
بكركي هي زيارةٌ الهيةٌ لِطمأنةِ النفس، وصياغةِ الخيرِ المُطلقِ لكرامةِ لبنان، ونشرِ بهاءِ الحقِّ للتَحرُّرِ من أَرجاسِ البرابرة. هي الشّعاعُ الأَضوَأُ للمُتنَعِّمينَ بنورِ السماء، تنسج خَيطاً وطنيّاً أَلوانُهُ لا يَحصرُها عَدٌّ، ما يُقيمُ الصلةَ مع النعمة، وهي أَعَزُّ رابطٍ بمُعجمِ السّيادةِ التي هي ملحُ قيمةِ الوطن. وهذا، بالذات، هو مَفهومُ بكركي المَرجع، وقد تَمَظهرَ، جَلِيّاً في المبادرةِ التي أَطلَقَها البطريركُ الرّاعي، بالأمسِ وقبلَه، لإعادةِ إِعمارِ وجودِ لبنان.
إنّ عصرَ الانحطاطِ الجديدَ يَحفلُ بأحداثٍ لا بدَّ من التوقفِ عندَ بعضِها، لأخذِ العبرةِ، أو للتَّصويب. ومن جُملةِ هذه الأحداثِ قَولُ بعضِهم إنَه يتشاركُ مع البطريركِ الهواجسَ التي أدّت الى تفسيخِ الكيانِ، والى تعميقِ الشُّروخِ في النّسيجِ الوطنيّ. وفي هذا القولِ مُفارقتان: أمّا المفارقةُ الأولى فَفي الكلامِ على المشاركةِ في الحسِّ بالهواجس، ما يعني أنّ المُندفِعَ للتَّشارُكِ يُعطي نفسَهُ صفةَ الغَيورِ على سلامةِ الوطنِ والمواطن، كما البطريرك بالذات.
إنّ حقيقةَ هذا الموقفِ الزّائِفِ، جليّةٌ واضحة، وهي التلطّي بجبَّةِ بكركي لإلهاءِ النّاسِ عَمّا يقومُ بهِ هذا “المُتَشارِكُ ” ومَن خلفَه، من تسطيحِ رِقابِ النّاسِ تحتَ مَقاصلِ الجُوع، ونِصالِ الفقرِ والعَوَز، وخناجرِ الإفلاس… والمفارقةُ الثانيةُ تبدو في إبرازِ الخبرةِ التَراكميّةِ لدى ” المُتَشارِكِ “، بهمومِ الناسِ وقَلَقِهم، خصوصاً في ما خصَّ المسألةَ الوجوديّةَ، ومصيرَ الكيان. وكأنّه يُطلِقُ تحذيراتٍ مُتَفَرقِعَةٍ، مَفادُها أَنْ لا جوازَ، بعدُ، للغيبوبةِ أو لتَرحيلِ الحُلولِ الخَلاصيّةِ الى زمنٍ آخر. ونسألُ “المُتَشارِكَ” المُتَذاكي، الذي ننصحُهُ بترميمِ آليّاتِ عطَشِهِ الى الكرامة، أينَ المُجَزاتُ غيرُ الإعتياديّةِ التي بادَرتَ إليها للتصدّي لِما اعتبرَه البطريركُ هواجسَ عندَ الناس؟ أينَ القراراتُ اللّافتةُ التي تقدّمتَ بها، والتي تجاوزَت الإستعاداتِ المَمجوجةَ التي لا تبرهنُ إلّا على تَفَرُّسِ الكَذبِ في قرائحَ مريضةٍ سوداء؟ أينَ دعوتُكَ الى التّلاقي بدلاً من تفانيكَ في التّحريضِ لِغَرزِ الخُطَطِ التّفكيكيّةِ التي تَؤولُ الى المزيدِ من التشظّي في جسمِ الوطن؟ أينَ رفضُكَ لقَبولِ صيغةٍ مُغايِرةٍ تقضي على ديمقراطيّةِ لبنان، وعلى وجودِهِ الكِيانيِّ، وكأنّكَ، بانسياقِكَ الموصوف، تودِّعُ النموذجَ الوطنيَّ وكأنّه مجرَّدُ خُرافة؟
وفي الصَّدَدِ ذاتِه، أيضاً، ما انبرى الى تَكرارِه، أحدُهم، من أنّ الدّعوةَ الى الحَيادِ، والى ضرورةِ الإسراعِ الى عَقدِ مؤتمرٍ برعايةٍ أُمَميّةٍ لإنقاذِ لبنان، هي عَمالةٌ للعدوّ، وهَدرٌ للسيادة، وهي دعوةٌ مرفوضةٌ ويجبُ التصدّي لها بِما “أُوتينا” من إمكانيّات. وفي هذا القَولِ، أيضاً، مفارقتان، تُفيدُ أولاهما أنّ “المُنبَري” لم يستمعْ، بأُذنيهِ، الى ما قالَه البطريركُ في مسألةِ الحيادِ وفي موضوعِ المؤتمرِ الدّوليّ. وعلينا، هنا، أن نقتحمَ ذاكرةَ “المُنبَري”، أو لَواقطَ استيعابِهِ، لنشرحَ مفهومَ الحيادِ، والهدفَ من المؤتمرِ الكَونيّ، ببساطةٍ وخلاصةٍ مفيدة، فالحَيادُ، يا صديقَنا، هو عدمُ التحيّزِ، وهو النّأيُ عن الصراعاتِ والخلافاتِ بين المَحاوِر، تجنيباً للوطنِ كوارثَ وسلبيّاتٍ تُفقِدُهُ أمنَه، وسلامةَ بَنيهِ، وضمانةَ مستقبلِ أجيالِه. أمّا تَحويلُ لبنانَ الى ساحةٍ في المواجهاتِ، وانزلاقُهُ في حدّةِ الحروبِ بين الأَطراف، فبإمكانِهما أن يزعزعا الكيانَ، ويُزيلا تَحصينَ الوطنِ، ويُراكما المزيدَ من الخسائرِ في الحجرِ والبشر. أمّا الدّعوةُ الى مؤتمرٍ لإنقاذِ ما يمكنُ إنقاذُه، بعدَ التعدّي السّافرِ على الدولةِ أرضاً، وشَعباً، ونظاماً…من بَلَديّينَ وخَوارجَ، تعرفُهم، فليسَت إلّا آخرَ حِراكٍ وطنيٍّ مَأمولٍ لاستعادةِ الوطنِ المَنشولِ من الذينَ يَسبونَ كيانَه وهويّتَه، ويهدمونَ مكوّناتِه، ويسحقونَ وجودَه. والدّعوةُ البطريركيةُ، في هذه المسألةِ الدقيقة، خطوةٌ مشروعةٌ، ووطنيّةٌ بامتياز.
أمّا المفارقةُ الثانيةٌ، فهي جهوزيّةُ التّهمةِ بالخيانةِ، والعَمالةِ، لأنّ الحَيادَ يضَربُ مفهومَ السيادةِ. فاستناداً الى الواقعِ المعيوش، هل يمكنُكَ، ايّها “المُنبَري” أن تحدّدَ، بالإسم، مَن يُقيمُ وزناً لمفهومِ السيادةِ التي لم يَعُدْ في وريدِها دَمٌّ، لكثرةِ النَّحر؟ أمّا الاتهامُ غيرُ المُبَرَّرِ بالعمالةِ، فهو صدىً ينزفُ حقداً، وحِكمٌ جاهزٌ بِهَدرِ الدَمِّ لِمَن يرفضونَ الخُنوعَ والقَهرَ والإِخضاعَ والإجبار، وينادونَ بالحريّةِ وحمايةِ لبنان، وصَونِ كرامتِهِ وسيادتِه.
فيا أيّها “المتَشارِكُ” و”المُنبري”، ومَنْ بَعدَكُما، فبالرَّغمِ من التَجَنّي، لم يَحِدِ البطريركُ عن إيمانِهِ بالديمقراطيةِ التي تُتيحُ للجميعِ أن يُبدوا رأيَهم، بحريّةٍ، في ما يتعلَّقُ بِمواقفِهِ وتَوجُّهاتِه، وبالتالي، لم نسمعْ أيَّ ردٍّ، من جانبِهِ، أو من دوائرِ بكركي، عليكم وعلى الذين تَعاطَوا في حيثيّاتِ مواقفِ الصَّرحِ وسيّدِه، هجوماُ، وانتقاداً، عن غيرِ وجهِ حَقّ. وهذا يَعني أنَّ البطريركَ هو من عجينةِ المُمَيَّزين، أو هو كَما العناصرُ الأربعةُ الأزليةُ التي لا تُدانيها في القيمةِ تلكَ العناصرُ الثانويةُ الباهِتةُ التي تفتقدُ للأُصولِ واللَّياقةِ والاتّزان.
إنّ بكركي، بتوجُّهِها الوطنيِّ الدائم، سوفَ تبقى رمزاً للنّضالِ من أجلِ لبنانَ، ودولتِهِ، وسيادتِهِ، ووجودِهِ الكيانيِّ المُتمايز، مستعينةً بالفيضِ الإلَهي الذي يجعلُها، وحدَه، تَعصى على أسلاكِ الموتِ، وعلى أفاعي جهنَّم.
