الحالة العونيّة، بين العام ١٩٩٢ وصولا” للعام ٢٠٠٣ -٢٠٠٤، كانت تُجاهر وتُفاخر أنّها ضدّ الحريريّة بالمطلق بشقّيها السياسي والاقتصادي ولم تُفرّق يوما” بين الشقّين.
وصلنا الى العامين ٢٠٠٤ و ٢٠٠٥ فرأينا الحالة العونيّة تقترب من الحريريّة بشكل واضح، الى أن اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فتحوّلت العونيّة رأس حربة ١٤ آذار ٢٠٠٥ في ساحة الشهداء، داعمةً بشكل مطلق للحريريّة ومعادية بشكلٍ كامل لأخصام الحريريّة وعلى رأسهم حزب الله.
تسارعت الأيام، وبأقلّ من سنة، إنتقل التصاق التيّار الوطني الحرّ من الحريريّة الى ٦ شباط ٢٠٠٦ في كنيسة مار مخايل حيث وُقّع التفاهم الشهير.
وتبدّل الهوى وصارت الحريريّة، من جديد بالنسبة للتيّار، سبب خراب البلاد ومُدمّرة إقتصاده والمسؤولة عن ضياع المليارات، وقُطِعت تذكرة ال
“وان واي تيكيت” لسعد الحريري وصولا” الى احتفالية توقيع كتاب “الإبراء المستحيل” الصادر عن دار نشر التيّار الوطني الحرّ، حيث أمام المئات من المسؤولين والفعاليّات، وفي ذلك الفندق الكبير، كانت الكلمات الناريّة، بحضور رئيس التيّار العماد عون شخصيّا”، تُدين حتى آخر نفس، الحريريّة السيّاسية والاقتصاديّة والماليّة والأخلاقيّة التي حسب كلّ الكلمات التي أُلقِيت دمّرت الوطن واقتصاده.
لم تمضِ فترة وجيزة حتى انتشرت أخبار اجتماعات باريس وروما التي أوصلت من جديد الى “غرام سياسيّ” غير مسبوق بحيث أن “قلب” التيّار الوطني الحرّ إتّسع لحبيبين حزب الله من جهة، ومن جهة أخرى سعد الحريري الذي اعتبره الرئيس عون في فترة لاحقة بمثابة إبنه الضّال وعند عودته ذَبَح له العجل المسمّن.
وأسفر هذا الغرام عن مولود سُمّيَ “التسوية الرئاسيّة”.
وساد الودُّ والحبُّ بين سعد وجبران وبين نادر وجبران وعفا الله عمّا مضى ويا دار ما دَخَلِك شرّ.
ثلاث سنوات كاملة إستمرّ شهر العسل وأكل العسل بين الأزرق والبرتقالي.
وفجأة حصل ما لم يكن في الحسبان، إمتلأت كأس الناس على خلفية ستة دولارات إضافية على الواتس أب. فانفجر الشارع في ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩، أُُحرِجَ الحريري واستقال تحت الضغط، فانفخت الطبلُ وتفرّق العشّاق من جديد.
وبقي في “قلب” التيّار الحرّ حبيب واحد هو حزب الله.
وعاد التيّار الحرّ الى إتّهام الحريري والحريريّة، منذ أن وُجدت، بأقظع الأوصاف والألفاظ محمّلا” إيّاها كامل المسؤولية عن خراب البصرة.
وقد حصل السيناريو نفسه مع حزب القوات اللبنانيّة الذي كان بنظر التيّار ميليشيا ارتكبت “الأخطاء” في الحرب، الى أن كان عرس معراب في ذلك اليوم العاصف من كانون الثاني.
شعر العماد حينها أنّه في بيته مُحاطا” بكلّ عظمة الإستقبال وكانت ضحكة معالي الوريث لا تُفارق وجهه في تلك الإحتفالية الإستثنائيّة.
داهم ١٧ تشرين الأول الجميع إستقال وزراء القوات من الحكومة، فعاد التيّار الحرّ الى النغمة القديمة ذاتها. فكلّ ما وجّهت القوات إنتقادا” بالسياسة او بالاقتصاد او بالآداء عاد التيّار الى نبش التاريخ وتحدّث عن ما يسمّيه “إرتكابات” القوات في الحرب اللبنانيّة التي انتهت منذ اكثر من ثلاثين سنة.
هكذا إذا” الخط البياني للتيّار الحرّ، نَغفر ونُسامح ونحتفل بالزواج السياسيّ عندما تقتضي المصلحة،
ونعود عن الغفران والمسامحة وننبش الماضي، ايضا” وأيضا” عندما تقتضي المصلحة.
طبعا” نَقصُد المصلحة الخاصة،
فحُكّامنا لا وقت لديهم للمصلحة العامة.
دولة الرئيس سعد الحريري.
تكلّمنا بإيجابية عن الحريرية السياسيّة المعتدلة المنفتحة على الداخل والخارج من أقصى الشرق الى مغارب الدنيا، هل قلتم لنا ما هي التعديلات التي ستدخلونها على الحريريّة الإقتصاديّة، وكيف يُمكن تعويض ما تكبّدته خزينة الدولة، أي جيبة كل مواطن، وإعادة ما هُدِر من أموال جَرّاء هذه السياسة؟
هل تغيّر شيء في رؤيتكم للأمور لتطرحوا نفسكم مُنقذا” للوطن؟
وإلّا، لماذا هذا الإصرار لترؤس حكومة في العهد نفسِه مع المنظومة ذاتها في ظروف لم تتغيّر، هل لمصالح خاصة أمّ عامة؟
معالي رئيس التيار الوطني الحرّ المهندس جبران باسيل.
تعملون للوصول الى سدّة الرئاسة، او لا تنفون رغبتكم العارمة للوصول إليها خلفا” لعمّكم فخامة الرئيس.
وقد عبّر فخامته خلال مقابلة مع تلفزيون فرنسي بعد مرور شهر على إنتخابه، عن رغبته في توريثكم الرئاسة،
إذ وردّا” على سؤال للتلفزيون وُجّه إليه على الشكل التالي:
– السيّد الرئيس، هل تُفَكّرون منذ الآن بتجديد ولايتكم؟
– جواب فخامة الرئيس:
أُفَضِّل تأمين خلافة جيّدة.
طبعا” معالي الوزير هذا حق من حقوقكم الطبيعية،
ولكن نريد التوجّه الى معاليكم ببعض الأسئلة التوضيحيّة بصفتنا مواطنون شركاء بالإنتماء الى هذا الوطن.
وقبل البدء في صلب الموضوع، وبالرغم من أنّكم تكلمتم البارحة كقائدٍ مُطلقٍ للمعارضة، نعتقد انّكم توافقون معظم اللبنانيّين الرأي، أنكم خلال فترة رئاسة الرئيس عون تلعبون دور رئيس الظلّ او أكثر، أم منعا” للإحراج وللنقاش فَلْنقُل دور الفاعل الأول او المؤثّر الأول او إختصارا” الأول في كل شيء وربّما الأوحد.
هل تشرحون لنا، معاليكم، لماذا علينا انتظار عهدكم الرئاسي بفرحٍ وأملٍ واطمئنان؟
وبعيدا” عن العناوين الكبرى التي لا يمكن أن يحتكرها أحد، كمواجهة العدوّ الاسرائيلي والدواعش والتكفيريّين وإرساء الاستقرار وكلّ هذه الامور البديهيّة، التي حصل مثلها مع العدوّ الصهيوني ودواعش الداخل والخارج في عهد الرؤساء الهراوي ولحود وسليمان بفضل مناقبية وتماسك الجيش اللبناني والتفاف كل المواطنين حوله وحول دولتهم في هذه المواضيع الوجوديّة،
هلّا استطعتم تعداد بعض الإنجازات في هذا العهد الذي أنتم عامود السماء فيه؟
هل بإمكانكم أن تعطونا مؤشّرا” إيجابيّا” واحدا” على الصعيد الإنمائيّ، العمرانيّ، الماليّ، الإقتصاديّ، البيئيّ، الإستشفائيّ، السياحيّ، المدرسيّ، الجامعيّ، الرياضيّ، التربويّ، الثقافيّ، الزراعيّ، الصناعيّ، او غيره حصل أو أُنجز في هذا العهد؟
أرجوكم لعلّنا كمواطنين فقدنا السمع والبصر والبصيرة ولم نَعُد نرى الإنجازات.
إلّا إذا كانت سدود بريصا والمسيلحة وبلعا وجنّة وبقعاتة كنعان-كفرتيه في كسروان، مُدرجة على لائحة الإنجازات.
بالمناسبة نسأل، من سيعوّض على اللبنانيّين طبيعتهم الخلّابة وغاباتهم المذبوحة وأموالهم المهدورة على هذا الصعيد؟
أُتركونا من الإنجازات لعلّ الجواب مُستعصٍ.
فلنسألكم عن الطموحات.
ماذا كان في جعبتكم؟
ماذا تطمحون لتحقيقه؟
خمس سنوات تقريبا” منذ وصولكم الى القصر، وقد أخذتم كلّ المواقع والمراكز المسيحيّة من الرئاسة الى القضاء والعسكر والأمن وصولا” الى مأموري الأحراش إضافة الى أكبر كتلة نيابيّة وطبعا” وزاريّة، والكلّ كان معكم من مرشدكم حزب الله الى شريككم سعد الحريري.
خمس سنوات تقريبا”، وهي طول الفترة الرئاسيّة الفرنسيّة وأطوَل من فترة الرئاسة الأميريكية، وأنتم تتكلمون عن الماضي وعن الإرث الثقيل وعن عوائق وحواجز وعُصيّ في دواليب لم نرَها ولم نلمسها،
تمضون الوقت تخبروننا عن قوانين ومشاريع قوانين ومشاريع مستقبلية.
هذا عهدكم الرئاسي الأول، الشمس طالعة والناس قاشعة والإنهيارات واقعة وأبواب الهجرة واسعة وجهنّم والعة وحرقتنا كلّنا.
ماذا عن عهدكم الثاني المُنتظر الذي تسعون إليه بكلّ ما أوتيتم من فنون؟
بماذا تريدون إقناعنا؟
هل ستعيدون أموالنا واقتصادنا وجامعاتنا ومستشفياتنا وأطباءنا وممرّضينا وخيرة شبابنا،
وتعيدون ملياراتنا المهدورة والضائعة والمليارات التي طارت بفعل الهندسات الماليّة التي حصلت امام أعينكم وفي عهدكم في بعض الأحيان؟ وهل ستعود الأموال التي حُوّلت الى الخارج منذ تشرين الاول ٢٠١٦ تاريخ دخولكم القصر ولغاية اليوم أكانت أموالا” نظيفة او غير نظيفة؟
هل سَيُعيد المُشرفون والمتعهّدون والملتزمون والمنفّذون والمستفيدون ثمن سدودنا التي لا تمتلئ بالماء وثمن كل الأعمال الفاشلة في الدولة، وما أكثرها، ويعيدون طبيعتنا كما استلمناها من الخالق؟
لن نسأل عن الإتصالات والكهرباء والبواخر والفيول الذي عجز عقلنا عن فهم اذا كان مغشوشا” أو مطابقا” أم كارتيلا” أم ربّنا عليم.
هل سيعود المستثمرون اللبنانيّيون والأجانب والخليجيّون الى لبنان؟
هل سنستعيد سُوّاحنا من اليونان وقبرص ومن العدو الإسرائيلي؟
هل ستعيدون بناء المرفأ والتعويض عن مليارات الخسائر للضحايا البشرية والسكنيّة الناتجة عن هيروشيما العصر، خاصة وأنكم جميعا” جميعا” جميعا” كنتم على علم بوجود هذه المواد المُدمّرة؟
بماذا تستطيعون ان تقنعوا شعبكم، معالي الوزير لننتظركم كرئيسٍ مُخَلَّصٍ مُرسَلٍ من الله أو من حزبِه؟
معالي الوزير، بسبب شعوركم أو تمتعكم بفائض القوة إخترتم طريق السيطرة والاستقواء والتملّك والإستحواذ.
كان الأجدى بكم سلوك طريق التواضع والاعتدال والانفتاح والتفّهم والتفاهم والسعي الى الإنجاز الفعلي لا الصوري، فحتى أنكّم تجرأتم على عطيّة الله ونسبتوها اليكم،
هل تذكرون تلك اللوحة الإعلانيّة الكبيرة على مدخل لبنان الشمالي في البترون حيث كُتِب في الخط العريض العريض:
لبنان بلد نفطي، شكرا” جبران باسيل.
كم كنتم كَبِرْتُم في أعين اللبنانيّين لو كتبتم:
بلدٌ نفطيٌّ لبنان،
شكرا” لربّ الأكوان.
التوقيع جبران باسيل.
في ١٣ تشرين الأول ٢٠١٩ إنتظرتم أخصامكم على ضفة النهر لتجرفوهم،
بعد أربعة ايام، نهر البشر جَرَفَ رموز السلطة مهما تكبّروا وتجبّروا.
السقوط من علوّ مدمّر.
دولة الرئيس سعد الحريري،
معالي الوزير جبران باسيل،
برّروا للناس إصراركم على البقاء في السلطة.