بعد تقديم عريضة للأمم المتحدة بشأن انفجار المرفأ… خيار الفصل السابع متاح؟

حتى الساعة لم تُظهر الدولة اللبنانية الجدية الكافية في نيّتها التوصل إلى حقيقة ما سبب انفجار مرفأ بيروت والأشخاص الذين يتحملون مسؤولية ما حصل وأدى إلى دمار نصف العاصمة واستشهاد أكثر من 200 شخص، وإصابة أكثر من 5 آلاف آخرين. وترنُّح العدالة في لبنان واستسلامها للضغوط السياسية سيؤدي إلى غضب داخلي من قِبل اللبنانيين الذين ينتظرون كشف الحقيقة الكاملة وفي طليعتهم أهالي الشهداء والمصابين، وإلى استياء خارجي ورغبة لمعرفة من سبّب جريمة العصر هذه وكيف.

ما قام به نواب تكتل “#الجمهورية القوية” عبر تقديم عريضة إلى الأمم المتحدة لإجراء تحقيق دولي في #انفجار المرفأ قد يفتح الباب أمام تعاون دولي في هذا الموضوع. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه العريضة لها قيمة قانونية دولية أم هي مجرد صرخة سياسية؟

في هذا الإطار، يعتبر أستاذ القانون الدولي الدكتور أنطوان صفير أن “العريضة المقدمة لها قيمة سياسية ومعنوية وقانونية، أولاً هي موجهة من نواب منتخبين ومعترف بوجودهم السياسي والقانوني، ما يمكن أن تأخذه الأمم المتحدة بعين الاعتبار، وثانياً لها قيمة معنوية باعتبار أن الجريمة التي حصلت في 4 آب ليست جريمة عادية أو لها بعد سياسي محدد، بل هي جريمة بحجم جريمة ضد الإنسانية، وبالتالي، فإن مطالبة نيابية للأمم المتحدة لها أهمية معنوية لجهة البحث فيها، وثالثاً لها قيمة قضائية، بمعنى أن أي إثبات أو أي رسالة توجه إلى الأمم المتحدة تعتبر وثيقة موجودة ولها بُعد قانوني، ويمكن أن تدرسها أجهزة الأمم المتحدة أكثر، وتتخذ على أساسها مسائل إجرائية”.

من جهته، اعتبر المحامي ربيع الشاعر أن “العريضة ستكون وسيلة شعبية لا قيمة لها قانونياً، إذ لا يمكن أن تتخلى الدولة عن سيادتها القضائية إلا بموجب قانون أو بموجب إتفاقية دولية”.

ما هي الخيارات المطروحة لتفعيل العريضة؟

على صعيد السبل القانونية التي يجب أن تسير بها أي عريضة لتصبح رسمية وفاعلة، اعتبر صفير أن “ليس هناك من سبل قانونية محددة في ميثاق الأمم المتحدة بشأن العرائض التي تأتي من قبل نواب أو أفرقاء، أو مواطنين، وهناك الآلاف بل الملايين من المواطنين قدّموا عرائض إلى الأمم المتحدة، والسبل مفتوحة، أي بإمكان العام للأمم المتحدة أن يتخذ تبعاً لهذه العريضة إجراءات عدة، من بينها إرسال لجنة تقصي حقائق دولية لتبيان حقائق معينة أو شهادات في الجريمة، بالتالي الموضوع لا محصوراً في إطاره اللبناني، ويمكن أن تحرك هذه العريضة الموضوع في إطار لجنة تقصي الحقائق أو أن يدعو الامين العام الجمعية العامة إلى جلسة بعد إضافة معطيات أخرى بشأن الجريمة التي حصلت أو بسبب البطء في التحقيقات، ما يؤكد عدم الجدية عند المراجع المعنية”.

أما الشاعر فاعتبر أن “تدخل الامم المتحدة في سيادة الدول له شروط، وهي أقيمت كي تحترم سيادة الدول، إذ لا يمكن لها أن تقبل بالتعدي على هذه السيادة، وفي طليعتها السيادة القانونية، أي سيادة القضاء اللبناني، ويمكن أن يحصل ذلك ضمن شروط معينة تخضع للفصل السابع، وهذا يتطلب قراراً من مجلس الأمن من دون أن تعترض إحدى الدول الخمس الكبرى عليه بواسطة الفيتو، ويجب أن يقدم هذا القرار من قبل إحدى هذه الدول الاعضاء في مجلس الأمن، وهذا الأمر غير مطروح كما يبدو في الوقت الحالي، إذاً هذا الخيار ساقط”.

وأضاف أن “الخيار الثاني هو أن تتقدم الدولة اللبنانية بطلب إجراء تحقيق دولي، وذلك لا يتم إلا من خلال إصدار قانون في مجلس النواب برفع يد القضاء اللبناني عن التحقيق بهذه الجريمة، ومن دون ذلك يبقى القضاء اللبناني سيد نفسه وفق الدستور والقوانين”.

وشدد على أن “الخيار الثالث يكون من خلال تصويت مجلس النواب على اتفاقية مع الأمم المتحدة لإجراء التحقيق الدولي، وكي تصبح هذه الاتفاقية قابلة للتطبيق ضمن الأراضي اللبنانية يجب أن تخضع شروطها للمادة 52 من الدستور التي تفترض أن يفاوض رئيس الجمهورية في هذا النوع من الاتفاقيات التي تمتد أكثر من سنة بالاتفاق مع رئيس الحكومة، كما هي بحاجة إلى التصويت عليها في قانون بمجلس النواب”. وتابع: “على الكتلة النيابية إما أن تقدم اقتراح قانون فيتم التصويت عليه في المجلس النيابي، وإذا وافق عليه يصبح لدينا آلية للتوجه إلى الأمم المتحدة لتعيين لجنة التحقيق، ويبقى بعد ذلك أن تقبل الامم المتحدة بتعيين هذه اللجنة، وإذا لم يتم التصويت عليه في المجلس تسقط هذه المعادلة”. وأوضح أنه من الممكن أن تسعى المنظمات الحكومية مع دول أخرى قادرة أن تحقق في هذه الجريمة، أي فرنسا، ألمانيا وبلجيكا، التي تسمح قوانينها بأن تعطي صلاحية للقضاء في البحث في جرائم حصلت خارج حدودها الجغرافية، ولكن هذا يخضع أيضاً لشروط معقدة جداً”. وأوضح قائلاً: “وفق القانون الفرنسي يجب أن تكون إحدى الضحايا التي سقطت في الجريمة من الجنسية الفرنسية، وأن تكون الجريمة ضد الإنسانية، ولكي يتم تصنيف انفجار المرفأ كجريمة ضد الانسانية يجب توافرالعديد من المعايير التي تحدد الجريمة ضد الانسانية، ويتم تحريك هذه القضايا من قبل النيابات العامة التي تخضع في معظم الدول للضغوط والتوجهات السياسية، ولم يسجَّل في تاريخ الدول العديد من هذه القضايا”.

هذه شروط الفصل السابع

وبشأن إمكانية اللجوء إلى قرار أممي تحت الفصل السابع بشأن التحقيق في انفجار المرفأ، اعتبر صفير أن “التدخل وفق الفصل السابع لا يأتي بشكل مباشر، فهناك تدرج في هذا الموضوع، ولبنان عضو في الأمم المتحدة، وبالتالي يمكن أن تتواصل الأخيرة مع السلطات اللبنانية لتبيان بعض الحقائق أو للتعاون القضائي، وأنا من المطالبين بلجنة تقصي حقائق دولية تتعاون مع السلطات اللبنانية، وذلك لأن هناك تقنيات ووسائل لا تمتلكها السلطة اللبنانية ويمكن للأمم المتحدة المساعدة من خلالها لتبيان حقائق معينة في جرم بهذا الحجم”. وتابع: “لكن الدخول في سياق الفصل السابع يتطلب وضوحاً في المواقف، أي إن الدولة اللبنانية لا تتعاون من خلال أجهزة الأمم المتحدة إذا طُلب منها ذلك، والامم المتحدة تأخذ موقفاً واضحاً وفق الفصل السابع الذي يدعو إلى حل المشاكل وفق كل الوسائل، وفي طليعتها الحل العسكري الذي يعتمد في حالات تهديد السلام والأمن العالمين أو في حال عدوان محدد، لكن قانونياً أستبعد هذا الأمر لأن موضوع انفجار مرفأ بيروت لم يبحث في سياق الأمم المتحدة بشكل رسمي ولكن يمكن بعد حين إصدار بيان رئاسي أو توصية من الأمين العام أو قرار من الجمعية العامة قبل أن نصل إلى مجلس الامن إذا كانت هناك إرادة دولية في هذا الموضوع”.

بدوره، اعتبر الشاعر أن “فرض التحقيق الدولي يتطلب قراراً من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، وهذا أمر نادر جداً ويتطلب تمويلاً كبيراً، أي احتمال تخصيص أموال من الموازنة، وهذا يحتاج إلى رضى القوى السياسية الحاكمة، وليس هناك من توجه سياسي على هذا الصعيد حتى اللحظة، بما يبقي التحقيق ضمن البازار السياسي الخاضع للصفقات السياسية. أما اذا كان المطلوب فقط تحقيقا دوليا وليس محكمة دولية فهذا ايضا بحاجة الى قرار من مجلس الوزراء وتنسيق كامل مع القضاء اللبناني، وهذا لا يلغي اي احتمال لعرقلة التحقيقات لنفس الاسباب التي تستخدم لعرقلتها اليوم”.

وفق ما تقدم، يبدو أن مسار أي تحقيق دولي لن يكون سهلاً أو قريباً، فإما يجب مواصلة الضغط على القضاء اللبناني لإنجاز التحقيق بشكل كامل، أو طلب السلطات اللبنانية من الأمم المتحدة تعاوناً وثيقاً تقنياً وقانونياً لتبيان حقيقة ما حصل بالتعاون بين السلطات اللبنانية والسلطات الأممية.​

المصدر:
النهار

خبر عاجل