في دير المخلص تبلغنا استشهاد الشيخ بشير

كتب الياس دعبول في “المسيرة” – العدد 1713

على جبهة الشمال طلاب وعمال وعسكر

في دير المخلص تبلغنا استشهاد الشيخ بشير

 

عندما كان «الحكيم» قائداً للجبهة الشمالية الممتدة من المدفون بحراً – الدوق – حلتا – حردين – حريصا – تنورين انتهاءً بجرود العاقورة جبلا كان مقر قيادته في دير القطارة في ميفوق. كنت في حينه على تلك الجبهة»  قائد محور حلتا – بساتين العصي – دير بلا – شناطة – بيت كساب مفصولاً من إقليم عكار الذي كان يترأسه، الرفيق رؤوف عطية وينوب عنه عبود منصور المعروف بالعنيد، أما مفوض القوى النظامية فكان الرفيق الشهيد حنا سعد الذي كان رفيقي وأستاذي عندما كنت تلميذاً في ثانوية حلبا – عكار، وكان يتميّز بتواضعه والتزامه عقائديًا وجرأته في قول الحقيقة مهما كانت صعبة. وهذا ما يفسر أسباب تعرضه لمؤامرات عدة بهدف إزاحته من منصبه. لم أره يوماً إلا بالبزة العسكرية متنقلا على خطوط التماس، غير آبه بالموت، مارداً مقداماً وقد انتقل الى المجلس الحربي في كانون الثاني من العام 1982. فأبيت أن أكمل كنائب لمفوض إقليم عكار وتوجهت الى ثكنة القطارة. في تلك الأثناء تولينا مهام تدريب ما عُرف في حينه بالإلزامي بالاتفاق مع قائد الجيش آنذاك الجنرال الراحل ابراهيم طنوس وذلك يومي السبت والأحد من كل أسبوع في ثانويات تنورين والعائلة المقدسة وجبيل.

قلت للحكيم إنني أرغب في التفرّغ كلياً بمكتب التدريب، فأتى الرد إيجاباً. وبعد أسبوع أنشأ الحكيم مكتباً للتدريب في دير ميفوق وأرسل في طلبي وعرّفني الى فرانسوا المعراوي قائلا «سوف يكون فرنسوا رئيساً للمكتب وتتعاونون معه أنت وبولس العنداري وغسان منسى وموريس حبشي وايوب برق وقزحيا العلم وجوزيف صقر»… شارحاً لنا أننا سوف نطوّر «مشروع الإلزامي» إضافة الى دورة التدريب كل سبت وأحد، وفي نهاية الدورة التي تتزامن مع انتهاء العام الدراسي تتشكل مجموعات على شكل فصائل تخدم لمدة شهر على الجبهة الشمالية بدءاً من منطقة المدفون بحراً مروراً بصغار والدوق وحلتا ودير بلا وحريصا تنورين وجرود العاقورة.

لاحقاً تم استحداث معهد للتدريب في مهنية دوما مخصص لتخريج احتياط الأقسام التابعة لمجلس أقاليم الشمال الذي كان يترأسه الشيخ يوسف الضاهر، وكان من ينال نتائج جيدة عند تخريج كل دورة يخضع لدورة آمر حضيرة مدّتها شهر واحد تنتهي باختيار المتفوقين ليخضعوا بعدها لدورة آمر فصيلة مدتها 3 أشهر، ومع نهاية صيف العام 1982 وصل عدد الخريجين الى نحو مئة آمر فصيلة من احتياط الأقسام والمهنيين والثانويين.

واللافت أن الحكيم كان يسخو على مطبخ تلك المعاهد حتى أن ضباطاً من الجيش اللبناني كانوا يشاركوننا الطعام في مطعم المعهد في دير ميفوق في غالبية الاحيان، وكانت الدروس القتالية النظرية تبدأ فجرًا لتنتهي عند الساعة الثالثة من بعد الظهر، ويتخللها وجبة إفطار وغداء لتبدأ بعدها الدروس التطبيقية في فنون قتال الرهط والحضيرة والفصيلة التي كانت تتم في رام وميفوق. اما التدريب على قتال الخنادق فكان يتم في منطقة مسرح الدوق، وقتال الشوارع في بيروت وتحديدًا محيط منطقة الفنادق كالريجينت أوتيل. وكانت تتخلل كل دورة محاضرات تثقيفية شاملة تتناول مواضيع سياسية وجيوسياسية وتاريخ الاضطهاد وعلم النفس العسكري. وكان بعض رجال الدين يشارك في إعطاء المحاضرات وننهي الدورة بقداس احتفالي.

لم ينحصر السخاء في مطعم كل معهد أو مخيم بل كان يشمل تطبيق الدروس القتالية وكمية الذخائر المستعملة، بحيث يقدر عدد الرصاص الحي لكل متدرب في نهاية الدورة بنحو 500 طلقة بالبندقية الفردية من نوع «كلاشينكوف» و«M16» وحوالى 200 طلقة بالأسلحة المتوسطة من نوع «ماغ» و»بي كاسي» ورمي الرمانات اليدوية منها والهجومية بالإضافة الى الرماية بالأسلحة الصاروخية المحمولة من نوع «B7» و «B2» وبالرشاشات الثقيلة والمضادات. وهذا ما أثار إعجابي لأنني قارنته بدورة الأغرار التي خضعت لها في الجيش اللبناني، حيث لم يتجاوز عدد الطلقات بالبندقية الفردية العشر، ونحو 20 طلقة بالسلاح المتوسط من نوع «ماغ» وذلك في دروس الرماية فقط.

في صيف العام 1979 ارتفع عدد المنتسبين الى دورات التدريب ولم يعد معهد التدريب في مهنية دوما قادرًا على استيعابها. من هنا كانت فكرة إنشاء مخيمات في منطقة اللقلوق لاستيعاب الفائض. وتخرّج في ذلك العام أكثر من 900 مقاتل على ثلاث دورات جمعت كل منها ثلاث سرايا بمعدل 110 عناصر. وكما في دوما كذلك في مخيمات اللقلوق. وكالعادة كانت تنتهي كل دورة بتسمية المؤهلين لدورة آمر فصيلة وآمر حضيرة والالتحاق بسلاح المدفعية والمدرعات.

في 23 آب من العام 1982 انتخب الشيخ بشير الجميل رئيسا للجمهورية وفي الأول من أيلول أرسل الحكيم بطلبنا: الياس تامر وخازن الخازن وفهد سعادة وإميل النبّوت وآخرين وأنا، وأبلغنا أمرًا بضرورة الالتحاق بدير المخلص قرب بلدة جون في إقليم الخروب بهدف الخضوع لدورة آمر سرية وكان آمر الدورة آنذاك الرفيق جورج قزي فوضع بتصرفنا آلية من نوع تويوتا يقودها الرفيق ضومط القبوط بغية تلبية طلباتنا. وصلنا الى المكان المقصود لنلتقي رفاقا لنا من كافة المناطق اللبنانية. وكان عديد تلك الدورة يناهز المئة. وكان معنا بولس خليل الملقب بـ»البطل» كان معروفاً بسبب إطلالاته في برامج المصارعة الحرة التي كانت تعرض على شاشة «تلفزيون لبنان».

كان مضى على خضوعنا لتلك الدورة ثلاثة أسابيع في جون عندما تعرضت أثناء القيام بوثبة من مرتفع يقارب المترين، الى كسر بسيط في رجلي اليسرى فلم أعد أقوى على السير وكان علينا للعودة الى مقر التدريب أن نجتاز مسافة 3 كلم على طريق ترابية ضيقة ووعرة فما كان من «البطل» إلا أن حملني على كتفه بالإضافة الى جعبته وبندقيته وجعبتي وبندقيتي. كان ذلك ليل 14 أيلول وكانت عقارب الساعة تقارب العاشرة ليلاً فدخل كل مهجعه وبعد خروجي من المستوصف الطبي التابع لمعهد التدريب تولى الطبيب المناوب «تجبير» قدمي وحاولت أن أنام على رغم الألم.

فجأة سمعت «زمور المصيبة» الذي كان يوقظنا قبيل بزوع الفجر. لكنه أطلق في منتصف الليل مما يعني أن مصيبة حصلت. قلت «الله يستر مدري شو في». تجمّعنا في ساحة العلم لنتبلغ الخبر المشؤوم من الرفيق آمر الدورة: «العوض بسلامتكم إستشهد الشيخ بشير».

وطلب منا الحضور على عجل بكامل عتادنا للعودة الى بيروت. لن أنسى ذاك اليوم المشؤوم بدلالاته البشرية، والمبارك بمعانيه الإلهية لأنه كان يصادف عيد إرتفاع الصليب. فتولّد لدي شعور أشبه بشعور مهندس استطاع بناء مبنى بعدة طبقات على مدى ثمانية أعوام (1975 – 1983)، ولم يعد ينقص ذلك البناء سوى وضع اللمسات الأخيرة فكانت عملية الاغتيال التي هدمت ذلك الإنجاز على رأسي.

عدنا أدراجنا بواسطة رتل من الآليات من نوع ريو وتويوتا وكان يشرف على تلك الآليات الرفيق مروان فياض من بلدة بزبينا – عكار. كنا نعيش تحت وقع الصدمة وخائبين، والمشهد داخل الآليات يؤكد على ذلك: رؤوس مسنودة الى البنادق وصمت مطبق.

إستلزم الوصول الى المجلس الحربي في الكرنتينا قرابة الساعتين ولكنني أحسست بها دهراً لا ينقطع. بعد وصولنا انطلقت كل مجموعة الى مقر قيادتها. وصلنا الى ثكنة القطارة لنلتقي الحكيم وكانت علامات التأثر تظهر على وجهه كما على وجوه كل الشباب. تبادلنا التعازي وطلب منا الحكيم الإنتظار ريثما يتم الإنتهاء من مراسم تشييع القائد الشهيد.

إلتحقنا بمجمَّع اللقلوق لنشرف على تخريج ثمانية كتائب قتالية على مدى ثلاثة أشهر. وحملت عدة أسماء منها: كتيبة الجامعيين – الثانويين – المهنيين -كتيبة دير الاحمر – كتيبة عكار – كتيبة بشري – كتيبة الكورة زغرتا وكتيبة طرابلس الضينة. وكان عديد كل كتيبة يراوح بين 350 و400 عنصر، بالإضافة الى كتيبة العمال. وكان الحكيم قد اتفق مع أصحاب المؤسسات والمعامل التي كانت ضمن منطقة قيادته على أن يشارك العمال في الخدمة العسكرية من دون حرمانهم من رواتبهم وحقهم في العودة الى عملهم، وكان على كل دورة  بعد تخرجها أن تخدم على الجبهة الشمالية لمدة أسبوع. ولن أنسى يوم تفقدت إحدى تلك المجموعات في قصر حردين وكان هذا المركز مزودًا بمنظار كبير تابع للاستطلاع الميداني. استعملته لأرى خليج عكار وكان الشوق والحنين ينهشان عواطفي تجاه بلدتي التي غيّبت عنها قسرا في 31 كانون الاول من العام 1979. وتساءلت: «متى سيأتي اليوم الذي نعود فيه الى بلداتنا وبيوتنا»؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل