الحزب والتيار.. المراجعة إعلامية والتحالف استراتيجي

 

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1714

أتى الكلام عن مراجعة التفاهم بين «حزب الله» و»التيار الوطني الحر» من خارج سياق اللحظة السياسية التي يشكل فيها الإنهيار المالي الشغل الشاغل للبنانيين، فلم يحظى بالإهتمام الذي كان سعى إليه التيار تحديدًا من أجل توجيه رسائل عديدة في أكثر من اتجاه.

 

الرسالة الأولى التي أراد رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل توجيهها كانت إلى واشنطن بسبب رفعها العقوبات في وجهه، ظناً منه أن انتقاده «حزب الله» ودعوته إلى مراجعة تفاهم «مار مخايل» يدفعها إلى إعادة النظر بالعقوبات تمهيدًا لرفعها.

الرسالة الثانية إلى الدول الخليجية وتحديدًا السعودية بأنه غير موافق على دور الحزب الخارجي، الذي شكل محور إعتراض المملكة، وأن علاقته به تنحصر في الشق المتعلق بمواجهة إسرائيل، فيتبرأ من دور الحزب الذي أزعج الرياض وينأى بنفسه عن تداعياته.

الرسالة الثالثة إلى المجتمع الدولي فحواها أنه قوة إصلاحية من منطلق أن الغرب يتأثّر بالإصلاح، وأن عدم تحقيق الإصلاحات المطلوبة يتحمله الحزب الذي لم يدعمه في هذه المواجهة.

فوجهة رسائل باسيل هي الخارج لا الداخل الذي لا يكترث له لسببين: السبب الأوّل إرتكازه على واقع تمثيله، والسبب الثاني إستناده إلى حليفه «حزب الله»، وبالتالي ينحصر كل همه في كيفية إعادة تلميع صورته الخارجيّة على أبواب الإنتخابات الرئاسيّة، تجنبًا لأي فيتو دولي وأميركي، تحديدًا وسعودي بشكل أخص، لأنه يدرك، في حال عدم رفع هذه الفيتوات، إستحالة ليس فقط إجتيازه عتبة القصر الجمهوري، إنما إستحالة أن يكون في عداد السبق الرئاسي باعتبار أن العقوبات تقطع عليه هذه الطريق، كما أن الموقف السعودي أساسي على هذا المستوى.

ويخطئ من يتوهّم أن رسائل باسيل إلى الخارج تتمّ من خلف ظهر «حزب الله» ومن دون التنسيق معه، حيث ان الحزب على إستعداد لمساعدته في كل ما يمكن أن يخدم الطرفين، ولا مانع لديه لو تمّت على حساب صورته لسببين: لأنه متأكِّد من شعبيته وشارعه، ولأنه لا يكترث أساسًا إلى صورته الخارجيّة، وبالتالي المهمّ بالنسبة إليه أن يتمكّن باسيل من أن يرفع عن نفسه العقوبات والفيتو الخارجي من أجل أن يبقى ضمن الأوراق الاستراتيجيّة التي بحاجة إليها الحزب.

ويخطئ من يراهن أيضًا على فك التحالف بين «حزب الله» و»التيار الوطني الحر» للأسباب الآتية:

أولا، على مستوى «التيار الوطني الحر»:

1- لم يتمكن التيار من تعزيز نفوذه السلطوي إلا بعد تفاهم «مار مخايل»، ورفع الحزب الفيتو الشيعي في حال تألفّت أي حكومة من دون الأخذ بمطالب التيار، وهذا ما حصل مثلاً في حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى بعد الانتخابات النيابية في العام 2009، ورفضه إشراك باسيل في الحكومة لأنه رسب في الإنتخابات، ولكنه إضطُر في نهاية المطاف إلى التراجع من أجل تشكيل الحكومة، لأن الحزب وقف إلى جانب حليفه رافضًا الدخول في الحكومة ما لم يدخل إليها باسيل قبله. فتحوّل الحزب إلى الداعم والسند للتيار في تأليف الحكومات من أجل أن ينتزع الحصة التي يريدها على مستوى عدد الوزراء ونوعية الحقائب.

2- لولا تمسُّك «حزب الله» بالعماد ميشال عون مرشحًا وحيدًا لرئاسة الجمهورية، وإدخال البلاد في فراغ طويل إمتد لأكثر من سنتين ونصف السنة، لما انتُخب عون رئيسًا للجمهورية.

3- يفتقد التيار إلى أي حليف داخلي باستثناء الحزب، بل أوجدت ممارسته وانقلابه على الإتفاقات التي أبرمها نوعًا من تقاطع بين القوى التي تلتقي ولا تلتقي مع بعضها سياسيًا، على استبعاده رئاسيًا، وبالتالي هو بأمس الحاجة لفيتو الحزب على المرشحين الرئاسيين الآخرين، ورافعته من أجل الدخول إلى القصر الجمهوري.

4- يتكئ باسيل على ثلاثية: شعبيته، تعطيل الفيتو الخارجي حياله، ووضع فيتو الحزب بتصرفه، والعنصر الأساس في هذه الثلاثية يبقى الحزب كقوة داخلية وحيدة قادرة على منع انتخاب غيره، وتفريغ موقع الرئاسة الأولى بما يخدم مصلحته، لأن شعبيته ـ المتراجعة أساسًا ـ غير مؤثرة في ظل وضعه المأزوم في علاقاته الخارجية والداخلية.

5- يفقد باسيل من دون «حزب الله» ليس فقط فرصته الرئاسية التي باتت مستحيلة، إنما يفقد قدرته على تفريغ الموقع الأوّل في الجمهورية، كما يفقد قدرته على استبعاد المرشح الذي يريد إستبعاده، ويفقد أيضًا قدرته على تفريغ الحكومات حتى ينال الحصة التي يريدها.

فلكلّ ما تقدّم من أسباب لا يمكن أن يفك باسيل إرتباطه بالحزب، وما نشهده من تمايز لا يخرج عن سياق إما الرسائل أو التمايز الشكلي أو الإعلامي.

ثانيًا، على مستوى «حزب الله»:

أـ تحالف الحزب مع التيار أدى إلى ترييحه، ولم يعد مضطرًا إلى التلويح بورقة الفيتو الشيعي التي يلجأ إليها إضطراريًا، فيما تحالفه مع التيار وفّر له في المرحلة الأولى الثلث المعطِّل، وفي المرحلة الثانية الأكثريّة النيابيّة، ومن دونه يخسر الأكثريّة والثلث وينكفئ إلى مربّع الفيتو الشيعي.

ب ـ تحالفه مع التيار وفّر له غطاءً مسيحيًا عابرًا للمناطق المسيحية، وهو بأمس الحاجة لتغطية دوره وسلاحه وبما يتجاوز بيئته، ويكون غطاؤه وازناً من حيث التمثيل، ويمنحه المشروعيّة لهذا الدور والسلاح في سياق مشروعه الهادف إلى تكريس شعبيًا ما عجز حتى اللحظة عن تكريسه دستوريًا.

ج ـ تكفي المقارنة بين تحالف الحزب مع سنّة المعارضة ومحدودية إستفادته من هذا التحالف سلطويًا، وبين تحالفه مع التيار الذي وفّر له الغطاء بدءًا من رئاسة الجمهورية، لأن للواقع السنّي تعقيداته الداخلية والخارجية، الأمر الذي يُبقي الحاجة للغطاء المسيحي.

دـ لا بديل عن تحالفه مع التيار الذي ما زال الأقوى مسيحيًا ضمن تحالف 8 آذار، والوحيد القادر أن يؤمن له الغطاء الشعبي، والثلث المعطل أو الأكثرية النيابية، ومن دونه يصبح مضطرًا إما إلى إقفال البرلمان على غرار ما حصل سابقاً، أو إستخدام سلاحه على طريقة 7 أيار، فيما تحالفه مع التيار يجنِّبه إعتماد خيارات من هذا النوع.

هـ- لن يفرِّط بتحالف يمنحه أكثريّة نيابيّة وغطاء مسيحي في الداخل ولدى الدياسبورا المؤيدة للتيار، كما يعتبر أن باسيل بعد العقوبات أصبح بشكل كامل في حارة حريك.

وـ تحالفه مع التيار لا يعني تفريطه بتحالفاته الأخرى، بدءًا من الرئيس نبيه بري، وصولاً إلى النائب السابق سليمان فرنجية، وما بينهما سنّة ودروز المعارضة، ولكنه يبدّي باسيل على غيره، ومن دون طبعًا أن يقطع مع الآخرين الذين بدورهم بحاجة إلى رافعة الحزب.

فلكل ما تقدّم من أسباب يرتقي التحالف بين «حزب الله» و»التيار الوطني الحر» إلى مصاف التحالف الاستراتيجي في ظل مصلحة متبادلة بينهما، فالتيار بحاجة إلى دعم الحزب تعزيزًا لدوره السلطوي، ومن دونه يفقد هذا الدور والهدف، والحزب بحاجة لغطاء التيار الشعبي والنيابي لدوره وسلاحه، ومن دونه ينكفئ إلى المربع الشيعي ويحاصر وطنيًا، وفي ظل هذه المصلحة المتبادلة بالذات إن أي رهان على فك تحالفهما هو أضغاث أحلام.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل