على صخرة بكركي تتحطَّم كل “المذكرات التآمرية”

لا يغيب عن ملاحظة أي مراقب أن ما أقدم عليه رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل بإرساله مذكّرة إلى البابا فرنسيس، رافضاً الكشف عن مضمونها، تأتي بعد تعاظم جبهة المؤيدين لمواقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وانتقاداته اللاذعة للمسؤولين في الدولة على أعلى المستويات، ودعواته إلى ضرورة طرح القضية اللبنانية في مؤتمر دولي خاص برعاية الأمم المتحدة، مهمته تثبيت لبنان ووحدة الكيان ونظام الحياد، وتوفير ضمانات دائمة للوجود اللبناني تمنع التعدّي عليه والمسّ بشرعيته، ونزع التدخلات الخارجية.

من الواضح أن باسيل يعاني من أزمة عميقة بعد الفشل الذريع الذي مُني به عهد رئيس الجمهورية ميشال عون، إلى حدِّ الانهيار الشامل، ما وضع مستقبله السياسي في خطر جديّ. وهذا ما يدفعه إلى توسُّل كل الوسائل من مثيل استحضار العصب الطائفي، لمحاولة الحفاظ على ما تبقى من حضور هشٍّ وشعبية متراجعة بشكل دراماتيكي.

ولعل أفضل من يبيِّن زيف ادعاءات باسيل بالدفاع عن حقوق المسيحيين، هو باسيل نفسه. فأي مصداقية لمن يستميت في التصدي لطروحات المرجعية المسيحية الأولى والأكبر في هذا الشرق، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة، من أجل إنقاذ لبنان من الانهيار والزوال؟ وهل من ينفِّذ مناورة التفافية ممجوجة على البطريرك الراعي يمكن وضعه في خانة المدافعين عن اللبنانيين عامة والمسيحيين خاصة أم في صفِّ أعداء لبنان؟

والأفظع أن التبريرات التي سارع إليها “التيار” بعد انكشاف أمر المذكرة، فضلاً عن أنها ليست سوى محاولة استلحاقية يائسة بعد موجة الغضب الشعبي والشجب العارم لمحاولة الالتفاف على البطريرك الراعي ومساعيه لعقد المؤتمر الدولي لإنقاذ لبنان وتثبيت الكيان، أتت لتؤكد وقوف “التيار” في مواجهة البطريرك ووضع المؤتمر في خانة التدخل الأجنبي، كما ورد على لسان أحد ناقلي المذكرة إلى السفارة البابوية النائب سيزار أبي خليل.

لكن مهما ناور المناورون والتفَّ الملتفّون، يبقى الأكيد أن على صخرة بكركي، ضمير لبنان وحارسة التاريخ والكيان وقلعة المقاومة الأمينة على إرث الأجداد المناضلين في سبيل لبنان الحرية والكرامة، تتحطم كل “المذكرات التآمرية”. هذه حقائق التاريخ الدامغة لمن يحسن القراءة.

مصادر كنسية رفيعة المستوى، تؤكد، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “كل ما يحصل اليوم مع البطريرك الراعي من مذكرات ومحاولات مع الفاتيكان وغيره، هو جزء لا يتجزأ ونسخة مكرّرة طبق الأصل عمّا كان يحصل مع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك الاستقلال الثاني، إبّان الاحتلال السوري للبنان”.

وتشير، إلى أن “هذه الممارسات لم تتوقف، والسعي الذي كان في زمن الاحتلال السوري باتجاه تصوير مواقف البطريرك صفير في مواجهته على غير حقيقتها، وأنها تساهم في أخذ لبنان إلى حرب في حال استمر عليها، وكل الحملات التي شُنَّت عليه وكان يقودها جسم معروف قريب من النظام السوري آنذاك، هي ذاتها اليوم مستمرة ضد البطريرك الراعي بالجسم نفسه، وبلاعبين جدد أُضيفوا إليه، لأن مواقف بكركي تزعج طبعاً هذا المحور، الذي يسمَّى محور الممانعة على مستوى المنطقة”.

وتشدد المصادر ذاتها، على أن “البطريرك صفير أثبت من خلال عمله ونضاله أنه تمكن من إخراج الجيش السوري من لبنان. بالتالي، يرى المحور ذاته في مواقف البطريرك الماروني خطورة كبرى، وبدأ يحرّك اتصالاته واستعمال قنواته”، لافتة إلى أن “هذا المحور يستخدم اليوم، بين مزدوجين، فريقاً يعتبر نفسه تمثيلياً عند المسيحيين، من أجل إقناع الفاتيكان بخطورة مواقف الراعي وأنها تؤدي إلى الحرب، التي هدَّد بها الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، وأنه لذلك لا يجب الذهاب إلى مؤتمر دولي وطرح مسألة الحياد”.

وترى أن “هناك من يريد إلهاء البطريرك الراعي فاتيكانياً من خلال مواقف من هذا القبيل، من أجل فرملة اندفاعته وتوجهاته الوطنية وسعيه باتجاه قيام المؤتمر الدولي”، معتبرة أن “هذه المحاولات لم تتوقف سابقاً ولن تتوقف اليوم، والأساس فيها نقطتان:

ـ الأولى، أن البطريركية المارونية لم تتراجع سابقاً ولن تتراجع اليوم. لأن كل ما يتعلق بثوابت الكنيسة التاريخية والثوابت الوطنية اللبنانية التي تحملها بكركي، تحملها بوجدانها وعقلها دفاعاً عن وطن ساهمت في تأسيسه ونشأته طوال مئات السنين من التضحيات، وطن مثال ونموذج للعيش المشترك بسيادته وحريته وانفتاحه ودوره.

ـ والثانية، أن الفاتيكان لا يقفل أبوابه في وجه أحد طبعاً، لكنه لا يأخذ بوجهات نظر هذه الجهة أو تلك، إن كانت ممثِّلة أم غير ممثِّلة للمسيحيين”.

وتؤكد المصادر الكنسية الرفيعة المستوى، أن “الفاتيكان يدرك أن البطريركية المارونية تعكس بصدق تطلعات اللبنانيين، وتجسِّد حقيقةً آمالهم بوطن حر وسيّد ومستقل. بالتالي، الفاتيكان متفهِّم تماماً لخطوات البطريرك الماروني. بل أكثر، هو يتكامل مع البطريرك الراعي، بدليل أن البابا فرنسيس عندما استقبل السفراء المعتمدين في الفاتيكان أخيراً خصَّ لبنان بأطول وقت في رسالته أمامهم، وقال بشكل واضح إنه لا يجوز أن تستمر هذه الأزمة، ونحن معنيون بالمسألة اللبنانية، وبشكل أساسي بسيادة لبنان واستقلاله وقراره الحر”.

وانطلاقاً من كل هذه الثوابت والحقائق التاريخية، تشير المصادر نفسها، إلى أن “البطريرك الراعي لا يتكلم باسم فئة من اللبنانيين إنما باسم جميع اللبنانيين. فالراعي يتكلم عن شرعية دولية في هذا السياق، وعن أسس ومبادئ وثوابت تخصّ كل مواطن لبناني يريد أن يستعيد حياته الطبيعية في دولة طبيعية، بعيداً عن هذا الفشل والكارثة القائمة”.

وتجدد التأكيد، على أن “ما يحصل اليوم من محاولات تأتي استكمالاً لسابقاتها التي بدأت مع البطريرك صفير وتُستكمل مع البطريرك الراعي، لأن هذا المحور يدرك أهمية ومحورية دور البطريركية المارونية وتأثيرها في عواصم القرار، وتحديداً على مستوى الفاتيكان. بالتالي هناك محاولة التفافية، ستسقط كما سقطت في زمن البطريرك صفير سابقاً”.

وتعتبر، أن “هذا المطلوب ربما من التيار الوطني الحر، وهو يقوم به تحت الطلب، انطلاقاً أولاً من قناعته، وثانياً من تحالفه مع حزب الله. فالتيار يؤدي دوره لجهة أن الحزب يمنحه سلطة، فيما هو يمنح الغطاء للحزب. وهذا جزء من دور التيار كغطاء لحزب الله، بأن يمنع أي محاولة لتغيير الواقع القائم في لبنان باتجاه دولة سيّدة وحرة ومستقلة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل