وأعلنت بكركي الثورة

 

تحدّوا كل شيء وصعدوا الى بكركي. لوهلة شعرت ان البطرك صفير هون خلف الستارة، سيطل علينا من الشرفة ليخبرنا انه “بين العيش المشترك والحرية نختار الحرية”، الى هذه الدرجة اختلطت التواريخ وعاد مشهد الكرامة ذاك ليتكرر من نفس المكان، من زمن الاحتلال السوري، الى بؤس زمن الفساد والاحتلال الايراني. ذهبنا يومذاك لدعم البطريرك في الهجمة الشرسة عليه، ومطالبين بالاستقلال والسيادة، وها نحن من جديد نصعد الى بكركي لنطالب بالسيادة ولدعم البطريرك.

تقاطرت الوفود وامتلات الساحة بسرعة. “افف حمدلله شو كتار” تنفستُ الصعداء، لم تكن الكمامة هي عائق التواصل، ولا كورونا الوباء تمكن من أسر شجاعة الموقف، “بدنا نطلع ع بكركي يعني بدنا نطلع”، قال احد الشبان، وصعدوا. كانت الطرقات محفوفة بالوطن، لبنان كان فوق محفوفاً بالخوف عليه وبذاك الحب الجامح لتلك الارض المشتاقة لنفسها، لعزها، لكرامتها، لسيادتها. وباء الذل اخطر من كورونا. وباء العمالة وحش تفوّق على ذاته وعلى الوباء نفسه، وبدأ يفتك بوطن بكامله. كان يجب ان تمتلأ الساحة فوق ليرانا البطرك الراعي وليلمس الدعم المباشر لمواقفه الوطنية الكبيرة.

وقف البطريرك الى الشرفة يراقب الحشود وهي تملأ الساحة الفسيحة، ابتسم بسمة عريضة وعيناه تلمعان لمعة الرضى تلك، وذاك الامتنان للرب وللشعب وللارض، بان ثمة من هم في لبنان ل يزالون احرارا شجعان، شعب لبنان لم يعتد الذل، شعب لبنان حر كريم يحب ارضه، لم يسأل سيدنا ولا الحشود ما اذا كان هذا مسيحي وذاك مسلم، دين هؤلاء وطنهم، ربهم حرية ارضهم، كنيستهم جامعهم حرية لبنان وسيادته وتحرره من كل اشكال العبودية للغريب المحتل.

“حزب الله ارهابي”، صرخت الحشود بصوت عال مجرّح بالغضب وايضا الامل. للمرة الاولى منذ وقت طوووويل كانت الصرخات والهتافات فيها الكثير من الامل، كأنها شمس جديدة اشرقت فوق، شمس وان كان يتخللها الكثير بعد من العواصف الهوجاء الاتية علينا، لكنها شمس ستاخذ لبنان حتما الى ربيعه. هكذا حصل في معركة الاستقلال الثاني مع البطرك صفير، وهذا ما سيحصل الان مع الراعي رغم الخطر الاكبر الداهم، “وشو عليه المهم ننطلق من مطرح وما في اهم من بكركي لنعلن ثورة الاستقلال”، قالت الصبية وهي تحمل علم بلادها وعيونها تتراقص عنفوانا.

وقف البطريرك الى الشرفة، من خلفه صور البطاركة الموارنة، وسيدة لبنان تسترق النظر والسمع الى تلك المشهدية، وقف وجال بنظره، ابتسم بسعادة “مجيئكم اليوم من كل المناطق يجدد الأمل ويطرد الإحباط، مجيئكم يؤكد أن ما من حق يموت ووراءه مواطن ومواطنة ومطالب ومناضل”، قال لهم. وجنت الساحة بالتصفيق.

كل كلمة قالها فيها مشروع وطن. كل اقتراح طرحه هو حكاية خلاص وطن. كل صرخة نادى بها هي صرخة وطن. “انني أفهم غضبكم وثورتكم وانتفاضتكم، لا تسكتوا عن تعدد الولاءات ولا تسكتوا عن الفساد ولا تسكتوا عن سلب أموالكم ولا عن الحدود السائبة أوعن خرق أجوائنا، ولا تسكتوا عن فشل الطبقة السياسية، لا تسكتوا عن الخيارات الخاطئة والانحياز، لا تسكتوا عن فوضى التحقيق في جريمة انفجار المرفأ ولا عن تسيس القضاء ولا عن السلاح غير الشرعي وغير اللبناني ولا تسكتوا عن سجن الأبرياء وإطلاق المذنبين ولا عن التوطين الفلسطيني ودمج النازحين، لا تسكتوا عن مصادرة القرار اللبناني”.

اي كلام اقوى بعد من بطريرك الى رعيته ومواطنيه؟ اي كلام بعد اجمل من ذاك الذي حُيِكت معانيه من آلام الشعب ومعاناته؟ اي كلام بعد اجمل من ذاك الذي صيغت حروفه من وجع الكرامة حين يعربش على حفافيها الذل ليخنق جذورها، ولا تبدأ بفك اغلالها الا عند انطلاقة اول شرارة للثورة، ولا بدايات الا بالكلام اولا ثم الساحات؟!

جُنت الساحة بحاضريها، وقع الخطاب على الجرح تماما، توجّع الحاضرون لكنه الم من الم الخلاص، من تباشير قيامة ما، ما كان ممكنا ان تنطلق ما لم نلتقِ جميعا في تلك الساحة، ومن صرخة بطريرك ماروني لكنه لكل الطوائف لكل لبنان.

“شايف وجّك خيي حدّ البطرك”، قال دافيد ملاحي اخ الشهيد رالف. كانوا هم ايضا فوق، بعض من اهالي ضحايا المرفأ، وكان الشهداء كلهم فوق يسمعون يحرسون يصفقون، يريدون ان يسمعوا اكثر بعد من يحكي عنهم. بكركي ايضا تصرخ لاجلهم، لاجل عدالة الارض، للتحقيق الدولي بقضيتهم، لم تغفل بكركي نقطة وجع واحدة الا وعبرت عليها بلسما وصراخا، “ما ضاع حق وراءه مطالب” قالت بكركي لابنائها.

لم اكن اظن اني ساعيش يوما لاشهد على ما نشهده اليوم في لبنان. كنا نظن ان الاستقلال الثاني بداية عودة لبنان، واذ بنا نعود الى بكركي لنطالب بالاستقلال الثالث، وها هي بكركي تتوج بطريركا جديدا من بطاركها بطلا من ابطال الاستقلال. نزل المساء، تركوا الساحة وعلقت اصواتهم على جدران الساحة ونسيمها وكنيستها الصغيرة العابقة ببخور مريم. نزل المساء، تركوا الساحة، دخل البطريرك الى الكنيسة وهم كلهم معه. خي شو حلو، هو ليس بطريركا وحيدا، رعيته معه، شعبه معه، الله معه فمن عليه اذاً؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل